خطاب الرئيس محمود عباس المسجل أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، المنعقدة في مدينة نيويورك
للعام الثاني على التوالي، مُنع الوفد الفلسطيني من الحصول على تأشيرات الدخول اللازمة للوصول إلى نيويورك، والمشاركة حضوريا في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
إننا نرفض هذه الإجراءات العقابية غير القانونية، ونرفض الاتهامات والمبررات التي استندت إليها. ونؤكد أننا قد أوفينا بالتزاماتنا، وأنجزنا برنامجا وطنيا شاملا للإصلاح، وواصلنا التزامنا بالقانون الدولي، وبنبذ العنف والإرهاب، وبحل الدولتين والسلام القائم على قرارات الشرعية الدولية.
كما نؤكد أنه لا يجوز معاقبة الشعب الفلسطيني وقيادته لأنهم يطالبون بإنهاء الاحتلال، أو لأنهم يلجأون إلى الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية. إن احتكامنا إلى القانون الدولي، ومؤسساته، هو خيار سلمي وحضاري، وليس عملا معاديا للسلام.
إن منع الوفد الفلسطيني من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة، يتعارض مع الالتزامات المترتبة على الولايات المتحدة، بصفتها دولة المقر.
ومن هنا، فإننا ندعو الإدارة الأميركية إلى التراجع عن هذه العقوبات والقيود، والعودة إلى لغة الحوار والاحترام المتبادل، والعمل معنا ومع المجتمع الدولي من أجل تنفيذ حل الدولتين، المستند للشرعية الدولية، وتحقيق السلام، بدلا من معاقبة الجانب الذي اختار القانون الدولي، والعمل السياسي والدبلوماسي طريقا لنيل حقوقه.
السيد الرئيس، الدول الأعضاء،
أتحدث إليكم اليوم وشعبنا الفلسطيني يواجه واحدة من أخطر المراحل في تاريخه، بعد عقود طويلة من الظلم التاريخي والاقتلاع واللجوء والاحتلال، وحرمانه من حقه الطبيعي في تقرير المصير والحرية والاستقلال.
ففي قطاع غزة، يتعرض شعبنا على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي للقتل والدمار والتجويع ومحاولات التهجير، ولحرب إبادة جماعية خلّفت مأساة إنسانية غير مسبوقة، دمرت أحياء ومدنا ومخيمات ومؤسسات ومدارس وجامعات ومستشفيات، ومساجد، وكنائس، واستهدفت كل مقومات الحياة، ومستقبل أجيال كاملة.
وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، يتسارع التوسع الاستيطاني، وتقطيع أواصر الضفة وعزل وتهويد القدس، ويتصاعد إرهاب المستوطنين تحت حماية قوات الاحتلال، وتتواصل جرائم سرقة الأراضي وهدم المنازل والحواجز والاقتحامات، في ظل منظومة من القوانين والإجراءات والممارسات القائمة على التمييز العنصري والتطهير العرقي وإرهاب الدولة.
السيدات والسادة،
لقد حذرنا المجتمع الدولي طويلا، من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، بأن هذه السياسات الاسرائيلية الخارجة عن القانون الدولي ستُدمر حل الدولتين، وهذا ما يجري الآن.
واليوم نحذر من خطر أكبر قادم، يحتاج لإجراءات دولية لوقفه:
إن الخطر لم يعد يقتصر على تقويض حل الدولتين ومنع تجسيد الدولة الفلسطينية، بل أصبح يهدد حياة ووجود الشعب الفلسطيني نفسه على أرض وطنه.
فما يجري في غزة، وما يجري في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ليست أحداثا منفصلة، بل هي خطة استعمارية خبيثة هدفها جعل حياة الفلسطيني أكثر صعوبة على أرض وطنه، ودفعه إلى الرحيل القسري عنها.
إننا نُحذر من على هذا المنبر: لا تسمحوا بحدوث نكبة ومجازر أخرى كالتي حدثت في عام 1948، ولا تسمحوا لعصابات الإرهاب المحمية بقوات الاحتلال الاسرائيلي أن تحرق بيوت الفلسطينيين وهم نائمون فيها، ولا تسمحوا أن يعيش أطفالنا تحت الخوف والتهديد.
وأتساءل مجددا أمامكم: إلى متى ستواصل بعض الدول السكوت على إسرائيل أو تزويدها بالسلاح الذي تستخدمه ضد شعبنا؟!.
لقد شهد العالم التكلفة الباهظة في قطاع غزة والضفة الغربية، فماذا ينتظر المجتمع الدولي ليقوم بحماية الشعب الفلسطيني، وبقائه على أرضه، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتنفيذ حل الدولتين المستند إلى الشرعية الدولية.
إن هذا الحل يضمن السلام للجميع، بدلا من التهديد القادم من التطرف الإسرائيلي، الذي يهدف الى التوسع نحو مشروعه الاستعماري لإنشاء ما يسمى بإسرائيل الكبرى، ومحو الوجود الفلسطيني.
السيد الرئيس، الدول الأعضاء،
لقد رحبنا بخطة الرئيس دونالد ترمب ذات النقاط العشرين، كما رحبنا بقرار مجلس الأمن رقم 2803 وبخارطة الطريق لتنفيذ المرحلة الثانية. وذلك من أجل وقف العدوان على شعبنا وإنهاء مأساته الإنسانية وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة وإعادة إعماره، لكننا مع الأسفِ الشديد لم نرَ شيئا من هذا يتحقق على أرض الواقع، فالقتل والعدوان الإسرائيلي لا يزال يحصد أرواح الرجال والنساء والأطفال في غزة.
لقد مر عام تقريبا منذ صدور القرار 2803 وتشكيل هيئات مجلس السلام، ولم يتبق من الفترة الانتقالية المقررة سوى عام واحد حتى نهاية 2027.
لذلك ندعو إلى الإسراع في تنفيذ المرحلة الثانية وعدم إضاعة المزيد من الوقت، فالمرحلة الانتقالية يجب ألا تتحول إلى وضع دائم أو مفتوح بلا أفق زمني وسياسي واضح، وإنما يجب أن تقود إلى إعادة توحيد قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تحت ولاية دولة فلسطين ومؤسساتها الشرعية ووفق مبدأ: دولة واحدة، وحكومة واحدة، وقانون واحد، وسلاح شرعي واحد.
السيدات والسادة، الدول الأعضاء،
إن المخاطر والاعتداءات على أيدي المتطرفين، التي تتعرض لها المقدسات الإسلامية والمسيحية، وبخاصة المسجد الأقصى وكنيسة القيامة في القدس، والمسجد الإبراهيمي في الخليل، والتي تمثل انتهاكا للوضع التاريخي والقانوني ولحرية العبادة، يجب أن تتوقف وبشكل فوري قبل أن تتحول إلى صراع ديني واسع في الإقليم وخارجه، ونحن جميعا في غنى عن ذلك.
كما أن الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على مقرات الأمم المتحدة ومؤسساتها في القدس والضفة الغربية، تقوض قدرة وكالة الأونروا على مواصلة القيام بواجباتها في توفير الدعم والمساعدة للاجئين الفلسطينيين، خاصة في مجالات التعليم والصحة والتدريب المهني.
وهنا فإننا نهيب بجميع الدول والمنظمات الدولية والإقليمية أن تواصل دعمها لمهام الأونروا، التي لا بديل عنها طالما بقيت قضية اللاجئين دون حل، الأمر الذي يتطلب مواصلة الدعم المالي والإسناد السياسي، ووقف هذه الاعتداءات عليها.
ومن ناحية أخرى، نحذر بصورة خاصة من تنفيذ المخطط الاستيطاني E1، الذي يهدف الى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، ويمنع تجسيد الدولة الفلسطينية المتواصلة جغرافيا، الأمر الذي يتطلب تدخلا عاجلا ومسؤولا لمجلس الأمن الدولي وتنفيذ قراره 2334، القاضي بوقف جميع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.
ونقدر عاليا الإجراءات التي اتخذتها المملكة المتحدة و12 دولة بشأن حماية حل الدولتين وحظر منتجات المستوطنات، ونشيد بالدعوة التي أطلقها قادة فرنسا والمملكة المتحدة وكندا لعقد قمة في نيويورك حول هذا الأمر، وندعو الرئيس ترمب إلى الوفاء بالتعهدات التي قدمها لقادة الدول العربية والإسلامية في سبتمبر الماضي بمنع ضم الأرض الفلسطينية ورفض التهجير.
السيد الرئيس، الدول الأعضاء،
لا يمكن الفصل بين ما تقوم به إسرائيل من استيلاء على الأرض، وتفكيك للمؤسسات الفلسطينية، وتجفيف للموارد المالية. فهذه كلها أدوات تؤدي إلى نتيجة واحدة: إضعاف قدرة شعبنا على البقاء والصمود على أرضه، وتقويض مؤسساته الوطنية، ومنع تجسيد دولته.
فالحكومة الإسرائيلية تحتجز بصورة قسرية أكثر من ستة مليارات دولار من أموال الشعب الفلسطيني، ونحن هنا نُطالب بالإفراج الفوري عن جميع أموالنا المحتجزة، وضمان تحويلها بصورة منتظمة وكاملة، ورفع القيود والحصار المالي والاقتصادي المفروض على شعبنا ومؤسساتنا، وفقا لبروتوكول باريس الاقتصادي.
السيد الرئيس، السيدات والسادة،
بعد مرور عام على انعقاد المؤتمر الدولي للسلام وصدور إعلان نيويورك، أقول لكم اليوم بكل ثقة ومسؤولية: لقد أوفينا بما تعهدنا به.
أنجزنا برنامج الإصلاح الوطني الذي التزمنا به أمام شعبنا والمجتمع الدولي، وعززنا حوكمة المؤسسات والمالية العامة والشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد وسيادة القانون.
وأنشأنا نظاما وطنيا موحدا للحماية والرعاية الاجتماعية يقوم على أساس الحاجة، وأنهينا القوانين والأنظمة السابقة المتعلقة بذلك، وحصلنا على تدقيق دولي مستقل يؤكد صحة ما قمنا به.
وواصلنا إصلاح نظام التعليم وتطوير المناهج وفق المعايير الدولية وبالتعاون مع اليونسكو، بما يعزز قيم السلام والتسامح واحترام الآخر، ويحافظ على هويتنا الوطنية وحقوق شعبنا. كما مضينا في طريق التجديد الديمقراطي وتمكين المرأة والشباب.
لقد أجرينا انتخابات المجالس المحلية، وانتخابات الاتحاد العام لطلبة فلسطين، ونحن ذاهبون إلى الانتخابات التشريعية في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر من هذا العام، وإلى استكمال تجديد مؤسسات المجلس الوطني الفلسطيني، ثم إلى الانتخابات الرئاسية.
وأجدد باسم دولة فلسطين الالتزامات التي نؤمن بها: نريد الأمن والسلام للجميع، ونرفض الاعتداء على المدنيين من أي طرف كان، ونرفض الإرهاب والتطرف بجميع أشكالهما، ونكافح معاداة السامية والعنصرية والكراهية، ونؤمن بثقافة السلام والحوار والتعايش.
ونريد دولة فلسطينية ديمقراطية تحترم سيادة القانون وحقوق الإنسان، دولة غير مسلحة تعيش بأمن وسلام إلى جانب دولة إسرائيل.
السيدات والسادة،
لم يبدأ التزامنا بالسلام اليوم. ففي عام 1988، اتخذ شعبنا وقيادته قرارا تاريخيا وصعبا، وقبلنا بتسوية تاريخية تقوم على حل الدولتين المستند للشرعية الدولية.
واليوم نقول للعالم: إن إنقاذ هذا الحل يبدأ بالحفاظ على الأرض التي تقوم عليها الدولة الفلسطينية، وحماية الشعب الذي يعيش فيها.
إن الشعب الفلسطيني باق على أرضه، لن يقبل التهجير، ولن يختفي. فلا الاحتلال العسكري، ولا الاستيطان والضم وإرهاب المستوطنين، يمكن أن يكون حلا أو يصنع أمنا دائما.
وفي المقابل لن نبقى ننتظر، ولن نقبل بما تقرره حكومات دولة الاحتلال الإسرائيلي لنا؛ فلا أمن دائم يمكن أن يقوم على احتلال شعب آخر، وحرمانه من حقوقه المشروعة.
لدينا مشروعنا الوطني: حماية شعبنا من التهجير، والحفاظ على أرضنا ووحدتها، وتجديد مؤسساتنا ديمقراطيا، وبناء دولتنا، ملتزمين بالقانون الدولي، وممارسة حقنا في تقرير المصير وصولا لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وعودة اللاجئين وفقا للقرار الأممي 194.
لا نريد عملية جديدة لإدارة الصراع بينما تتغير الأرض كل يوم، بل عملية تُنهي الاحتلال وتضمن للفلسطينيين الحرية وتقرير المصير، وللإسرائيليين ودول المنطقة الأمن والسلام.
إن رؤيتنا للسلام واضحة: شعبٌ فلسطيني باق على أرضه، يقرر مستقبله بنفسه؛ ودولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل؛ وسلام فلسطيني– إسرائيلي يفتح الطريق أمام السلام والاندماج الإقليمي والتعاون والازدهار والأمن للجميع.
السيد الرئيس،
السيدات والسادة،
نشكر جميع الدول والشعوب التي وقفت إلى جانب شعبنا، وقدمت له الدعم السياسي والإنساني والاقتصادي، وساعدتنا في الحفاظ على مؤسساتنا وإغاثة أبناء شعبنا.
ونشكر الدول التي اعترفت بدولة فلسطين والتي بلغت 160 دولة، وندعو الدول التي لم تعترف بها بعد إلى القيام بذلك.
كما ندعو كذلك إلى منح دولة فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، أسوة ببقية دول وشعوب العالم.
وأخيرا، أتوجه إلى أبناء شعبنا الفلسطيني في الوطن والشتات:
لقد سطرتم أعظم صفحات العز والكرامة بتمسككم بأرضكم ووحدتكم وحقوقكم المشروعة. لن نغادر وطننا، ولن نقبل بالتهجير، ولن نسمح لأحد أن يُقرر مستقبلنا نيابة عنا، ونمدُّ أيدينا للسلام القائم على الشرعية الدولية حتى تتحقق حريتنا واستقلالنا، وليعيش الجميع في المنطقة بأمن وسلام وحسن جوار.
كلمة الرئيس محمود عباس المسجلة في حفل تخريج طلبة مؤسسة محمود عباس في لبنان، بتاريخ 2/9/2026
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
صدق الله العظيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يسعدني أن أشارككم هذه المناسبة الغالية، وأن أبارك لكم ولعائلاتكم التي وقفت الى جانبكم وساندتكم في مسيرتكم التي ترون ثمارها اليوم، وتأتي فرحتنا بكم في مرحلة من أصعب مراحل نضال شعبنا الفلسطيني، الذي يواصل صموده في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس وفي مخيمات الشتات، متمسكاً بأرضه وحقوقه، رغم القتل والاعتداءات والاستيطان ومحاولات الضم والتهجير.
يؤكد نجاحكم أن شعب فلسطين يحب الحياة والعلم، ويتمسك بالأمل، وأن الاستثمار في الإنسان الفلسطيني وتعليمه وتمكينه من أهم أشكال الصمود والحفاظ على هويتنا الوطنية. أنتم ثروتنا الحقيقية ومستقبل فلسطين.
منذ تأسيس المؤسسة عام 2010، كان هدفنا ألا يحرم الطلاب الفلسطينيون في لبنان من التعليم بسبب ظروفهم المادية أو الاجتماعية، وعملت المؤسسة على تقديم المنح الجامعية للجميع دون تمييز بالجامعات والمعاهد.
وأفتخر اليوم بأن أكثر من اثني عشر ألف طالب وطالبة قد تخرجوا من خلال برامج المؤسسة، وأن نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة طالب وطالبة يواصلون حالياً تعليمهم الجامعي والمهني، فيما نحتفل اليوم بتخريج دفعة تضم نحو خمسمائة خريج وخريجة.
وهذه ليست أرقاما فحسب، بل قصص نجاح لشباب أصبحوا أطباء ومهندسين ومعلمين ومحامين وأكاديميين ومتخصصين يخدمون مجتمعاتهم.
وفي هذا الصدد نرحب بدور جمعية خريجي المؤسسة، ونتطلع إلى أن تجمع آلاف الخريجين وتستثمر خبراتهم في خدمة المجتمع الفلسطيني واللبناني.
كما أحيي إدارة المؤسسة والعاملين فيها في فلسطين ولبنان، وأشكر الجهات المانحة وأهل الخير وكل من دعم هذه الرسالة، داعياً إلى مواصلة الدعم للوصول إلى كل طالب فلسطيني يحتاج إلى فرصة تعليمية.
الإخوة والأخوات،
يحمل احتفالنا في بيروت معنى خاصا، فالعلاقة بين فلسطين ولبنان علاقة أخوة وتاريخ ومصير مشترك. ونؤكد مجدداً حرصنا على أمن لبنان واستقراره وسيادته وازدهاره، كما نحرص على أن يكون أبناء شعبنا الفلسطيني ضيوفاً في لبنان لحين عودتهم الى الوطن فلسطين.
ونجدد تقديرنا لفخامة الرئيس جوزيف عون، ولدولة رئيس مجلس النواب نبيه بري، ولدولة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، وللحكومة والشعب اللبناني، ولكل من وقف إلى جانب فلسطين. كما نقدر دور الدولة اللبنانية، ووزارة التربية والتعليم العالي، والجامعات والمعاهد التي فتحت أبوابها أمام طلبتنا.
كما نؤكد وقوفنا إلى جانب لبنان، ونطالب بانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة ووقف اعتداءاتها وانتهاكاتها للسيادة اللبنانية.
بناتي وأبنائي الخريجين والخريجات،
هذا يومكم، فافرحوا بإنجازكم واشكروا أهلكم وأساتذتكم وجامعاتكم. لكن تذكروا أن التخرج بداية الطريق، وأن العلم مسؤولية تجاه أنفسكم وعائلاتكم ومجتمعاتكم وفلسطين.
ثقتي بالله كبيرة، وبأن اليوم قريب الذي يعود فيه أبناؤنا وبناتنا للمساهمة في بناء دولتهم الفلسطينية المستقلة.
ختاما، أجدد التهنئة لكم ولعائلاتكم، وأشكر الجامعات، والمعاهد، وأساتذتكم، وإدارة المؤسسة والعاملين فيها، وكل من دعم مسيرتكم التعليمية.
كلمة الرئيس محمود عباس خلال افتتاح المؤتمر الحادي عشر للاتحاد العام لطلبة فلسطين، الذي عقد في العاصمة اللبنانية بيروت، بتاريخ 29/7/2026
بسم الله الرحمن الرحيم
(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)
صدق الله العظيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يسعدني أن أبارك لكم اليوم انعقاد المؤتمر الوطني الحادي عشر للاتحاد العام لطلبة فلسطين، بعد ستة وثلاثين عاما على آخر مؤتمر عُقد في بغداد عام 1990، وفي مرحلة يواجه فيها شعبنا واحدة من أخطر المحطات في تاريخه المعاصر.
لقد أثبت شعبنا، عبر مسيرته الطويلة، أن المحن تصنع البدايات الكبرى، وأن إرادة الحياة أقوى من كل محاولات الاقتلاع والإلغاء، وأن الشعب الذي يتمسك بهويته، ويحمي ذاكرته، ويستثمر في علم شبابه ووعيهم، لا يمكن أن تهزمه قوة الاحتلال، ولا أن تنهي قضيته سياسات القمع والعدوان.
إن انعقاد هذا المؤتمر ليس مجرد استئناف لعمل مؤسسة وطنية عريقة، بل هو استعادة لدور الاتحاد العام لطلبة فلسطين باعتباره إحدى المؤسسات التاريخية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومنبرا للوحدة الوطنية والديمقراطية، ومدرسة لإعداد القيادات، وجسرا يربط أجيال الحركة الطلابية الفلسطينية في الوطن والشتات.
أيها الإخوة والأخوات،
لم يكن الاتحاد العام لطلبة فلسطين، منذ تأسيسه، إطارا نقابيا فحسب، بل كان مدرسة وطنية، ومنبرا سياسيا وثقافيا، ومصنعا للقيادات التي أسهمت في بناء الحركة الوطنية الفلسطينية وترسيخ مكانة منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا لشعبنا.
وقد حمل طلبتنا، في الجامعات العربية والدولية راية فلسطين، في مواجهة محاولات طمس الهوية الوطنية، فكان الطالب سفيرا لقضيته، وكان الاتحاد حاضرا في كل ساحة يدافع عن حق شعبنا في الحرية والاستقلال.
ونستحضر اليوم بكل الاعتزاز الشهيد القائد الرمز ياسر عرفات، أحد أبرز مؤسسي هذا الاتحاد، الذي آمن بأن الجامعات هي مصنع القيادات الوطنية، وأن الطلبة سيبقون دائما في طليعة النضال من أجل الحرية والاستقلال.
كما نستذكر شهداء الحركة الطلابية، وأسرانا وجرحانا، وكل من حمل الكتاب بيد، وراية فلسطين باليد الأخرى، وقدم من حريته وحياته ثمنا للدفاع عن وطنه وكرامة شعبه.
إن تاريخ الاتحاد ليس مناسبة للاحتفاء بالماضي، بل مسؤولية تجاه المستقبل. والمطلوب اليوم أن نستلهم قيمه وروحه، وأن نطوّر أدواته بما يواكب متغيرات العصر، ويعزز حضور الطلبة الفلسطينيين في ميادين العلم والإبداع والرأي العام العالمي.
أبنائي وبناتي،
ينعقد مؤتمركم وشعبنا يخوض معركة مفتوحة دفاعا عن أرضه وحقوقه الوطنية، في قطاع غزة، والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وفي مخيمات اللجوء والشتات.
ففي قطاع غزة، يتعرض شعبنا لحرب مدمرة استهدفت الإنسان والأرض ومقومات الحياة، ولم تسلم منها الجامعات والمدارس والمؤسسات التعليمية، فارتقى آلاف الطلبة والأساتذة بين شهيد وجريح، وحُرم عشرات الآلاف من حقهم في التعليم. ومع ذلك، بقي شباب غزة متمسكين بالعلم والأمل، مؤمنين بأن المعرفة هي الطريق إلى النهوض والحرية.
ومن هنا، فإننا نؤكد أن حماية حق طلبتنا في التعليم، وإعادة بناء الجامعات والمؤسسات الأكاديمية في غزة، ستبقى أولوية وطنية، لأن إعادة الإعمار تبدأ ببناء الإنسان قبل الحجر.
ونؤكد كذلك أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من أرض دولة فلسطين، ولا دولة فلسطينية من دون غزة، ولا مستقبل لها إلا في إطار الدولة الفلسطينية الواحدة.
وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، يواصل الاحتلال التوسع الاستيطاني وإرهاب المستوطنين والضم والقتل والاعتقال ومصادرة الأراضي واحتجاز أكثر من ستة مليارات دولار من أموالنا، واستهداف المقدسات الإسلامية والمسيحية، في محاولة لفرض وقائع تنال من حقوق شعبنا ومستقبل دولته.
ورغم ذلك، يواصل طلبتنا في الضفة وغزة والقدس مسيرتهم التعليمية بإرادة وصمود، كما يواصل أبناء شعبنا في مخيمات اللجوء تمسكهم بهويتهم الوطنية وحقهم الثابت في العودة.
أيها الحضور الكريم، ليس من قبيل الصدفة أن ينعقد هذا المؤتمر في بيروت، المدينة التي احتضنت نضال الفلسطينيين وكانت منارة للفكر والثقافة العربية وما زالت.
وهنا فإننا نعرب عن تقديرنا العميق للجمهورية اللبنانية، قيادة وحكومة وشعبا، على ما قدمته من احتضان ودعم لشعبنا، ونؤكد احترامنا الكامل لسيادة لبنان وأمنه واستقراره ووحدة أراضيه، وتمسكنا بأن وجود اللاجئين الفلسطينيين فيه هو وجود مؤقت، إلى حين عودتهم إلى وطنهم.
ونتوجه بالشكر إلى فخامة الرئيس جوزيف عون، ودولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، ودولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، وإلى جميع الجهات اللبنانية، على دورهم في إنجاح انعقاد هذا المؤتمر.
أيها الإخوة والأخوات،
لا يفوتني، وأنتم تجتمعون اليوم في لبنان الشقيق، أن أتوجه بالتحية إلى أبناء شعبنا الفلسطيني في المخيمات والتجمعات الفلسطينية، الذين جعلوا من التعليم طريقا للصمود وحفظ الهوية الوطنية رغم قسوة اللجوء وصعوبة الظروف. وإدراكا منا للتحديات التي يتعرض لها شعبنا، فقد وجهنا منذ عام 2010 لإنشاء مؤسسة محمود عباس لتكون عونا وسندا لطلبتنا، وقد تمكنا، من خلال برنامج “الطالب”، من دعم أكثر من اثني عشر ألف طالب وطالبة من الخريجين الذين أصبحوا اليوم كفاءات علمية ومهنية تسهم في خدمة فلسطين وأبناء شعبها في الوطن والشتات، بالإضافة إلى ثلاثة آلاف على مقاعد الدراسة حاليا.
أبنائي وبناتي، شباب وشابات فلسطين،
أنتم لستم جيل المستقبل فحسب، بل شركاء في صناعة الحاضر، وحماية المشروع الوطني، وبناء مؤسسات دولتنا المستقلة. إن أكثر من نصف شعبنا هم من الشباب، ولا يمكن لأي مشروع وطني أو إصلاحي أن ينجح دون مشاركتكم الفاعلة. ولذلك فإن تمكين الشباب ليس شعارا، بل خيار وطني يقتضي توسيع حضورهم في مؤسسات الدولة، والأحزاب، والنقابات، والاتحادات، ومراكز صنع القرار.
نريد شبابا يجمعون بين الانتماء الوطني والكفاءة العلمية، وبين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على العالم، ويؤمنون بالحوار، ويحترمون التعددية، ويجعلون من الديمقراطية طريقا للمشاركة وتحمل المسؤولية.
كما نريد للاتحاد العام لطلبة فلسطين أن يكون نموذجا في الممارسة الديمقراطية، وتمثيل مختلف التجمعات الطلابية، بعيدا عن الإقصاء والانقسام، وأن يمتلك القدرة على إعداد جيل جديد من القيادات الوطنية المؤمنة بوحدة شعبها ومؤسساته وقضيته الوطنية العادلة.
لقد حمل جيلنا الأمانة في أصعب الظروف، وحافظ على القرار الوطني المستقل، وصان منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا لشعبنا، ورسخ الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، واليوم نضع هذه الأمانة بين أيديكم، فكونوا أكثر علما، وأوسع معرفة، وأقدر على مخاطبة العالم والدفاع عن رواية شعبكم.
صحيح أننا لم نورثكم وطنا محررا بعد، لكننا نورثكم قضية عادلة، وهوية وطنية راسخة، وقرارا وطنيا مستقلا، ومؤسسات شرعية على أرض الوطن بنيناها بالتضحيات، واعترافا دوليا واسعا بدولة فلسطين بلغ مئة وستين دولة، حققناه بالصبر والنضال والمثابرة.
إن عليكم أن تكملوا المسيرة، وأن تحولوا الاعتراف الدولي إلى استقلال كامل، والحلم الوطني إلى واقع يعيشه أبناء شعبنا فوق أرض دولتهم الحرة.
أيتها الأخوات والإخوة، إن تجديد الحركة الطلابية ضرورة وطنية، وجزء من عملية أشمل لتجديد النظام السياسي الفلسطيني، وتعزيز الديمقراطية وسيادة القانون، وبناء مؤسسات أكثر كفاءة وشفافية ومساءلة. وفي هذا السياق يأتي انعقاد مؤتمركم هذا.
وقد بدأنا هذا المسار في انتخابات الشبيبة والهيئات المحلية، والمؤتمر الثامن لفتح، وسنواصل العمل لإجراء الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر، يليها استكمال تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، بما يضمن مشاركة أبناء شعبنا في الوطن والشتات وفق ما تتيحه ظروف كل تجمع من انتخابات أو مجمعات انتخابية أو توافقات، ثم إجراء الانتخابات الرئاسية في العام المقبل.
كما نمضي في تنفيذ برنامج وطني شامل للإصلاح والتحديث، هدفه بناء دولة فلسطينية ديمقراطية عصرية وموحدة، عاصمتها القدس الشرقية، تضم الضفة الغربية وقطاع غزة، وتقوم على سيادة القانون، واستقلال القضاء، وصون الحريات العامة، وتعزيز النزاهة والشفافية والمساءلة.
أن دولة فلسطين التي نناضل من أجلها لن تكون إلا دولة واحدة، بقانون واحد، ومؤسسة شرعية واحدة، وسلاح شرعي واحد، وفق برنامج منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني.
وسنواصل العمل على تمكين المرأة والشباب، وتوسيع مشاركتهم في الحياة العامة، لأن بناء الدولة الحديثة لا يكتمل إلا بمشاركة جميع أبنائها.
أبنائي وبناتي،
وأنا أشهد هذا الإنجاز الذي تحقق بانعقاد هذا المؤتمر، فلا بد أن أتوجه بالشكر والتقدير إلى أعضاء اللجنة التحضيرية، وإلى دائرة التنظيمات الشعبية في منظمة التحرير الفلسطينية، وهيئة المنظمات الشعبية، ومفوضية التعبئة والتنظيم، وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية وأطرها الطلابية والشبابية، وكل من أسهم في إنجاح هذا المؤتمر، حيث أثبت الجميع أن الحوار قادر على تجاوز الخلافات، وأن الإرادة الوطنية الصادقة قادرة على بناء مؤسساتنا على أساس الشراكة والديمقراطية والتعددية.
إن أمامكم مسؤولية كبيرة تتمثل في انتخاب قيادة طلابية جديدة، تكون على قدر الأمانة والمسؤولية، وتمثل جميع طلبة فلسطين في الوطن والشتات، وتعمل بروح الفريق الواحد لبناء فروع الاتحاد العام لطلبة فلسطين داخل الوطن وخارجه، وتعزيز التواصل بين الطلبة الفلسطينيين، والدفاع عن حقهم في التعليم، ورعاية المتفوقين والمبدعين، ودعم طلبة غزة المتضررين من الحرب، وتوسيع مشاركة الطلبة والشباب في مختلف هيئاته.
نريد اتحادا يربط الطلبة بالجامعات، والخريجين، والكفاءات الوطنية بمؤسسات المجتمع، ليكون مدرسة لإعداد القيادات، ومنصة للمعرفة والابتكار، وجسرا بين الدراسة وخدمة المجتمع وبناء الدولة.
نريد اتحادا ينفتح على المستقبل، ويشجع البحث العلمي، والابتكار، ويستخدم الذكاء الاصطناعي، ويواكب التحول الرقمي، وريادة الأعمال، ويراعي احتياجات شعبنا في إعادة الإعمار، وبالذات في قطاع غزة، وبناء اقتصاد وطني قادر على النهوض والاستقلال.
ونريده في الوقت نفسه، صوتا حرا لفلسطين في الجامعات والمنصات الدولية، يخاطب العالم بلغاته المختلفة، ويدافع عن حقوق شعبنا بالحقيقة والمعرفة، ويواجه حملات التضليل والكراهية بالرواية الفلسطينية المستندة إلى الحقيقة والعدالة والقانون الدولي.
لقد أثبتت الجامعات في مختلف أنحاء العالم، خلال السنوات الأخيرة، أن الضمير الإنساني لا يزال حيا، وأن الطلبة قادرون على تحويل الجامعات إلى منابر للدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان، فكل التحية لمن وقف مع فلسطين من طلبة وأساتذة ومؤسسات أكاديمية، رغم ما تعرض له كثيرون منهم من ضغوط وعقوبات بسبب مواقفهم المبدئية النبيلة.
لذلك، فإننا ندعو الاتحاد العام لطلبة فلسطين إلى توسيع شراكاته مع الاتحادات الطلابية والشبابية العربية والدولية، وتحويل التضامن العالمي مع فلسطين إلى عمل مؤسسي مستدام، يعزز حضور قضيتنا، ويكرس قيم الحرية والعدالة والسلام.
ونتوجه هنا بالشكر إلى جميع الوفود العربية والدولية المشاركة، وإلى الاتحادات والمنظمات الشبابية والطلابية الصديقة، مؤكدين أن الوقوف إلى جانب فلسطين هو دفاع عن القانون الدولي، وعن حق الشعوب في الحرية والكرامة.
السيدات والسادة،
لقد كانت الجامعات الفلسطينية، رغم الاحتلال والحصار، منارات للعلم، وحاضنة للهوية الوطنية، ومصدرا للكفاءات التي أسهمت في بناء مؤسساتنا وخدمة شعبنا.
فتحية لجامعاتنا الفلسطينية، بإداراتها ومجالس أمنائها، وأساتذتها، وطلبتها، والعاملين فيها، وإلى الأمام نحو تعزيز الحريات الأكاديمية، والبحث العلمي، والشراكات مع الجامعات العربية والدولية، ولا سيما لدعم جامعات قطاع غزة وتمكينها من استئناف رسالتها التعليمية.
ولا أنسى أن أتوجه إلى أبنائنا وبناتنا من طلبة الثانوية العامة، فأبارك للناجحين هذا الإنجاز، وأقول لمن لم يحالفه التوفيق إن المستقبل لا يتوقف عند امتحان واحد، وإن الإرادة والعمل هما الطريق الحقيقي إلى النجاح.
أبنائي وبناتي،
ورغم جرائم الاحتلال، التي نغصت فرحة نتائج الثانوية العامة، فإن فلسطين ستبقى بأبنائها وبناتها، وهي بحاجة إلى علمكم قدر حاجتها إلى انتمائكم، وإلى كفاءتكم قدر حاجتها إلى أخلاقكم، وإلى وحدتكم قدر حاجتها إلى شجاعتكم.
فاحذروا التفرق وخطاب الكراهية، واجعلوا الحوار نهجكم، والديمقراطية طريقكم، والقانون مرجعكم، وخدمة الطلبة والوطن غايتكم. وليكن الاتحاد العام لطلبة فلسطين بيتا جامعا لكل أبنائه، ومدرسة لإعداد القيادات، ومساحة للعمل المشترك.
دافعوا عن حقكم في تقرير المصير والدولة، واحملوا معاناة أهلنا في غزة والضفة الغربية في ضميركم، واجعلوا القدس في وعيكم، وحق اللاجئين في العودة في رسالتكم، وكونوا جسرا يربط فلسطين بالعالم، يخاطب الشعوب بلغاتها، ويقدم قضيتنا باعتبارها قضية حرية وعدالة وكرامة إنسانية.
أيها الإخوة والأخوات،
إن أيدينا ممدودة إلى كل من يؤمن بسلام عادل ينهي الاحتلال الإسرائيلي لأرض دولة فلسطين المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، ويجسد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، وفق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، مع حل قضية اللاجئين حلا عادلا وفق القرار 194.
أبنائي وبناتي،
لقد حمل من سبقكم الراية في المنافي والسجون، وفي ساحات النضال، وحافظوا عليها بالتضحيات الجسام.
واليوم تنتقل هذه الراية إليكم، وهي تحمل دماء الشهداء، وصمود الأسرى، وآمال اللاجئين، وثبات أهلنا في القدس، وصبر أهلنا في غزة والضفة الغربية.
فاحملوها بإيمان ومسؤولية، وابنوا على ما أنجزه من سبقكم، وافتحوا آفاقا جديدة نحو الحرية والاستقلال، وإذا كانت المسؤولية التي تحملونها اليوم كبيرة، فإن ثقتنا بكم أكبر، وليكن هذا المؤتمر مؤتمر الوفاء للماضي، والمسؤولية تجاه الحاضر، والثقة بالمستقبل.
أبارك لكم انعقاد مؤتمركم، وأتمنى لكم النجاح في أعمالكم، والتوفيق في انتخاب قيادة تكون على قدر الأمانة والمسؤولية.
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)
صدق الله العظيم
كلمة الرئيس محمود عباس خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" في قاعة أحمد الشقيري، بمقر الرئاسة في مدينة رام الله، بتاريخ 14/5/2026
بسم الله الرحمن الرحيم
"يا أيها الذين أمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون". صدق الله العظيم
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا ما أصابهم من لأواء حتى يأتي أمر الله وهم كذلك". قالوا: أين هم يا رسول الله؟ قال: "في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس".
السيدات والسادة الضيوف الكرام،
الأخوات والإخوة، أعضاء المؤتمر العام الثامن،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
نلتقي اليوم وبكل فخر وثبات في المؤتمر العام الثامن لحركتنا الأبية، حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، في لحظة مفصلية من تاريخ شعبنا وقضيتنا الوطنية، وفي ظل مخاطر وجودية كبيرة، وتبعات حرب الإبادة الجماعية والتجويع ومحاولات التهجير واستمرار معاناة أهلنا في قطاع غزة التي لم تنتهِ بعد. ويصادف غداً الذكرى الثامنة والسبعون للنكبة التي حلت بشعبنا في العام 1948 والتي لن تكرر بصمود شعبنا في وطنه.
كما نلتقي اليوم، في ظل انتهاكات صارخة للقانون الدولي تقوم بها حكومة الاحتلال المتطرفة التي تمارس التوسع الاستيطاني والاعتداءات العنصرية وإرهاب المستوطنين، وسرقة الأرض، وحصاراً اقتصادياً واعتداءً على الوضع القانوني والتاريخي للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس والخليل، بالإضافة إلى احتجاز أموال الشعب الفلسطيني في انتهاك غير مسبوق للاتفاقات والقانون الدولي في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وفي ظل ظروف استثنائية بالغة الصعوبة، وتداعياتها الإنسانية والاقتصادية والسياسية، إلى جانب التحديات الإقليمية المتسارعة.
وفي السياق الإقليمي، تؤكد دولة فلسطين موقفها الثابت القائم على احترام سيادة الدول وأمنها واستقرارها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وعدم القبول بتدخل أحد في شؤوننا، وقد رفضنا وأدنا في الحرب الأخيرة الاعتداءات الإيرانية التي تعرضت لها دول الخليج والأردن، معبرين عن تضامننا ووقوفنا إلى جانبها، كما نؤكد في الوقت ذاته رفضنا وإدانتنا للاعتداءات الإسرائيلية على الجمهورية اللبنانية الشقيقة، والتي تشكل انتهاكاً لسيادتها وللقانون الدولي وتهديداً للاستقرار الإقليمي.
الأخوات والإخوة،
إن ما يتعرض له شعبنا في قطاع غزة هو كارثة إنسانية غير مسبوقة في تاريخنا المعاصر، ذهب ضحيتها أكثر من 270 ألف شهيد وجريح غالبيتهم من الأطفال والنساء والشيوخ، وقامت قوات الاحتلال بتدمير أكثر من 85% من المدن والمخيمات بما فيها المباني والمدارس والمستشفيات والكنائس والمساجد، وجعلتها غير قابلة للحياة، في محاولة لتهجير الفلسطينيين لعدد من الدول التي رفضت معظمها هذا الطلب من إسرائيل.
من الكوارث التي خلفها الاحتلال أن أكثر من 2500 عائلة فلسطينية قد مُسحت نهائياً من السجل المدني، ولم يتبق منها أحد. وأياًّ كان تقييم ما حصل في 7 أكتوبر، إلا أن الأمور تقاس بخواتيمها.
لقد تحولت غزة على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى منطقة منكوبة، تُرتكب فيها جرائم القتل والإبادة الجماعية والتجويع والحصار في انتهاك صارخ لكل قواعد القانون الدولي الإنساني.
إن الوضع المأساوي في القطاع، يستوجب تمكين دولة فلسطين من أداء دورها من خلال مؤسساتها السيادية والخدمية، وذلك بالتعاون مع الهيئات التنفيذية لمجلس السلام، واللجنة الإدارية الفلسطينية خلال هذه الفترة الانتقالية، دون ازدواجية أو انفصال، مع الحرص على ربط المؤسسات في شقيّ الوطن.
إننا نسعى لتحقيق ذلك بالتعاون مع الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الدولية والأممية، لوقف هذه المأساة، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية والطبية ووسائل الإيواء، والبدء الفوري في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، تمهيداً للعودة للمسار السياسي وتحقيق الحرية والاستقلال.
وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، عاصمتنا الأبدية، يواجه شعبنا تصعيداً خطيراً يتمثل في إرهاب المستوطنين المنظم، الذي يجري تحت حماية جيش الاحتلال، من خلال الاعتداء على المواطنين، وحرق المنازل والممتلكات، وتدمير الأراضي الزراعية، في محاولة لفرض واقع قسري على الأرض.
إن هذا الإرهاب الممنهج والتوسع الاستيطاني السرطاني المنتشر في الضفة الغربية والقدس الشرقية، الذي وصل إلى أكثر من 214 مستوطنة، و372 بؤرة استيطانية، يستولي عليها حوالي 800 ألف مستوطن، إلى جانب محاولات الضم، من خلال قوانين سرقة الأراضي التي تسنها الحكومة الإسرائيلية لصالح المستوطنين، والقانون العنصري لإعدام الأسرى الفلسطينيين، وما يتعرضون له من تعذيب، كل ذلك يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي، ويتطلب محاسبة هذه الحكومة، وفرض إجراءات دولية رادعة ضدها فوراً، لوقف جميع إجراءاتها الأحادية، وتوفير حماية دولية لأهلنا في مواجهة هذا الإرهاب المنظم.
الأخوات والإخوة،
إن استمرار احتجاز أموال الشعب الفلسطيني، والتي تجاوزت حتى الآن خمسة مليارات دولار، واتخاذ اجراءات لحصار الاقتصاد الفلسطيني، يمثلان قرصنة مالية غير مسبوقة، وانتهاكاً فاضحاً للاتفاقيات الموقعة والقانون الدولي، وقد أدى ذلك إلى أزمة مالية خانقة أثرت بشكل مباشر على قدرة الحكومة الفلسطينية، التي تبذل الجهود المتواصلة والمقدرة للوفاء بالتزاماتها تجاه أبناء شعبنا، وهو الأمر الذي يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً للإفراج عن أموالنا ولفك الحصار الاقتصادي والالتزام بالقانون الدولي والاتفاقيات الموقعة.
وفي القدس الشرقية، عاصمتنا الأبدية، لا بُد من مواجهة المخططات الممنهجة، والممارسات العنصرية لتهويد المدينة وتغيير طابعها وهويتها والتضييق على أهلها من المسيحيين والمسلمين، علاوة على الانتهاكات بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية، ومحاولات تمرير المخططات الخبيثة للتقسيم المكاني والزماني في المسجد الأقصى، ومنع المصلين من الوصول إليه والى كنيسة القيامة.
إننا نطالب المجتمع الدولي بالتحرك الفوري لحماية القدس الشرقية، وأبناء شعبنا، ووقف انتهاك القانون الدولي والوضع التاريخي والقانوني فيها، واحترام الوصاية الهاشمية للمقدسات.
وكل ذلك يتطلب العودة لتنفيذ الاتفاقات الموقعة، اتفاق أوسلو، واتفاق باريس الاقتصادي، وتفاهمات العقبة وشرم الشيخ لعام 2023، والتوقف عن اتخاذ الاجراءات الأحادية التي تنتهك القانون الدولي.
الأخوات والإخوة، الضيوف الكرام؛
ورغم كل ذلك، فإن انعقاد مؤتمرنا اليوم على أرض الوطن، بحضور دبلوماسي واسع من الأشقاء والأصدقاء، وبمشاركة من أبناء شعبنا هنا في فلسطين وعبر التواصل المرئي من غزة والقاهرة وبيروت، يؤكد مجددًا تصميمنا على مواصلة المسار الديمقراطي في حركتنا العظيمة، وفتح المجال أمام الشباب والمرأة لتولي مناصب قيادية.
الأخوات والإخوة،
لقد كانت حركة "فتح" على الدوام العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني منذ انطلاقتها، وحاملة راية القرار الوطني المستقل، والحريصة على الحفاظ على هوية شعبنا ونضاله. وإن ما تحقق من إنجازات، إنما جاء بفضل تضحيات جسام قدمها القادة والشهداء والأسرى والمناضلون والمناضلات، الذين عبّدوا بدمائهم طريق الحرية والاستقلال.
وهنا نستذكر، بكل اعتزاز وفخر مسيرة رفاق الدرب، القادة المؤسسين لحركتنا المجيدة، القائد الرمز الشهيد ياسر عرفات، والقادة خليل الوزير، صـلاح خلف، فـــــــاروق القدومي، خالد الحســـــن، أبو يوسف النجار، أبو علي اياد، وأبو صبري، وبقية الإخوة والقادة الذين قادوا مسيرة الثورة منذ اللحظة الأولى لانطلاقتها، إلى جانب شهداء فلسطين والى يومنا هذا. كما ونستذكر بكل اعتزاز وتقدير جميع أسرانا وجرحانا البواسل الذين يتعرضون لأبشع أنواع الظلم والتعذيب والإهانة في سجون الاحتلال، وهم الذين قدموا التضحيات في أصعب الظروف، وفي مقدمتهم القائد الكبير مروان البرغوثي، ولن يهدأ لنا بال إلا بتحريرهم من سجون الاحتلال.
إن استنهاض حركة فتح، من خلال ضخ دماء جديدة، يضمن استنهاض الحركة الوطنية الفلسطينية، ويصب في رفعة مشروعنا الوطني ويعظم انجازاته.
لقد واجه شعبنا محاولات التصفية والاقتلاع والتهجير، وصفقة القرن، ومحاولات فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية والقدس، وصمد على أرضه، متمسكًا بحقوقه الوطنية، وعملنا على حشد الدعم لقضيتنا، وتعزيز مكانة دولة فلسطين في النظام الدولي، منذ إعلان الاستقلال في الجزائر عام 1988، وحصولها في العام 2012 على عضويتها المراقب في الأمم المتحدة، الأمر الذي فتح المجال أمام انضمامها لأكثر من مائة منظمة ومعاهدة دولية بعضوية كاملة.
الأخوات والإخوة،
إن المرحلة الراهنة، رغم قسوتها، تفتح كذلك نافذة سياسية يجب البناء عليها، حيث نشهد تحركات دولية غير مسبوقة تهدف إلى إنهاء الحروب في المنطقة، والذهاب للاستقرار والأمن والسلام الإقليمي، لتنعم بثماره جميع دول المنطقة، الأمر الذي يستوجب حل القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية، والتي تُبقي أسباب الصراعات قائمة إن بقيت دون حل، علماً بأن الشعب الفلسطيني هو الوحيد الذي لا زال يرزح تحت الاحتلال في هذا العصر.
وفي هذا السياق، نؤكد دعمنا لكل الجهود الدولية التي تقر بحقوق شعبنا وحمايته وتثبيته على أرضه، وفي مقدمتها:
- قرارات الشرعية الدولية ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية، بما فيها القرارات 181، 194، 242، 338، 2334.
- إعلان نيويورك الصادر عن المؤتمر الدولي رفيع المستوى، برئاسة مشتركة للمملكة العربية السعودية وفرنسا، ومشاركة فاعلة لأكثر من مائة دولة، الذي أكد على اتخاذ خطوات لا رجعة عنها نحو تنفيذ حل الدولتين، وتعزيز الاعتراف الدولي بدولة فلسطين.
- خطة الرئيس ترامب، وقرار مجلس الأمن رقم 2803، اللذان يشكلان إطارًا دوليًا لوقف إطلاق النار في غزة، والتخفيف من معاناة شعبنا، والانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع، وإطلاق مسار التعافي وإعادة الإعمار، والتوقف عن جميع الإجراءات الأحادية التي تنتهك القانون الدولي، ورفع العقوبات الامريكية عن منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية بموجب القوانين الأمريكية، والانتقال نحو تنفيذ حق تقرير المصير وتجسيد دولة فلسطين وفق قرارات الشرعية الدولية.
إننا نرى في إعلان نيويورك والخطة المعنية، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، إذا تم تنفيذها وفق المرجعيات الدولية والقانون الدولي، فرصة حقيقية لإنهاء الاحتلال، وتحقيق السلام العادل والدائم، إلى جانب حل جميع أسباب الصراع الأخرى في المنطقة.
ونُجدد في هذا الصدد، التزامنا الكامل بمواصلة العمل على تنفيذ جميع بنود الإصلاحات التي تعهدنا بها لرئاسة المؤتمر الدولي للسلام، وللدول التي اعترفت بدولة فلسطين، وفي إطار تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وآخرها القرار 2803.
وفي هذا الإطار، فإننا نعمل مع الإتحاد الأوروبي والشركاء، على تطوير الإدارة الحكومية وتقديم الخدمات الرقمية التي ترفع كفاءة الخدمات وتسرع إنجازها، إضافة الى تطوير قطاعي الأمن والعدالة بما يضمن الالتزام بسيادة القانون وتسريع معاملات التقاضي، وتطوير البرامج الدراسية وفق معايير اليونسكو، وقد قطعت الحكومة شوطاً هاماً في هذا المجال، بما في ذلك العمل الجاري حالياً مع خبراء اليونسكو.
ومن ناحية أخرى، فقد تم بناء نظام حماية اجتماعية موحد، تنفيذاً للقانون رقم (4) الصادر في يناير 2025، وتقوم جهات تدقيق دولية مستقلة بإصدار تقارير دورية في هذا الشأن.
وفي مسألة مكافحة الفساد، فقد أنشأنا منذ العام 2010 هيئة لمكافحة الفساد، الى جانب عمل ديوان الرقابة المالية والإدارية، وكل ذلك من أجل تعزيز النزاهة والمحاسبة ومكافحة الفساد.
وعلى صعيد آخر، فإننا نعمل على تعزيز المسار الديمقراطي، وقد عقدنا مؤتمراً هاماً للشبيبة الفتحاوية تبعه إجراء الانتخابات المحلية في ابريل الماضي، وها نحن نعقد مؤتمرنا هذا بعد غياب عشر سنوات، ونُعد لانتخابات المجلس الوطني في شهر نوفمبر، وللانتخابات العامة والرئاسية بدءاً بإعداد الدستور، وقانون الأحزاب السياسية، وقانون الانتخابات العامة.
وهو الأمر الذي يؤكد على التزامنا الراسخ بالمسار الديمقراطي والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، واشراك جميع شرائح المجتمع الفلسطيني ومؤسساته في ظل سيادة القانون.
إننا، ونحن نعقد هذا المؤتمر، نؤكد حرصنا على أن تكون مؤسساتنا الوطنية أكثر تمثيلاً وشمولاً، بما يضمن مشاركة غير مسبوقة وفاعلة للمرأة والشباب، ويعزز من دورهم في بناء مستقبلنا الوطني.
الأخوات والإخوة، الضيوف الكرام؛
إننا نؤكد في هذا السياق أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، وأن أية ترتيبات انتقالية يجب أن تكون مؤقتة، ولا يجوز أن تمس بوحدة الأرض الفلسطينية أو وحدانية التمثيل أو الشرعية أو نظامها السياسي والقانوني.
كما نؤكد أن وحدتنا الوطنية تبقى الأساس الصلب لمواجهة التحديات، وإنهاء الانقسام، وفق أسس اتفقنا جميعاً عليها ترتكز على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد، والالتزام ببرنامجها السياسي والتزاماتها الدولية ومبدأ النظام الواحد والقانون الواحد والسلاح الشرعي الواحد، والالتزام بالمقاومة الشعبية السلمية.
وقد دعونا الجميع للالتزام بهذه المبادئ، التي ستفتح الطريق للوحدة الوطنية، وتُسهم في تعزيز صمود شعبنا، وتحقيق تطلعاته في الحرية والاستقلال، وتجسيد دولتنا الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وفي هذا الصدد، فقد قمنا وبالاتفاق مع الرئيس اللبناني جوزيف عون بتسليم السلاح التابع لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية في المخيمات، ونعمل في إطار لجان مختصة لتحسين أوضاع اللاجئين واستعادة العقارات في لبنان وكذلك الأمر في سوريا بما فيها المدينة التعليمية.
وفي موضوع منفصل، وبسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية لأهلنا في لبنان، فإن الطلاب الذين يحصلون على الثانوية العامة لا يتمكنون من متابعة دراستهم الجامعية الا ما ندر.
ولذلك، وقبل حوالي عشر سنوات أسسنا مؤسسة لتعليم هؤلاء سواء في الجامعات اللبنانية أو في جامعات الخارج، على أن يشمل هذا الأمر كل من يحصل على شهادة الثانوية العامة ما دام يحمل صفة لاجئ فلسطيني في لبنان.
ومنذ تأسيس هذه المؤسسة تخرج منها إلى الآن أكثر من أثني عشر ألف طالب، بالإضافة إلى الطلاب المسجلين في الجامعات الآن وعددهم أربعة الاف طالب.
الأخوات والإخوة،
إن قضية اللاجئين الفلسطينيين ستبقى جوهر القضية الفلسطينية، ونؤكد على حتمية حلها بالعودة والتعويض وفق قرارات الشرعية الدولية وبخاصة القرار 194 والمبادرة العربية للسلام، وعلى أهمية الدور الحيوي الذي تقوم به وكالة الأونروا في تقديم الخدمات الأساسية لملايين اللاجئين. ونرفض بشكل قاطع أية محاولات تستهدف تقويض دورها أو شطبها، باعتبار ذلك استهدافاً مباشراً لحقوق اللاجئين ومحاولة لتصفية قضيتهم، ونطالب الدول بتوفير الدعم لها حتى تتمكن من مواصلة عملها الذي ينتهي بعودة اللاجئين الى ديارهم.
الأخوات والإخوة،
إن هذا المؤتمر يشكل محطة مفصلية لمراجعة مسيرتنا، وتقييم أدائنا، ووضع رؤية وطنية جامعة للمرحلة القادمة، بما يعزز صمود شعبنا، ويدعم جهود إعادة الإعمار، ويفتح أفقًا سياسيًا حقيقيًا ينهي الاحتلال.
وفي ظل انجازاتنا المتمثلة بالاعترافات الدولية الواسعة بدولة فلسطين التي وصلت إلى 160 دولة، والتي نعمل على زيادتها، فإننا نواصل العمل مع شركائنا الدوليين والإقليميين لضمان تنفيذ هذه المسارات، وتحويلها إلى واقع ملموس يضع حدًا لمعاناة شعبنا، ويحقق الأمن والاستقرار في المنطقة.
وفي هذا السياق، نقدر عالياً دور جميع الدول والشعوب بما في ذلك لجان التضامن والمؤسسات الأهلية والجامعات في العالم التي تضامنت ووقفت إلى جانب حقوق شعبنا في الحرية والاستقلال، وفي المحافل الدولية كافة، والشكر موصول للدول والشعوب الشقيقة والصديقة التي قدمت المساعدات الإنسانية، واستقبلت وعالجت الجرحى، وقدمت المنح الدراسية لطلاب فلسطين.
وبهذه المناسبة، أتقدم بالشكر والتقدير لمصر الشقيقة بقيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ولبنان الشقيق بقيادة فخامة الرئيس جوزيف عون، على موافقتهما على مشاركة عدد من أعضاء المؤتمر في مصر ولبنان عبر الفيديو كونفرانس، بعد أن تعذر حضورهم إلى أرض الوطن.
الأخوات والإخوة،
بالرغم من الظلم والعذاب والمعاناة والكوارث التي يعيشها شعبنا جراء الاحتلال، أوجه رسالة خاصة إلى الشعب الإسرائيلي، إن المزيد من الاستيطان والتطرف وتعميق الاحتلال ونكران الحقوق المشروعة لشعبنا الفلسطيني، لن يجلب السلام والأمن. لقد عقدنا معكم اتفاقيات تؤسس لسلام حقيقي لنا ولكم، سلام نعيش فيه معاً بأمن واستقرار وحسن جوار، بعيداً عن الحروب والعدوان والإرهاب، ولا تزال أيدينا ممدودة لكي نحقق السلام المنشود في أرض السلام.
وفي الختام، نُحيي شعبنا الصامد في غزة والضفة والقدس، الذي يتصدى لمخططات التهجير، والتصفية، والضم، مشيدين بدور الشقيقتين مصر والأردن في هذا السياق. كما نُحيي شعبنا الصامد في مخيمات اللجوء، وجالياتنا الفلسطينية في كل أنحاء العالم على الدور الذي تقوم به لحشد الدعم لحرية واستقلال فلسطين.
ونُحيي أسرانا البواسل، وننحني إجلالاً لأرواح شهدائنا الأبرار، ونقول لجميع أبناء شعبنا في كل مكان، إننا معكم وبكم باقون على أرضنا، رغم الألم والحصار والمعاناة، نواصل المسيرة، وبالصبر والصمود نحقق أهدافنا الوطنية. والسلام عليكم.
كلمة الرئيس محمود عباس خلال حفل منحه شهادة الدكتوراة الفخرية في العلوم الإنسانية، من الجامعة العربية الأمريكية في رام الله، بتاريخ 15/1/2026
"يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" صدق الله العظيم
الإخوة مجلس الامناء ومجلس الإدارة للجامعة العربية الأمريكية
الإخوة في رئاسة الجامعة وأعضاء الهيئة التدريسية
أبنائي الطالبات والطلبة الأعزاء
الحضور الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشعر بسعادة غامرة وبفخرٍ واعتزازٍ كبيرين، لوجودي اليوم بينكم في رحاب الجامعة العربية الأمريكية، هذا الصرح التعليمي والأكاديمي المميز، الذي أسهم ويسهم في جعل فلسطين منارة للعلم والمعرفة، ويوفر لطالباتنا وطلابنا فرص التحصيل العلمي في المجالات المختلفة، وبخاصة في مجال العلوم الحديثة.
كما أتوجه لهذه الجامعة الفتية الصاعدة بجزيل شكري على قرارها منحي شهادة الدكتوراة الفخرية في العلوم الإنسانية، والتي أعتبرها وساماً عزيزاً نضعه سوياً على صدر شعبنا الفلسطيني الصابر الصامد، هذا الشعب الذي جعل فلسطين العلم والمعرفة والإبداع وجهاً آخر لفلسطين الدولة الحرة الديمقراطية.
السيدات والسادة،
إن التعليم هو سلاحنا الأمثل، وسر من أسرار صمودنا، ومصدرٌ لوعينا الوطني، فالإنسان الفلسطيني المتعلم هو ثروتنا الحقيقة. ونحن نفخر بأن فلسطين اليوم تكاد تكون بلداً بلا أمية، حيث إن معدلات الأمية فيها هي من أدنى المعدلات في العالم.
ورغم الظروف القاهرة التي يعيشها شعبنا، فإننا نشهد نهضة علمية ملموسة، ففي فلسطين، اليوم، هناك خمسون جامعةً ومعهداً متوسطاً، وأكثر من ثلاثة آلاف مدرسة، ومليون وسبعمائة ألف طالب وطالبة في جامعاتنا ومدارسنا، وتبلغ نسبة الحاصلين على شهادة جامعية فأعلى أكثر من 20% من مجمل السكان، وهي نسبة مرتفعة بالمقارنة مع دول أخرى.
وما يزيدنا فخراً أن نسبة الطالبات في التعليم العالي تبلغ 62% من مجموع الطلبة، كما يتصدر قطاع التعليم القطاعات الأخرى من حيث مشاركة المرأة، فهي تشكل نحو 60% من إجمالي العاملين فيه.
كلنا ثقة بأنَّ الجامعات الفلسطينية سوف تواكب تقدم العلم والمعرفة، وأن دورها لن يقتصر على نقل تلك المعرفة، وإنما تطويرها من خلال تخصيص موازنات للبحث العلمي والأكاديمي، وتأسيس الشراكات مع القطاع الخاص والدولة للمساهمة في تنمية المعرفة وامتلاك ناصية التكنولوجيا التي أصبحت مقياس تطور الشعوب والدول. ويتوجب هنا مراجعة التخصصات الأكاديمية التي توفرها جامعاتنا انسجاماً مع التطور التكنولوجي والعلمي في العالم.
الحضور الكريم،
بالعلم نصمد، وبالعلم ننهض، وبالعلم نبني الوطن ورغم النكبة، خرجنا من الخيام سعياً وراء العلم، فأصبح لدينا المعلمون والمحامون والأطباء والمهندسون، وواصلنا المسيرة بكل إصرار وثبات، وبنينا مجتمعنا وكياننا على أسس علمية راسخة، بحيث أصبحت دولة فلسطين اليوم دولة كاملة الأركان، رغم أنها لا تزال ترزح تحت الاحتلال.
وينتشر أبناؤنا اليوم في مختلف جامعات ومعاهد العالم، يدرسون ويُدرِّسون، ومنهم العلماء والباحثون والخبراء والمختصون؛ هؤلاء هم العنوان الحضاري لشعبنا لدى شعوب العالم.
ولا بد أن نتذكر أن شُبَّاناً في مثل أعمار طلابنا أو أكبر قليلاً قاموا بأعظم ثورة في تاريخ الشعب الفلسطيني، وهي الثورة الفلسطينية المعاصرة التي انطلقت في العام 1965.
لقد عمل أعداؤنا على تشويه تاريخنا وروايتنا، ولذلك، فإنني أطالبكم في هذه الجامعة، وفي كل الجامعات ومراكز الأبحاث والدراسات الفلسطينية، أن تشرعوا دون تأخير في استكمال كتابة تاريخ بلدكم فلسطين وشعبها الذي تعرض للتشويه والتزييف من قبل الدوائر الاستعمارية والصهيونية، ونشر وتعميم هذا التاريخ.
لقد حان الوقت لكي يكتب الشعب الفلسطيني تاريخه الكامل بنفسه، ويقدم روايته الحقيقية والأصيلة، ويدحض مرة وإلى الأبد، تلك الروايات الكاذبة والمزيفة التي تتعمد تشويه حقيقة وصورة وتاريخ الشعب الفلسطيني.
السيدات والسادة،
إن ترحيبنا بجهود الرئيس ترمب وخطته، وبقرار مجلس الأمن (2803)، وكذلك بجهود التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين وإعلان نيويورك، ينسجم مع قناعتنا للحاجة الملحّة لتدخل دولي فاعل يضع حدًا لهذه الجرائم، ويضمن تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ويقود إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق السلام العادل والشامل وفق حل الدولتين.
لقد أبدينا استعدادنا لتحمل مسؤولياتنا في هذا الصدد، وكلنا أمل أن تؤدي هذه الجهود إلى وقف دائم لإطلاق النار، والتخفيف من معاناة شعبنا، وانسحاب قوات الاحتلال، وإعادة الاعمار، ووقف التوسع الاستيطاني وإرهاب المستوطنين، والإفراج عن أموالنا المحجوزة، ووقف الاعتداءات على المقدسات الإسلامية والمسيحية.
لقد أعلنا عن دعمنا تشكيل اللجنة الفلسطينية لإدارة قطاع غزة في هذه المرحلة الانتقالية، وأعربنا عن تقديرنا لجهود الرئيس ترمب والوسطاء مصر وقطر وتركيا، والانتقال الى تنفيذ المرحلة الثانية. ونجدد التأكيد على أهمية الربط بين مؤسسات السلطة الفلسطينية في الضفة وغزة، وعدم إنشاء نُظم إدارية وقانونية وأمنية تكرس الازدواجية والتقسيم.
وفي هذا الإطار نضع أمام العالم بأسره رؤيتنا السياسية، التي تقوم على الأسس التالية:
- التمسك بحق شعبنا في تقرير المصير، وحق العودة، والدولة المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران، بعاصمتها القدس الشرقية، تعيش بأمن وسلام مع جيرانها.
- الدولة الفلسطينية دولة ديمقراطية تتحقق فيها المواطنة المتساوية للجميع، وتؤمن بالتعددية السياسية، وحرية الرأي، وتشكيل الأحزاب، وتتمسك بحكم القانون، والحكم الرشيد، وحقوق الإنسان، والنزاهة والمساواة. دولة واحدة، بنظام واحد، وقانون واحد، وسلاح شرعي واحد.
- الانتخابات العامة التشريعية والرئاسية المباشرة هي أساس الحكم الديمقراطي، وهي السبيل الوحيد للتداول السلمي للسلطة، في ظل سيادة القانون، والشفافية والمحاسبة، وتمكين المرأة والشباب. ونقوم في هذه الأيام بصياغة دستور مؤقت وقانون للأحزاب تحضيراً للانتخابات القادمة.
- وكنا قد أجرينا في العام الماضي انتخابات للنقابات والاتحادات ولشبيبة حركة فتح، ونحن مقبلون على انتخابات محلية في أبريل ومؤتمر لحركة فتح في مايو، وتفعيل لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وجميعها في هذا العام.
- الدولة الفلسطينية تلتزم بالقانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، والشرعية الدولية، والاتفاقات والمعاهدات الموقعة مع الدول الأخرى والمنظمات والمؤسسات الدولية.
- المقاومة السلمية الشعبية، بالإضافة إلى العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني، هي خيارنا الاستراتيجي لإنهاء الاحتلال الجاثم على أرض دولتنا.
- اننا نسعى للوصول إلى أهدافنا في الحرية والاستقلال من خلال صمود شعبنا وبقائه في أرض وطنه، ومواصلة العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني، الذي حققنا من خلاله اعترافاً بدولة فلسطين في الامم المتحدة كعضو مراقب في العام 2012، ورفعنا علم فلسطين خفاقاً فوق مقرات الأمم المتحدة، وقمنا بالانضمام إلى أكثر من مائة منظمة ومعاهدة دولية بعضوية كاملة.
وقد عملنا مع الأشقاء والأصدقاء والشركاء لبناء تحالف دولي وعقدنا مؤتمراً دولياً للسلام من أجل تنفيذ حل الدولتين، والذي نجم عنه إعلان نيويورك، واعتراف دول كبرى بدولة فلسطين وصلت إلى 160 دولة.
ونؤكد في هذا الإطار، أننا سنواصل بذل الجهود مع الرئيس ترمب وباقي الشركاء المعنيين، ولدينا أمل بأن يشهد العام 2026 تقدماً في حل القضية الفلسطينية، خاصةً أننا نرى بوادر إيجابية من الإدارة الامريكية.
السيدات السادة،
إن الشعب الفلسطيني العظيم لا يعرف اليأس، وهو مسلح بالإيمان والأمل، ورغم كل ما يواجهه من تحديات، فإنه يواصل الحفاظ على وجوده على أرض دولته التي سوف تتحرر من الاحتلال الغاشم بإرادته الصلبة التي لا تلين بإذن الله، كما يحافظ على تاريخه وهويته وذاكرته الوطنية أينما تواجد.
وبالرغم من الكارثة التي حلت بشعبنا بسبب حرب الإبادة والتجويع، وارتقاء أكثر من 260 ألفاً بين شهيد وجريح، وتدمير أكثر من 85% من البنية التحتية والمرافق في قطاع غزة، إلّا أننا نُجدد العزم على إعادة الإعمار والبناء للجامعات والمدارس ورياض الأطفال والكنائس والمساجد، وجميع مرافق دولتنا التي دمرها الاحتلال الوحشي في قطاع غزة، الجزء العزيز الآخر من دولتنا، بعاصمتها القدس، درة التاج، وسوف نعيد بناء ما دمره الاحتلال أيضاً في مخيمات وقرى ومدن الضفة الغربية.
السيدات والسادة،
أغتنم هذه المناسبة لكي اتوجه باسمي وباسم الشعب الفلسطيني بالعرفان والتقدير لشعوبنا العربية وشعوب العالم، وبخاصة شريحة الطلاب والشباب، الذين وقفوا إلى جانب الحق الفلسطيني ضد الظلم والطغيان والعدوان والإبادة الجماعية التي تعرض لها شعبنا، ونظموا المظاهرات والاحتجاجات التي جابت مدن العالم المختلفة تضامناً مع الشعب الفلسطيني، ودعماً لنضاله العادل من أجل حقه في الحرية والاستقلال.
وأخيراً، أود أن أتوجه للشباب الفلسطيني في كل مكان وأقول: العلم هو سلاحكم الفعال، والمعرفة ستقودكم لتحقيق أهدافكم السامية والنبيلة.
أجدد شكري لرئاسة الجامعة العربية الأمريكية على هذا التقدير الكبير، وأتمنى لكم مزيداً من التقدم والتطور.



