وليد الخالدي

يُعد المؤرخ الفلسطيني البروفيسور وليد الخالدي أحد أبرز أعلام الفكر التاريخي الفلسطيني والعربي في العصر الحديث، ومن أهم الباحثين الذين كرّسوا حياتهم لتوثيق تاريخ فلسطين الحديث والدفاع عن الرواية التاريخية الفلسطينية في المحافل الأكاديمية الدولية. وقد ترك الراحل إرثاً علمياً غنياً جعل اسمه مرادفاً للبحث العلمي الرصين حول القضية الفلسطينية، ولجهود التوثيق التاريخي المتعلقة بالنكبة الفلسطينية وما تلاها من تحولات سياسية وجغرافية في المنطقة.

وُلِد وليد الخالدي في مدينة القدس في السادس عشر من تموز/يوليو عام 1925، في كنف أسرة مقدسية عريقة عُرفت تاريخياً بإسهاماتها الفكرية والثقافية والسياسية، وهي الأسرة الخالدية التي ارتبط اسمها بالحياة العلمية في القدس منذ قرون طويلة. وكان والده أحمد سامح الخالدي أحد أبرز التربويين في فلسطين، حيث شغل منصب عميد الكلية العربية في القدس خلال فترة الانتداب البريطاني.

تلقى الخالدي تعليمه المبكر في مدرسة الفرندز في رام الله، قبل أن ينتقل إلى المدرسة الإنجيلية في القدس حيث أنهى دراسته الثانوية. وفي عام 1945 حصل على درجة البكالوريوس من جامعة لندن متخصصاً في التاريخ الإغريقي والروماني واللغة اللاتينية، ثم واصل دراساته العليا في جامعة أكسفورد حيث نال درجة الماجستير في التاريخ عام 1951، ليبدأ بعدها مسيرة أكاديمية لامعة امتدت لأكثر من ستة عقود.

بدأ الخالدي حياته الأكاديمية محاضراً في جامعة أكسفورد، إلا أنه استقال من منصبه عام 1956 احتجاجاً على العدوان الثلاثي على مصر خلال العدوان الثلاثي على مصر 1956، في موقف يعكس التزامه السياسي والأخلاقي بالقضايا العربية. وبعد ذلك انتقل إلى التدريس في الجامعة الأمريكية في بيروت حيث عمل أستاذاً للدراسات السياسية حتى عام 1982، قبل أن يلتحق باحثاً في جامعة هارفارد ضمن مركز الشؤون الدولية، كما حاضر في جامعة برنستون وعدد من الجامعات العالمية.

ويُعدّ الخالدي أحد أبرز مؤسسي مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت عام 1963، وهي مؤسسة بحثية مستقلة أصبحت لاحقاً من أهم المراكز العلمية المتخصصة في دراسة تاريخ فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي، حيث تولى منصب الأمين العام فيها لسنوات طويلة، وأسهم في بناء مكتبتها وأرشيفها العلمي الذي بات مرجعاً أساسياً للباحثين والمؤرخين حول العالم.

ركزت أعمال الخالدي البحثية على دراسة تاريخ فلسطين الحديث، ولا سيما أحداث حرب 1948 وقضية اللجوء الفلسطيني، كما اهتم بتوثيق القرى الفلسطينية التي دُمّرت خلال النكبة، وإبراز البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الفلسطيني قبل عام 1948. وقد اتسمت كتاباته بالدقة العلمية والاعتماد الواسع على الوثائق والأرشيفات الدولية، ما جعلها مرجعاً أساسياً في الدراسات الفلسطينية المعاصرة. 

ومن أبرز مؤلفاته التي حازت اهتماماً واسعاً في الأوساط الأكاديمية: 

- كتاب  Before Their Diaspora الذي يوثق الحياة الفلسطينية قبل النكبة عبر مادة فوتوغرافية تاريخية نادرة.

- كتاب All That Remains الذي يُعد من أهم الموسوعات التي وثّقت القرى الفلسطينية التي دمرتها إسرائيل عام 1948.

- دراسات بحثية عديدة تناولت أحداثاً مفصلية في التاريخ الفلسطيني مثل سقوط حيفا ومجزرة دير ياسين. 

وقد حاز الخالدي تقديراً علمياً واسعاً في الأوساط الأكاديمية الدولية، فانتُخب زميلاً في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، كما شارك في تأسيس الجمعية العلمية الملكية في عمّان، وأسهم في تطوير البحث العلمي حول القضية الفلسطينية في الجامعات ومراكز الأبحاث العالمية. 

وتكريماً لمسيرة الخالدي العلمية الطويلة، كرمه سيادة رئيس دولة فلسطين محمود عباس بوسام نجمة الشرف لدولة فلسطين من الطبقة العليا في العام 2015، لما تميز به من اسهامات علمية رفيعة، شكّلت مرجعاً أساسياً للباحثين والدارسين في تاريخ فلسطين والشرق الأوسط، حيث ترك إرثاً علمياً غنياً سيبقى شاهداً على التزامه العميق بقضية شعبه وحقه في الحرية والاستقلال.

وفي الثامن من آذار/مارس عام 2026، رحل المؤرخ الفلسطيني الكبير وليد الخالدي في مدينة كامبريدج في الولايات المتحدة الأميركية عن عمر ناهز 101 عام، بعد مسيرة علمية استثنائية كرّس خلالها حياته للبحث والتوثيق والدفاع عن الحقيقة التاريخية لفلسطين وشعبها. وقد ترك وراءه إرثاً فكرياً ضخماً سيظل مرجعاً أساسياً للأجيال القادمة من الباحثين والمؤرخين، وشاهداً على التزامه العميق بقضية وطنه وحق شعبه في الحرية والاستقلال. 

ونعى رئيس دولة فلسطين محمود عباس إلى أبناء شعبنا الفلسطيني، وإلى الأوساط الأكاديمية والثقافية في العالم، ببالغ الحزن والأسى، رحيل المؤرخ والمفكر الفلسطيني الكبير البروفيسور وليد أحمد سامح الخالدي، الذي وافته المنية في مدينة كامبردج بولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة الأمريكية، بعد مسيرة حافلة بالعطاء العلمي والفكري والوطني.

وأشاد سيادته، بمناقب الفقيد وجهده وتجربته الحافلة بالعطاء والتفاني في خدمة شعبه وقضيته العادلة، وقال: "لقد كان الفقيد أحد أبرز المؤرخين الفلسطينيين والعرب، ومن أعلام الفكر والبحث التاريخي المعاصر، حيث كرّس حياته للدفاع عن الرواية التاريخية الفلسطينية وتوثيق تاريخ فلسطين وشعبها، وساهم من خلال أبحاثه ومؤلفاته الرصينة في ترسيخ الحقيقة التاريخية الفلسطينية في الأوساط الأكاديمية الدولية. كما كان له دور رائد في تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت.