
وُلدت ليلى منيب جلال شهيد في العاصمة اللبنانية بيروت بتاريخ 13 تموز 1949، في بيئة فلسطينية منخرطة في الهمّ الوطني والوعي الثقافي. تلقت تعليمها العالي في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث درست علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) وعلم النفس، وهو تكوين علمي أسهم لاحقاً في تشكيل رؤيتها السياسية والاجتماعية للقضية الفلسطينية بوصفها قضية إنسان وذاكرة وهوية.
خلال سنوات دراستها الجامعية وحتى عام 1974، انخرطت مبكراً في النشاط الاجتماعي والسياسي داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فلامست عن قرب معاناة اللجوء وتشكل الوعي الوطني في الشتات. ثم انتقلت إلى باريس لمتابعة دراساتها العليا في الأنثروبولوجيا، وهناك توسعت تجربتها الفكرية والسياسية في الفضاء الأوروبي.
في عام 1976، تولّت رئاسة اتحاد الطلبة الفلسطينيين في فرنسا، لتؤكد حضورها القيادي في أوساط الجاليات الفلسطينية في أوروبا. مثّلت هذه المرحلة جسراً بين العمل الشعبي والتمثيل السياسي المنظم، ومقدمة طبيعية لدخولها الحقل الدبلوماسي الرسمي.
عام 1989، أصبحت أول امرأة فلسطينية تُعيَّن ممثلةً لـ منظمة التحرير الفلسطينية في إيرلندا، في خطوة عكست الثقة بكفاءتها ومهنيتها. وفي عام 1990 نُقلت ممثلةً للمنظمة في هولندا، حيث عززت الحضور السياسي الفلسطيني في الأوساط الأوروبية الرسمية والبرلمانية.
بين عامي 1993 و2005 شغلت ليلى شهيد منصب المندوبة العامة لفلسطين في فرنسا، وهي مرحلة مفصلية في تاريخ العلاقات الفلسطينية-الأوروبية، تزامنت مع اتفاقيات أوسلو وتطورات المسار السياسي. استطاعت شهيد أن تحوّل التمثيل الفلسطيني في باريس إلى منصة سياسية وثقافية نشطة، مزجت فيها بين الدبلوماسية الرسمية والانفتاح على المجتمع المدني الفرنسي، ووسائل الإعلام، والجامعات، والمؤسسات الثقافية.
تميّز خطابها بالوضوح والرصانة، مع إصرار على تأطير القضية الفلسطينية في سياق القانون الدولي وحقوق الإنسان، ما أكسبها احتراماً واسعاً في الأوساط السياسية والفكرية الأوروبية.
من عام 2006 حتى 2014، تولّت منصب مفوضة فلسطين العامة لدى الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تمثيلها لدى بلجيكا ولوكسمبورغ. في هذه المرحلة، عملت على تعميق العلاقات الفلسطينية-الأوروبية، وتوسيع الدعم للمؤسسات الفلسطينية، والدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية في المحافل الأوروبية. وأسهمت في تعزيز صورة الدبلوماسية الفلسطينية بوصفها دبلوماسية عقلانية، قانونية، ومنفتحة على الحوار، مع تمسك ثابت بالحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني.
لم تكن ليلى شهيد دبلوماسية تقليدية؛ فقد آمنت بأن الثقافة هي "أساس السياسة"، وأن الرواية الثقافية الفلسطينية تمثل بعداً جوهرياً في الصراع على الوعي. ارتبطت بعلاقات فكرية وثيقة مع مفكرين وأدباء بارزين مثل إدوارد سعيد، إلياس خوري، ومحمود درويش، وشكّلت جزءاً من شبكة ثقافية عربية-أوروبية أسهمت في تقديم السردية الفلسطينية إلى العالم بلغة إنسانية وأدبية رفيعة. كانت ترى أن المعركة ليست سياسية فحسب، بل معركة ذاكرة وهوية، وأن الدفاع عن فلسطين يبدأ بحماية روايتها التاريخية والثقافية.
ظلّت فلسطين حاضرة في وجدانها منذ الطفولة عبر حكايات والدتها المقدسية سيرين الحسيني عن القدس. وقد دوّنت هذه الذاكرة في كتابها "ذكريات من القدس"، الذي يستعيد سيرة عائلية ووطنية متشابكة، ويجسّد العلاقة العاطفية العميقة التي ربطتها بالمدينة المقدسة بوصفها رمزاً للهوية والانتماء. فليلى شهيد تمثل نموذجاً للدبلوماسية الفلسطينية التي جمعت بين الكفاءة المهنية، والالتزام الوطني، والحس الثقافي الرفيع. كانت صوتاً نسائياً ريادياً قوياً، وأسهمت في ترسيخ صورة المرأة الفلسطينية كقائدة ومفاوضة ومفكرة.
وبتاريخ 18/2/2026 تم الإعلان عن وفاتها، عن عمر ناهز (76 عاما)، في منزلها بجنوب فرنسا، بعد معاناة مع المرض منذ سنوات.
نعاها رئيس دولة فلسطين محمود عباس، وقال سيادته: لقد كرّست الفقيدة الراحلة حياتها في الدفاع عن قضايا وطنها وشعبها، فكانت صوتاً صادقاً لوطنها، وصورة مشرّفة للدبلوماسية الفلسطينية، حيث أدّت مهامها التي كلفت بها بكل كفاءة واقتدار، وأسهمت في تعزيز حضور القضية الفلسطينية في الساحة الأوروبية والدولية.
وأشاد سيادة الرئيس بمناقب الفقيدة، مؤكدا أن ليلى شهيد جسّدت نموذج الدبلوماسية الملتزمة بقيم الحرية والعدالة والسلام، وظلّت وفية لرسالة شعبها حتى آخر أيامها، تاركةً إرثاً وطنياً وإنسانياً سيبقى خالداً في وجدان شعبنا حتى نيل حقوقنا الوطنية المشروعة.