خطابات الرئيس محمود عباس "أبو مازن" 2026

كلمة الرئيس محمود عباس خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" في قاعة أحمد الشقيري، بمقر الرئاسة في مدينة رام الله، بتاريخ 14/5/2026

بسم الله الرحمن الرحيم

"يا أيها الذين أمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون". صدق الله العظيم

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا ما أصابهم من لأواء حتى يأتي أمر الله وهم كذلك". قالوا: أين هم يا رسول الله؟ قال: "في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس".

السيدات والسادة الضيوف الكرام،

الأخوات والإخوة، أعضاء المؤتمر العام الثامن،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

نلتقي اليوم وبكل فخر وثبات في المؤتمر العام الثامن لحركتنا الأبية، حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، في لحظة مفصلية من تاريخ شعبنا وقضيتنا الوطنية، وفي ظل مخاطر وجودية كبيرة، وتبعات حرب الإبادة الجماعية والتجويع ومحاولات التهجير واستمرار معاناة أهلنا في قطاع غزة التي لم تنتهِ بعد. ويصادف غداً الذكرى الثامنة والسبعون للنكبة التي حلت بشعبنا في العام 1948 والتي لن تكرر بصمود شعبنا في وطنه.

كما نلتقي اليوم، في ظل انتهاكات صارخة للقانون الدولي تقوم بها حكومة الاحتلال المتطرفة التي تمارس التوسع الاستيطاني والاعتداءات العنصرية وإرهاب المستوطنين، وسرقة الأرض، وحصاراً اقتصادياً واعتداءً على الوضع القانوني والتاريخي للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس والخليل، بالإضافة إلى احتجاز أموال الشعب الفلسطيني في انتهاك غير مسبوق للاتفاقات والقانون الدولي في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وفي ظل ظروف استثنائية بالغة الصعوبة، وتداعياتها الإنسانية والاقتصادية والسياسية، إلى جانب التحديات الإقليمية المتسارعة.

وفي السياق الإقليمي، تؤكد دولة فلسطين موقفها الثابت القائم على احترام سيادة الدول وأمنها واستقرارها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وعدم القبول بتدخل أحد في شؤوننا، وقد رفضنا وأدنا في الحرب الأخيرة الاعتداءات الإيرانية التي تعرضت لها دول الخليج والأردن، معبرين عن تضامننا ووقوفنا إلى جانبها، كما نؤكد في الوقت ذاته رفضنا وإدانتنا للاعتداءات الإسرائيلية على الجمهورية اللبنانية الشقيقة، والتي تشكل انتهاكاً لسيادتها وللقانون الدولي وتهديداً للاستقرار الإقليمي.

الأخوات والإخوة،

 إن ما يتعرض له شعبنا في قطاع غزة هو كارثة إنسانية غير مسبوقة في تاريخنا المعاصر، ذهب ضحيتها أكثر من 270 ألف شهيد وجريح غالبيتهم من الأطفال والنساء والشيوخ، وقامت قوات الاحتلال بتدمير أكثر من 85% من المدن والمخيمات بما فيها المباني والمدارس والمستشفيات والكنائس والمساجد، وجعلتها غير قابلة للحياة، في محاولة لتهجير الفلسطينيين لعدد من الدول التي رفضت معظمها هذا الطلب من إسرائيل.

من الكوارث التي خلفها الاحتلال أن أكثر من 2500 عائلة فلسطينية قد مُسحت نهائياً من السجل المدني، ولم يتبق منها أحد. وأياًّ كان تقييم ما حصل في 7 أكتوبر، إلا أن الأمور تقاس بخواتيمها.

لقد تحولت غزة على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى منطقة منكوبة، تُرتكب فيها جرائم القتل والإبادة الجماعية والتجويع والحصار في انتهاك صارخ لكل قواعد القانون الدولي الإنساني.

 إن الوضع المأساوي في القطاع، يستوجب تمكين دولة فلسطين من أداء دورها من خلال مؤسساتها السيادية والخدمية، وذلك بالتعاون مع الهيئات التنفيذية لمجلس السلام، واللجنة الإدارية الفلسطينية خلال هذه الفترة الانتقالية، دون ازدواجية أو انفصال، مع الحرص على ربط المؤسسات في شقيّ الوطن.

إننا نسعى لتحقيق ذلك بالتعاون مع الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الدولية والأممية، لوقف هذه المأساة، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية والطبية ووسائل الإيواء، والبدء الفوري في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، تمهيداً للعودة للمسار السياسي وتحقيق الحرية والاستقلال.

وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، عاصمتنا الأبدية، يواجه شعبنا تصعيداً خطيراً يتمثل في إرهاب المستوطنين المنظم، الذي يجري تحت حماية جيش الاحتلال، من خلال الاعتداء على المواطنين، وحرق المنازل والممتلكات، وتدمير الأراضي الزراعية، في محاولة لفرض واقع قسري على الأرض.

إن هذا الإرهاب الممنهج والتوسع الاستيطاني السرطاني المنتشر في الضفة الغربية والقدس الشرقية، الذي وصل إلى أكثر من 214 مستوطنة، و372 بؤرة استيطانية، يستولي عليها حوالي 800 ألف مستوطن، إلى جانب محاولات الضم، من خلال قوانين سرقة الأراضي التي تسنها الحكومة الإسرائيلية لصالح المستوطنين، والقانون العنصري لإعدام الأسرى الفلسطينيين، وما يتعرضون له من تعذيب، كل ذلك يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي، ويتطلب محاسبة هذه الحكومة، وفرض إجراءات دولية رادعة ضدها فوراً، لوقف جميع إجراءاتها الأحادية، وتوفير حماية دولية لأهلنا في مواجهة هذا الإرهاب المنظم.

الأخوات والإخوة،

إن استمرار احتجاز أموال الشعب الفلسطيني، والتي تجاوزت حتى الآن خمسة مليارات دولار، واتخاذ اجراءات لحصار الاقتصاد الفلسطيني، يمثلان قرصنة مالية غير مسبوقة، وانتهاكاً فاضحاً للاتفاقيات الموقعة والقانون الدولي، وقد أدى ذلك إلى أزمة مالية خانقة أثرت بشكل مباشر على قدرة الحكومة الفلسطينية، التي تبذل الجهود المتواصلة والمقدرة للوفاء بالتزاماتها تجاه أبناء شعبنا، وهو الأمر الذي يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً للإفراج عن أموالنا ولفك الحصار الاقتصادي والالتزام بالقانون الدولي والاتفاقيات الموقعة.

وفي القدس الشرقية، عاصمتنا الأبدية، لا بُد من مواجهة المخططات الممنهجة، والممارسات العنصرية لتهويد المدينة وتغيير طابعها وهويتها والتضييق على أهلها من المسيحيين والمسلمين، علاوة على الانتهاكات بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية، ومحاولات تمرير المخططات الخبيثة للتقسيم المكاني والزماني في المسجد الأقصى، ومنع المصلين من الوصول إليه والى كنيسة القيامة.

إننا نطالب المجتمع الدولي بالتحرك الفوري لحماية القدس الشرقية، وأبناء شعبنا، ووقف انتهاك القانون الدولي والوضع التاريخي والقانوني فيها، واحترام الوصاية الهاشمية للمقدسات.

وكل ذلك يتطلب العودة لتنفيذ الاتفاقات الموقعة، اتفاق أوسلو، واتفاق باريس الاقتصادي، وتفاهمات العقبة وشرم الشيخ لعام 2023، والتوقف عن اتخاذ الاجراءات الأحادية التي تنتهك القانون الدولي.

الأخوات والإخوة، الضيوف الكرام؛

ورغم كل ذلك، فإن انعقاد مؤتمرنا اليوم على أرض الوطن، بحضور دبلوماسي واسع من الأشقاء والأصدقاء، وبمشاركة من أبناء شعبنا هنا في فلسطين وعبر التواصل المرئي من غزة والقاهرة وبيروت، يؤكد مجددًا تصميمنا على مواصلة المسار الديمقراطي في حركتنا العظيمة، وفتح المجال أمام الشباب والمرأة لتولي مناصب قيادية.

الأخوات والإخوة،

لقد كانت حركة "فتح" على الدوام العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني منذ انطلاقتها، وحاملة راية القرار الوطني المستقل، والحريصة على الحفاظ على هوية شعبنا ونضاله. وإن ما تحقق من إنجازات، إنما جاء بفضل تضحيات جسام قدمها القادة والشهداء والأسرى والمناضلون والمناضلات، الذين عبّدوا بدمائهم طريق الحرية والاستقلال.

وهنا نستذكر، بكل اعتزاز وفخر مسيرة رفاق الدرب، القادة المؤسسين لحركتنا المجيدة، القائد الرمز الشهيد ياسر عرفات، والقادة خليل الوزير، صـلاح خلف، فـــــــاروق القدومي، خالد الحســـــن، أبو يوسف النجار، أبو علي اياد، وأبو صبري، وبقية الإخوة والقادة الذين قادوا مسيرة الثورة منذ اللحظة الأولى لانطلاقتها، إلى جانب شهداء فلسطين والى يومنا هذا. كما ونستذكر بكل اعتزاز وتقدير جميع أسرانا وجرحانا البواسل الذين يتعرضون لأبشع أنواع الظلم والتعذيب والإهانة في سجون الاحتلال، وهم الذين قدموا التضحيات في أصعب الظروف، وفي مقدمتهم القائد الكبير مروان البرغوثي، ولن يهدأ لنا بال إلا بتحريرهم من سجون الاحتلال.

إن استنهاض حركة فتح، من خلال ضخ دماء جديدة، يضمن استنهاض الحركة الوطنية الفلسطينية، ويصب في رفعة مشروعنا الوطني ويعظم انجازاته.

لقد واجه شعبنا محاولات التصفية والاقتلاع والتهجير، وصفقة القرن، ومحاولات فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية والقدس، وصمد على أرضه، متمسكًا بحقوقه الوطنية، وعملنا على حشد الدعم لقضيتنا، وتعزيز مكانة دولة فلسطين في النظام الدولي، منذ إعلان الاستقلال في الجزائر عام 1988، وحصولها في العام 2012 على عضويتها المراقب في الأمم المتحدة، الأمر الذي فتح المجال أمام انضمامها لأكثر من مائة منظمة ومعاهدة دولية بعضوية كاملة.

الأخوات والإخوة،

إن المرحلة الراهنة، رغم قسوتها، تفتح كذلك نافذة سياسية يجب البناء عليها، حيث نشهد تحركات دولية غير مسبوقة تهدف إلى إنهاء الحروب في المنطقة، والذهاب للاستقرار والأمن والسلام الإقليمي، لتنعم بثماره جميع دول المنطقة، الأمر الذي يستوجب حل القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية، والتي تُبقي أسباب الصراعات قائمة إن بقيت دون حل، علماً بأن الشعب الفلسطيني هو الوحيد الذي لا زال يرزح تحت الاحتلال في هذا العصر.

وفي هذا السياق، نؤكد دعمنا لكل الجهود الدولية التي تقر بحقوق شعبنا وحمايته وتثبيته على أرضه، وفي مقدمتها:

- قرارات الشرعية الدولية ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية، بما فيها القرارات 181، 194، 242، 338، 2334.

- إعلان نيويورك الصادر عن المؤتمر الدولي رفيع المستوى، برئاسة مشتركة للمملكة العربية السعودية وفرنسا، ومشاركة فاعلة لأكثر من مائة دولة، الذي أكد على اتخاذ خطوات لا رجعة عنها نحو تنفيذ حل الدولتين، وتعزيز الاعتراف الدولي بدولة فلسطين.

- خطة الرئيس ترامب، وقرار مجلس الأمن رقم 2803، اللذان يشكلان إطارًا دوليًا لوقف إطلاق النار في غزة، والتخفيف من معاناة شعبنا، والانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع، وإطلاق مسار التعافي وإعادة الإعمار، والتوقف عن جميع الإجراءات الأحادية التي تنتهك القانون الدولي، ورفع العقوبات الامريكية عن منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية بموجب القوانين الأمريكية، والانتقال نحو تنفيذ حق تقرير المصير وتجسيد دولة فلسطين وفق قرارات الشرعية الدولية.

إننا نرى في إعلان نيويورك والخطة المعنية، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، إذا تم تنفيذها وفق المرجعيات الدولية والقانون الدولي، فرصة حقيقية لإنهاء الاحتلال، وتحقيق السلام العادل والدائم، إلى جانب حل جميع أسباب الصراع الأخرى في المنطقة.

ونُجدد في هذا الصدد، التزامنا الكامل بمواصلة العمل على تنفيذ جميع بنود الإصلاحات التي تعهدنا بها لرئاسة المؤتمر الدولي للسلام، وللدول التي اعترفت بدولة فلسطين، وفي إطار تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وآخرها القرار 2803. 

وفي هذا الإطار، فإننا نعمل مع الإتحاد الأوروبي والشركاء، على تطوير الإدارة الحكومية وتقديم الخدمات الرقمية التي ترفع كفاءة الخدمات وتسرع إنجازها، إضافة الى تطوير قطاعي الأمن والعدالة بما يضمن الالتزام بسيادة القانون وتسريع معاملات التقاضي، وتطوير البرامج الدراسية وفق معايير اليونسكو، وقد قطعت الحكومة شوطاً هاماً في هذا المجال، بما في ذلك العمل الجاري حالياً مع خبراء اليونسكو.

ومن ناحية أخرى، فقد تم بناء نظام حماية اجتماعية موحد، تنفيذاً للقانون رقم (4) الصادر في يناير 2025، وتقوم جهات تدقيق دولية مستقلة بإصدار تقارير دورية في هذا الشأن.

وفي مسألة مكافحة الفساد، فقد أنشأنا منذ العام 2010 هيئة لمكافحة الفساد، الى جانب عمل ديوان الرقابة المالية والإدارية، وكل ذلك من أجل تعزيز النزاهة والمحاسبة ومكافحة الفساد.

وعلى صعيد آخر، فإننا نعمل على تعزيز المسار الديمقراطي، وقد عقدنا مؤتمراً هاماً للشبيبة الفتحاوية تبعه إجراء الانتخابات المحلية في ابريل الماضي، وها نحن نعقد مؤتمرنا هذا بعد غياب عشر سنوات، ونُعد لانتخابات المجلس الوطني في شهر نوفمبر، وللانتخابات العامة والرئاسية بدءاً بإعداد الدستور، وقانون الأحزاب السياسية، وقانون الانتخابات العامة.

وهو الأمر الذي يؤكد على التزامنا الراسخ بالمسار الديمقراطي والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، واشراك جميع شرائح المجتمع الفلسطيني ومؤسساته في ظل سيادة القانون.

إننا، ونحن نعقد هذا المؤتمر، نؤكد حرصنا على أن تكون مؤسساتنا الوطنية أكثر تمثيلاً وشمولاً، بما يضمن مشاركة غير مسبوقة وفاعلة للمرأة والشباب، ويعزز من دورهم في بناء مستقبلنا الوطني.

الأخوات والإخوة، الضيوف الكرام؛

إننا نؤكد في هذا السياق أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، وأن أية ترتيبات انتقالية يجب أن تكون مؤقتة، ولا يجوز أن تمس بوحدة الأرض الفلسطينية أو وحدانية التمثيل أو الشرعية أو نظامها السياسي والقانوني.

كما نؤكد أن وحدتنا الوطنية تبقى الأساس الصلب لمواجهة التحديات، وإنهاء الانقسام، وفق أسس اتفقنا جميعاً عليها ترتكز على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد، والالتزام ببرنامجها السياسي والتزاماتها الدولية ومبدأ النظام الواحد والقانون الواحد والسلاح الشرعي الواحد، والالتزام بالمقاومة الشعبية السلمية.

وقد دعونا الجميع للالتزام بهذه المبادئ، التي ستفتح الطريق للوحدة الوطنية، وتُسهم في تعزيز صمود شعبنا، وتحقيق تطلعاته في الحرية والاستقلال، وتجسيد دولتنا الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي هذا الصدد، فقد قمنا وبالاتفاق مع الرئيس اللبناني جوزيف عون بتسليم السلاح التابع لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية في المخيمات، ونعمل في إطار لجان مختصة لتحسين أوضاع اللاجئين واستعادة العقارات في لبنان وكذلك الأمر في سوريا بما فيها المدينة التعليمية.

وفي موضوع منفصل، وبسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية لأهلنا في لبنان، فإن الطلاب الذين يحصلون على الثانوية العامة لا يتمكنون من متابعة دراستهم الجامعية الا ما ندر.

ولذلك، وقبل حوالي عشر سنوات أسسنا مؤسسة لتعليم هؤلاء سواء في الجامعات اللبنانية أو في جامعات الخارج، على أن يشمل هذا الأمر كل من يحصل على شهادة الثانوية العامة ما دام يحمل صفة لاجئ فلسطيني في لبنان.

ومنذ تأسيس هذه المؤسسة تخرج منها إلى الآن أكثر من أثني عشر ألف طالب، بالإضافة إلى الطلاب المسجلين في الجامعات الآن وعددهم أربعة الاف طالب.

الأخوات والإخوة،

إن قضية اللاجئين الفلسطينيين ستبقى جوهر القضية الفلسطينية، ونؤكد على حتمية حلها بالعودة والتعويض وفق قرارات الشرعية الدولية وبخاصة القرار 194 والمبادرة العربية للسلام، وعلى أهمية الدور الحيوي الذي تقوم به وكالة الأونروا في تقديم الخدمات الأساسية لملايين اللاجئين. ونرفض بشكل قاطع أية محاولات تستهدف تقويض دورها أو شطبها، باعتبار ذلك استهدافاً مباشراً لحقوق اللاجئين ومحاولة لتصفية قضيتهم، ونطالب الدول بتوفير الدعم لها حتى تتمكن من مواصلة عملها الذي ينتهي بعودة اللاجئين الى ديارهم.

الأخوات والإخوة،

إن هذا المؤتمر يشكل محطة مفصلية لمراجعة مسيرتنا، وتقييم أدائنا، ووضع رؤية وطنية جامعة للمرحلة القادمة، بما يعزز صمود شعبنا، ويدعم جهود إعادة الإعمار، ويفتح أفقًا سياسيًا حقيقيًا ينهي الاحتلال.

وفي ظل انجازاتنا المتمثلة بالاعترافات الدولية الواسعة بدولة فلسطين التي وصلت إلى 160 دولة، والتي نعمل على زيادتها، فإننا نواصل العمل مع شركائنا الدوليين والإقليميين لضمان تنفيذ هذه المسارات، وتحويلها إلى واقع ملموس يضع حدًا لمعاناة شعبنا، ويحقق الأمن والاستقرار في المنطقة.

وفي هذا السياق، نقدر عالياً دور جميع الدول والشعوب بما في ذلك لجان التضامن والمؤسسات الأهلية والجامعات في العالم التي تضامنت ووقفت إلى جانب حقوق شعبنا في الحرية والاستقلال، وفي المحافل الدولية كافة، والشكر موصول للدول والشعوب الشقيقة والصديقة التي قدمت المساعدات الإنسانية، واستقبلت وعالجت الجرحى، وقدمت المنح الدراسية لطلاب فلسطين.

وبهذه المناسبة، أتقدم بالشكر والتقدير لمصر الشقيقة بقيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ولبنان الشقيق بقيادة فخامة الرئيس جوزيف عون، على موافقتهما على مشاركة عدد من أعضاء المؤتمر في مصر ولبنان عبر الفيديو كونفرانس، بعد أن تعذر حضورهم إلى أرض الوطن.

الأخوات والإخوة،

بالرغم من الظلم والعذاب والمعاناة والكوارث التي يعيشها شعبنا جراء الاحتلال، أوجه رسالة خاصة إلى الشعب الإسرائيلي، إن المزيد من الاستيطان والتطرف وتعميق الاحتلال ونكران الحقوق المشروعة لشعبنا الفلسطيني، لن يجلب السلام والأمن. لقد عقدنا معكم اتفاقيات تؤسس لسلام حقيقي لنا ولكم، سلام نعيش فيه معاً بأمن واستقرار وحسن جوار، بعيداً عن الحروب والعدوان والإرهاب، ولا تزال أيدينا ممدودة لكي نحقق السلام المنشود في أرض السلام.

وفي الختام، نُحيي شعبنا الصامد في غزة والضفة والقدس، الذي يتصدى لمخططات التهجير، والتصفية، والضم، مشيدين بدور الشقيقتين مصر والأردن في هذا السياق. كما نُحيي شعبنا الصامد في مخيمات اللجوء، وجالياتنا الفلسطينية في كل أنحاء العالم على الدور الذي تقوم به لحشد الدعم لحرية واستقلال فلسطين.

ونُحيي أسرانا البواسل، وننحني إجلالاً لأرواح شهدائنا الأبرار، ونقول لجميع أبناء شعبنا في كل مكان، إننا معكم وبكم باقون على أرضنا، رغم الألم والحصار والمعاناة، نواصل المسيرة، وبالصبر والصمود نحقق أهدافنا الوطنية. والسلام عليكم.
 

كلمة الرئيس محمود عباس خلال حفل منحه شهادة الدكتوراة الفخرية في العلوم الإنسانية، من الجامعة العربية الأمريكية في رام الله، بتاريخ 15/1/2026

"يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" صدق الله العظيم

الإخوة مجلس الامناء ومجلس الإدارة للجامعة العربية الأمريكية

الإخوة في رئاسة الجامعة وأعضاء الهيئة التدريسية

أبنائي الطالبات والطلبة الأعزاء

الحضور الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أشعر بسعادة غامرة وبفخرٍ واعتزازٍ كبيرين، لوجودي اليوم بينكم في رحاب الجامعة العربية الأمريكية، هذا الصرح التعليمي والأكاديمي المميز، الذي أسهم ويسهم في جعل فلسطين منارة للعلم والمعرفة، ويوفر لطالباتنا وطلابنا فرص التحصيل العلمي في المجالات المختلفة، وبخاصة في مجال العلوم الحديثة.

كما أتوجه لهذه الجامعة الفتية الصاعدة بجزيل شكري على قرارها منحي شهادة الدكتوراة الفخرية في العلوم الإنسانية، والتي أعتبرها وساماً عزيزاً نضعه سوياً على صدر شعبنا الفلسطيني الصابر الصامد، هذا الشعب الذي جعل فلسطين العلم والمعرفة والإبداع وجهاً آخر لفلسطين الدولة الحرة الديمقراطية.

السيدات والسادة،

إن التعليم هو سلاحنا الأمثل، وسر من أسرار صمودنا، ومصدرٌ لوعينا الوطني، فالإنسان الفلسطيني المتعلم هو ثروتنا الحقيقة. ونحن نفخر بأن فلسطين اليوم تكاد تكون بلداً بلا أمية، حيث إن معدلات الأمية فيها هي من أدنى المعدلات في العالم.

ورغم الظروف القاهرة التي يعيشها شعبنا، فإننا نشهد نهضة علمية ملموسة، ففي فلسطين، اليوم، هناك خمسون جامعةً ومعهداً متوسطاً، وأكثر من ثلاثة آلاف مدرسة، ومليون وسبعمائة ألف طالب وطالبة في جامعاتنا ومدارسنا، وتبلغ نسبة الحاصلين على شهادة جامعية فأعلى أكثر من 20% من مجمل السكان، وهي نسبة مرتفعة بالمقارنة مع دول أخرى.

وما يزيدنا فخراً أن نسبة الطالبات في التعليم العالي تبلغ 62% من مجموع الطلبة، كما يتصدر قطاع التعليم القطاعات الأخرى من حيث مشاركة المرأة، فهي تشكل نحو 60% من إجمالي العاملين فيه.  

كلنا ثقة بأنَّ الجامعات الفلسطينية سوف تواكب تقدم العلم والمعرفة، وأن دورها لن يقتصر على نقل تلك المعرفة، وإنما تطويرها من خلال تخصيص موازنات للبحث العلمي والأكاديمي، وتأسيس الشراكات مع القطاع الخاص والدولة للمساهمة في تنمية المعرفة وامتلاك ناصية التكنولوجيا التي أصبحت مقياس تطور الشعوب والدول. ويتوجب هنا مراجعة التخصصات الأكاديمية التي توفرها جامعاتنا انسجاماً مع التطور التكنولوجي والعلمي في العالم.

الحضور الكريم،

بالعلم نصمد، وبالعلم ننهض، وبالعلم نبني الوطن ورغم النكبة، خرجنا من الخيام سعياً وراء العلم، فأصبح لدينا المعلمون والمحامون والأطباء والمهندسون، وواصلنا المسيرة بكل إصرار وثبات، وبنينا مجتمعنا وكياننا على أسس علمية راسخة، بحيث أصبحت دولة فلسطين اليوم دولة كاملة الأركان، رغم أنها لا تزال ترزح تحت الاحتلال.

وينتشر أبناؤنا اليوم في مختلف جامعات ومعاهد العالم، يدرسون ويُدرِّسون، ومنهم العلماء والباحثون والخبراء والمختصون؛ هؤلاء هم العنوان الحضاري لشعبنا لدى شعوب العالم.

ولا بد أن نتذكر أن شُبَّاناً في مثل أعمار طلابنا أو أكبر قليلاً قاموا بأعظم ثورة في تاريخ الشعب الفلسطيني، وهي الثورة الفلسطينية المعاصرة التي انطلقت في العام 1965.

لقد عمل أعداؤنا على تشويه تاريخنا وروايتنا، ولذلك، فإنني أطالبكم في هذه الجامعة، وفي كل الجامعات ومراكز الأبحاث والدراسات الفلسطينية، أن تشرعوا دون تأخير في استكمال كتابة تاريخ بلدكم فلسطين وشعبها الذي تعرض للتشويه والتزييف من قبل الدوائر الاستعمارية والصهيونية، ونشر وتعميم هذا التاريخ.

لقد حان الوقت لكي يكتب الشعب الفلسطيني تاريخه الكامل بنفسه، ويقدم روايته الحقيقية والأصيلة، ويدحض مرة وإلى الأبد، تلك الروايات الكاذبة والمزيفة التي تتعمد تشويه حقيقة وصورة وتاريخ الشعب الفلسطيني.

السيدات والسادة،

إن ترحيبنا بجهود الرئيس ترمب وخطته، وبقرار مجلس الأمن (2803)، وكذلك بجهود التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين وإعلان نيويورك، ينسجم مع قناعتنا للحاجة الملحّة لتدخل دولي فاعل يضع حدًا لهذه الجرائم، ويضمن تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ويقود إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق السلام العادل والشامل وفق حل الدولتين.

لقد أبدينا استعدادنا لتحمل مسؤولياتنا في هذا الصدد، وكلنا أمل أن تؤدي هذه الجهود إلى وقف دائم لإطلاق النار، والتخفيف من معاناة شعبنا، وانسحاب قوات الاحتلال، وإعادة الاعمار، ووقف التوسع الاستيطاني وإرهاب المستوطنين، والإفراج عن أموالنا المحجوزة، ووقف الاعتداءات على المقدسات الإسلامية والمسيحية.

لقد أعلنا عن دعمنا تشكيل اللجنة الفلسطينية لإدارة قطاع غزة في هذه المرحلة الانتقالية، وأعربنا عن تقديرنا لجهود الرئيس ترمب والوسطاء مصر وقطر وتركيا، والانتقال الى تنفيذ المرحلة الثانية. ونجدد التأكيد على أهمية الربط بين مؤسسات السلطة الفلسطينية في الضفة وغزة، وعدم إنشاء نُظم إدارية وقانونية وأمنية تكرس الازدواجية والتقسيم.

وفي هذا الإطار نضع أمام العالم بأسره رؤيتنا السياسية، التي تقوم على الأسس التالية:

- التمسك بحق شعبنا في تقرير المصير، وحق العودة، والدولة المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران، بعاصمتها القدس الشرقية، تعيش بأمن وسلام مع جيرانها.

- الدولة الفلسطينية دولة ديمقراطية تتحقق فيها المواطنة المتساوية للجميع، وتؤمن بالتعددية السياسية، وحرية الرأي، وتشكيل الأحزاب، وتتمسك بحكم القانون، والحكم الرشيد، وحقوق الإنسان، والنزاهة والمساواة. دولة واحدة، بنظام واحد، وقانون واحد، وسلاح شرعي واحد.

- الانتخابات العامة التشريعية والرئاسية المباشرة هي أساس الحكم الديمقراطي، وهي السبيل الوحيد للتداول السلمي للسلطة، في ظل سيادة القانون، والشفافية والمحاسبة، وتمكين المرأة والشباب. ونقوم في هذه الأيام بصياغة دستور مؤقت وقانون للأحزاب تحضيراً للانتخابات القادمة.

- وكنا قد أجرينا في العام الماضي انتخابات للنقابات والاتحادات ولشبيبة حركة فتح، ونحن مقبلون على انتخابات محلية في أبريل ومؤتمر لحركة فتح في مايو، وتفعيل لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وجميعها في هذا العام. 

- الدولة الفلسطينية تلتزم بالقانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، والشرعية الدولية، والاتفاقات والمعاهدات الموقعة مع الدول الأخرى والمنظمات والمؤسسات الدولية.

- المقاومة السلمية الشعبية، بالإضافة إلى العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني، هي خيارنا الاستراتيجي لإنهاء الاحتلال الجاثم على أرض دولتنا.

- اننا نسعى للوصول إلى أهدافنا في الحرية والاستقلال من خلال صمود شعبنا وبقائه في أرض وطنه، ومواصلة العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني، الذي حققنا من خلاله اعترافاً بدولة فلسطين في الامم المتحدة كعضو مراقب في العام 2012، ورفعنا علم فلسطين خفاقاً فوق مقرات الأمم المتحدة، وقمنا بالانضمام إلى أكثر من مائة منظمة ومعاهدة دولية بعضوية كاملة.

وقد عملنا مع الأشقاء والأصدقاء والشركاء لبناء تحالف دولي وعقدنا مؤتمراً دولياً للسلام من أجل تنفيذ حل الدولتين، والذي نجم عنه إعلان نيويورك، واعتراف دول كبرى بدولة فلسطين وصلت إلى 160 دولة.

ونؤكد في هذا الإطار، أننا سنواصل بذل الجهود مع الرئيس ترمب وباقي الشركاء المعنيين، ولدينا أمل بأن يشهد العام 2026 تقدماً في حل القضية الفلسطينية، خاصةً أننا نرى بوادر إيجابية من الإدارة الامريكية.

السيدات السادة،

إن الشعب الفلسطيني العظيم لا يعرف اليأس، وهو مسلح بالإيمان والأمل، ورغم كل ما يواجهه من تحديات، فإنه يواصل الحفاظ على وجوده على أرض دولته التي سوف تتحرر من الاحتلال الغاشم بإرادته الصلبة التي لا تلين بإذن الله، كما يحافظ على تاريخه وهويته وذاكرته الوطنية أينما تواجد.

وبالرغم من الكارثة التي حلت بشعبنا بسبب حرب الإبادة والتجويع، وارتقاء أكثر من 260 ألفاً بين شهيد وجريح، وتدمير أكثر من 85% من البنية التحتية والمرافق في قطاع غزة، إلّا أننا نُجدد العزم على إعادة الإعمار والبناء للجامعات والمدارس ورياض الأطفال والكنائس والمساجد، وجميع مرافق دولتنا التي دمرها الاحتلال الوحشي في قطاع غزة، الجزء العزيز الآخر من دولتنا، بعاصمتها القدس، درة التاج، وسوف نعيد بناء ما دمره الاحتلال أيضاً في مخيمات وقرى ومدن الضفة الغربية.

السيدات والسادة،

أغتنم هذه المناسبة لكي اتوجه باسمي وباسم الشعب الفلسطيني بالعرفان والتقدير لشعوبنا العربية وشعوب العالم، وبخاصة شريحة الطلاب والشباب، الذين وقفوا إلى جانب الحق الفلسطيني ضد الظلم والطغيان والعدوان والإبادة الجماعية التي تعرض لها شعبنا، ونظموا المظاهرات والاحتجاجات التي جابت مدن العالم المختلفة تضامناً مع الشعب الفلسطيني، ودعماً لنضاله العادل من أجل حقه في الحرية والاستقلال.

وأخيراً، أود أن أتوجه للشباب الفلسطيني في كل مكان وأقول: العلم هو سلاحكم الفعال، والمعرفة ستقودكم لتحقيق أهدافكم السامية والنبيلة.

أجدد شكري لرئاسة الجامعة العربية الأمريكية على هذا التقدير الكبير، وأتمنى لكم مزيداً من التقدم والتطور.