التسول ظاهــرة اجتماعيــة خطيـرة انتشرت في فلسطين بشكـل كبيـر، حتى أصبحـت تهـدد المجتمـع بأسـره، وتنذر بالعديد من العواقب؛ فهي ظاهرة مشينـة تقتل عزة النفس وتميت النخوة، وترفع نسبة الإعالة والبطالة، وتؤدي إلى الانحـراف الأخلاقي والفكـري، فنجـد كثيـرًا من المتسوليـن يلجؤون إلـى تعاطـي المخدرات؛ كما نجد العديد منهم يلجؤون إلى تسويق خدمات مشينة بين أفراد المجتمع، ويشيعون الجريمة التي تهدد المجتمع؛ ما يسبب تهديـدا وإخـلالا بالاستقـرار والأمـن العام الذي يمس العديد من وجوه الحياة الفلسطينية ويتسبب في ظهور العديد من الظواهر الفرعية المدمرة، كالتسرب من المدارس، والعديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، بما لها من عواقب وخيمة تقضي على الوجه القيمي، وتهدد الخطط التنموية، وتزرع المفاهيم الهدامة، وتشوه الوجه الحضاري المشرق للوجود الفلسطيني.
وتنشط هذه الظاهرة كثيرًا في أوقات ومواسم دينية معينة، كشهر رمضان والأعياد الدينية؛ وفي أماكن معينة كالمستشفيات والبنوك المساجد والكنائس والأسواق والمحال التجارية وجوانب الطرق وفي أماكن إشارات المرور والمطاعم والمقاهي والأماكن العامة، وفي الأماكن المزدحمة؛ كما تطوف العديد من فرق المتسولين على البيوت في الريف الفلسطيني؛ ما يعني كشف خبايا البيوت لذوي النفوس المريضة الذين قد يجدون في هذا الأسلوب سبيلًا يسهل عليهم ارتكاب جرائم السرقة والاحتيال والعديد من الجرائم الأخرى.
جميع المحافظات الفلسطينية تعاني من هذه الظاهرة، خاصة المدن الرئيسية أكثر من الريف والمخيمات؛ فهي تمتاز بحركة اقتصادية نشطة؛ علاوة على وجود معظم المؤسسات الرسمية وغير الرسمية والجمعيات الخيرية والمراكز التجارية فيها.
ويتبع المتسولون، عدة حيل لكسب العطف واستدرار الشفقة، وطلب العون والمساعدة، باستغلال النواحي الدينية والأخلاقية والإنسانية في نفوس المارة؛ فيطلبون الصدقات وأموال الزكاة، ويتلاعبون بما اعتاده أبناء الشعب الفلسطيني من القيم، كالنخوة وإغاثة المحتاج والمسكين.
ومن المتسولين من يستغل صغر سنه وعجزه عن العمل وحذاقته في الدعاء كالأطفال؛ أو كبر سنه الذي يمنعه من العمل لإعالة أبنائه، أو الحاجة إلى المال من أجل التعليم الجامعي، أو الحاجة إلى المال من أجل العلاج. كما تمتهن العديد من النساء هذه الآفة بحجة موت زوجها أو مرضه الذي يمنعه من القيام بالإنفاق على العائلة.
أنماط التسول
التسول الظاهر: وهو التسول الواضح.
التسول المقنّع: وهو التسول المستتر وراء أنشطه أخرى مثل بيع السلع الصغيرة أو أداء بعض الخدمات البسيطة.
التسول الموسمي: وهو التسول في مواسم ومناسبات معينه، مثل الأعياد أو رمضان.
التسول العرضي: وهو التسول المؤقت الناتج عن ظروف استثنائية.
التسول الاحترافي: وهو اتخاذ التسول حرفة.
التسول الاضطراري: وهو تسول الشخص العاجز عن العمل، والذي لا يتوافر له أي مصدر دخل آخر غير التسول.
ولأن ظاهرة التسول تحدث في الغالب في الظل أو بالخفاء؛ كان من الصعب رصد حجم الظاهرة وانتشارها؛ بسبب عدم توفر إحصائيات أو دراسات أو أبحاث رسمية حولها؛ إلا أن هناك أسبابًا واضحة للظاهرة في المجتمع الفلسطيني وهي:
أسباب ظاهرة التسول
أولاً: الأوضاع الاقتصادية الصعبة في فلسطين:
وحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (الحصاد الاقتصادي الفلسطيني للعام 2024) أنه قبل عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة كانت معدلات الفقر تتجاوز 63%، حيث يبلغ خط الفقر في فلسطين حوالي 2,717 شيقلاً إسرائيلياً، فيما بلغ خط الفقر المدقع ( الشديد) حوالي 2,170 شيقلاً إسرائيلياً، وبعد العدوان المستمر على قطاع غزة يمكن القول إننا تجاوزنا مفهوم الفقر، وأصبحنا نتحدث عن مستويات مختلفة من المجاعة وانعدام الأمن الغذائي، حيث تراجع إجمالي الاستهلاك بنسبة 24% (بحوالي 13% في الضفة الغربية، و80% في قطاع غزة) وهو ما يعكس الأثر المباشر على مستوى المعيشة لدى الأفراد في فلسطين، ورافق ذلك ارتفاع في معدلات البطالة في فلسطين. بمعنى آخر، يمكن القول إن معظم الأفراد في قطاع غزة يعانون من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي.
ثانيا: ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية:
عملت سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967 إفقار الشعب الفلسطيني، وإدامة حالة تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي، وذلك من خلال: نهب الثروات الطبيعية الفلسطينية، والسيطرة على المعابر والحدود، والتحكم بالصادرات والواردات الفلسطينية، وتقييد حرية حركة الفلسطينيين بنشر الحواجز النقاط العسكرية، ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات، وجدار الفصل العنصري، وفرض الإغلاق والحصار على التجمعات الفلسطينية، لا سيما على قطاع غزة؛ ما أدى إلى تزايد الضغط على كاهل الأسرة الفلسطينية التي عجزت عن تلبية معظم متطلبات الحياة لأطفالها وأفرادها؛ ما زاد من أعداد العاطلين عن العمل، وفقدان مصادر الرزق، واستشراء حالة الفقر بشكل مستمر؛ فاندفع عدد من الأطفال والأسر الفقيرة إلى التسول كوسيلة لتعويض الحرمان من المال لسد حاجاتهم الحياتية.
ثالثا: أسباب اجتماعية سلبية:
الطلاق والخلافات الدائمة بين الأبوين وتفكك الأسرة وجنوحها نحو العنف والقسوة، وتمزق أوصالها، وممارسة العنف بحق الطلبة في المدارس، تشكل عوامل تفريخ لمزيد من المتسولين؛ حيث يهرب الأطفال إلى الشارع ويجدون في التسول ضالتهم للحصول على المال بطريقة سهلة يشبعون به رغباتهم، ويوفرون به مستلزمات حياتهم.
وتُعد القدوة السيئة من أسباب التسول كذلك؛ فتؤثر في بعض الأشخاص فتدفعهم إلى التسول؛ فمثلاً قد يجد الطفل أباه أو أمه يمتهنان التسول فيقلدهما، خصوصاً مع علمه بالمردود المادي المرتفع الذي يجنياه من مهنتهما.
ولرفقاء السوء دور مهم في انتشار هذه الظاهرة بين الأطفال؛ فيجد الطفل في البيئة الاجتماعية المحيطة به في المنزل أو في الشارع أو المدرسة بعض الضالعين في التسول الذين يحاولون اجتذابه للتسول، بأن يظهروا له أنه الطريق السريع والسهل للحصول على المال.
وينتشر التسول عادة بين الشرائح الاجتماعية غير المتعلمة؛ إذ لا يُدرك المتسول تماماً مفهوم القيم الاجتماعية؛ بل إنه يضع أمامه هدفاً يتمثل في الحصول على المال بأية وسيلة لتعويض الحرمان الذي يُعانيه.
ويشكل ضعف الوازع الديني دافعًا للتسول؛ إذ يجعل تصرفات الفرد غير متوازنة وغير منضبطة؛ فيفعل أي عمل، دون البحث عما إذا كان حلالاً أم حراماً.
كما يشكل زيادة أعداد متعاطي المخدرات سببًا دافعًا للتسول؛ إذ يعمد متعاطي المخدرات إلى التسول وسيلةً لتوفير المال اللازم لشراء المخدرات.
الآثار السلبية التي تسببها ظاهر التسول في المجتمع الفلسطيني
للتسول أثاره السلبية على المتسول ذاته، حيث ينطوي على إهدار كرامته الإنسانية؛ إضافة إلى أن للتسول آثاره سلبية على المجتمع الذي يحيله إلى مجتمع كسول خامل، يتصف أبناؤه بالاتكالية والبعد عن العمل المنتج.
ويسيء التسول إلى صورة المجتمع الفلسطيني في عيون السياح، ويؤدي إلى نفورهم من زيارة الأماكن السياحية التي يتواجد فيها المتسولون؛ ما يحرم الوطن من أحد أهم الموارد الاقتصادية التي يرتكز عليها الاقتصاد الفلسطيني.
ويشكل التسول مناخًا خصبًا تنطلق منه الجريمة بكل أشكالها؛ فهو بداية الطريق للسرقات والانحراف؛ إذ يهون على المتسول الذي يحصل على الأموال بدون مشقة وعناء، أن يصرفها في شراء الممنوعات وارتكاب الجنايات والمحظورات التي تكون عواقبها وخيمة.
وينطوي التسول على آثار أخرى، مثل: عدم وصول الزكوات والصدقات إلى مستحقيها من الفقراء والمساكين والأيتام والأرامل؛ إذ إن المتسول يأخذ حقوقهم دون وجه حق.
كما أن في التسول انتهاك لحقوق الطفل؛ وذلك باستغلال الأطفال في عملية التسول، حيث يطلب منهم بيع بعض أنواع البضائع منخفضة القيمة في محطات تعبئة الوقود؛ أو مسح السيارات عند إشارات المرور.
إن استمرار هذه الظاهرة على المدى البعيد قد يشكل خطراً اجتماعياً وصحياً وأمنياً، خاصة وأن هناك بعض الممارسات الخاطئة التي تمارس تحت غطاء التسول.
آليات معالجة ظاهرة التسول
- يقع على عاتق المجتمع العبء الأكبر في محاربة ظاهرة التسول؛ لأن هذه الظاهرة تنتشر بتجاوب وتعاون الناس معها وتختفي بكف الناس عن إعطاء هؤلاء المتسولين المال؛ فيجب على جميع أفراد المجتمع التعاون مع الجهات المختصة للحد من هذه الظاهرة السلبية والقضاء عليها.
- على الجهات الرسمية الفلسطينية المختصة تجريم التسول، بفرض عقوبة قانونية حسب القوانين المعمول بها في البلاد.
- على الجهات المختصة توفير العمل لكل قادر على العمل.
- على الجهات المختصة توفير الضمان الاجتماعي لكل عاجز عن العمل، نتيجة لمرض أو إعاقة أو شيخوخة.