عربي | Eng
مركز المعلومات الوطني الفلسطيني - وفا
Twitter اضفنا الى المفضلة، او اضغط Ctrl+D اجعلنا صفحة البداية
|الرئيسية|من نحن|اتصل بنا|


Bookmark and Share

محطات تاريخية ما بين العامين 1968-1987

معركة الكرامة  1968

معركة الكرامة وقعت في 21 آذار 1968حين حاولت قوات الجيش الإسرائيلي احتلال الضفة الشرقية لنهر الأردن؛ لأسباب تعدُّها إسرائيل إستراتيجية.    وقد عبرت النهر فعلاً من عدة محاور مع عمليات تجسير وتحت غطاء جوي كثيف؛ فتصدت لها  المقاومة الفلسطينية  وقوات الجيش العربي الأردني بقوةعلى طول جبهة القتال من أقصى شمال الأردن إلى جنوب البحر الميت.
واستمرت المعركة لأكثر من 16 ساعة؛ ما اضطر الإسرائيليين إلى الانسحاب الكامل من أرض المعركة، تاركين وراءهم -ولأول مرة- خسائرهم وقتلاهم.

أهداف المعركة:

أثبتت الوثائق التي تركها القادة الإسرائيليون في ساحة القتال أن هذه العملية تهدف إلى القضاء على المقاومة الفلسطينية واحتلال المرتفعات الشرقية لوادي الأردن.

بداية التوتر

وفي مطلع سنة 1968 صدرت عدة تصريحات رسمية عن إسرائيل تعلن أنه إذا استمرت نشاطات الفدائيين عبر النهر، فإنها ستقرر إجراء عمل مضاد مناسب؛ وبناء عليه، زاد نشاط الدوريات الإسرائيلية في الفترة ما بين 15-18 مارس 1968 بين جسر الملك حسين وجسر داميا، وازدادت أيضًا الطلعات الجوية الإسرائيلية فوق وادي الأردن.
وتمهيدًا للهجوم الواسع؛ قامت إسرائيل بهجمات عديدة ومركزة استخدمت فيها القصف الجوي والمدفعي على طول الجبهة الأردنية أسابيع عديدة سبقت بداية المعركة في 5:25 من فجر يوم الأحد في 21 آذار 1968.   كما مهدت لذلك بإجراءات واسعة النطاق في المجالات النفسية والسياسية والعسكرية عمدت بواسطتها إلى تهيئة المنطقة لتطورات جديدة تتوقعها كنتائج لعملياتها العسكرية شرقي نهر الأردن؛ فقد بنت توقعاتها على أساس:
1- الاستهانة بقوة الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية  عل طول الحدود بين الأردن وفلسطين، والتي تعدُّ أطول حدود برية مع إسرائيل.
2- هزيمة العرب في حرب 1967؛ وبالتالي فالروح المعنوية القتالية لن تكون بالمستوى اللازم لتحقيق مقاومة جدية.
3- لم يتسنَّ للجيش الأردني إعادة تسليح قواته أو تعويض خسائره التي مني بها في حرب 1967
4- عدم تمكن الأردنيين من تعويض طائراتهم؛ ما يعني افتقار القوات الأردنية للغطاء الجوي.
5- خطأ إسرائيل في تقدير قوة المقاومة الفلسطينية والاستهانة بها، وسعيها لكسرها وتدميرها قبل أن تتعاظم. 
6- ظن إسرائيل أن الخلافات السياسية بين فصائل المقاومة والحكومة الأردنية، تحول دون تحقيق أي تعاون بينهما.

محاور القتال

حشد الجيش الإسرائيلي لتلك المعركة اللواء المدرع السابع، وهو الذي سبق وأن نفذ عملية الإغارة على قرية السموع عام 1966، واللواء المدرع 60، ولواء المظليين 35، ولواء المشاة 80، وعشرين طائرة هيلوكبتر لنقل المظليين، وخمس كتائب مدفعية 155 ملم و105 ملم، بالإضافة إلى قواته، وسلاحه الجوي الذي كان يسيطر سيطرة تامة على سماء وأرض المعركة، فضلًا عن قوة الهجوم التي استخدمها في غور الصافي، وهي كتيبة دبابات، وكتيبة مشاة آلية، وسريتا مظليين، وكتيبة مدفعية.   وتم حشد هذه القوات في منطقة أريحا، ودفع بقوات رأس الجسر إلى مناطق قريبة من مواقع العبور الرئيسة الثلاثة.

بدأ الجيش الإسرائيلي قصفه المركز على مواقع الإنذار والحماية، ثم قام بهجومه الكبير على الجسور الثلاثة عبر محاور القتال الرئيسة، في وقت واحد؛ حيث كان يسلك الطريق التي تمر فوق هذه الجسور وتؤدي إلى الضفة الشرقية، وهي طريق جسر داميا (الأمير محمد)، وتؤدي إلى المثلث المصري، ثم يتفرع منها مثلث العارضة- السلط-عمان، وطريق أريحا، ثم جسر الملك حسين –الشونة الجنوبية وادي شعيب – السلط – عمان، ثم جسر الأمير عبد الله (سويمة، ناعور عمان).

وفي فجر يوم 21 آذار 1968 زمجرت المدافع، وانطلقت الأصوات على الأثير عبر الأجهزة اللاسلكية، تعلن بدء الهجوم الإسرائيلي عبر النهر.

يقول اللواء مشهور حديثة: في الساعة 5:25 فجرًا، أبلغني الركن المناوب أن الجيش الإسرائيلي يحاول اجتياز جسر الملك حسين، فأبلغته أن يصدر الأمر بفتح النار المدمرة على حشود الجيش الإسرائيلي؛ لذلك كسب الجيش العربي مفاجأة النار عند بدء الهجوم من القوات الإسرائيلية.  ولو تأخر في ذلك لأتاح للقوات المهاجمة الوصول إلى أهدافها؛ بالنظر إلى قصر محاور الهجوم التي تقود وبسرعة إلى أهداف حاسمة وهامة؛ في ظل حجم القوات التي تم دفعها إلى أرض المعركة، وفي ظل نوعية أفراد هذه القوات وتدريبها، وسرعة وزخم هجومها، بالإضافة إلى سهولة الحركة فوق الجسور القائمة.


إلا أن القوات الأردنية -وخاصة سلاح المدفعية- ومجموعات المقاومة الحاملة لمضادات المدفعية (أر بي جي )، استطاعت حرمان القوات الإسرائيلية حرية العبور حسب المحاور المخصصة لها؛ ودليل ذلك أن القوات الإسرائيلية التي تكاملت شرقي النهر، كانت بحجم فرقة، وهي القوات التي عبرت في الساعة الأولى من الهجوم، وبعدها لم تتمكن القوات المهاجمة من زج أية قوات جديدة شرقي النهر، بالرغم من محاولتهم المستميتة للبناء على الجسور التي دمرت، ومحاولة بناء جسور حديدية لإدامة زخم الهجوم والمحافظة على زمام المبادرة؛ ما أربك الغزاة المهاجمين وزاد حيرتهم وخاصة في ظل شراسة المواقع الدفاعية ومقاومتها الشديدة.

القتال على محور جسر الأمير محمد (داميا)


اندفعت القوات العاملة على هذا الجسر تحت ستار كثيف من نيران المدفعية والدبابات والرشاشات المتوسطة، فتصدت لها قوات الحجاب الموجودة شرق الجسر مباشرة، ودارت معركة عنيفة تمكنت  المقاومة الفلسطينية والقوات الأردنية المدافعة خلالها من تدمير عدد من دبابات الجيش الإسرائيلي، وإيقاع الخسائر بين صفوفه، وإجباره على التوقف.

القتال على محور جسر الملك حسين

لقد كان الهجوم الرئيسي هنا موجهاً نحو الشونة الجنوبية، وكانت القوات الرئيسة المخصصة للهجوم مركزة على هذا المحور؛ الذي يمكن التحول منه إلى بلدة الكرامة والرامة والكفرين جنوباً.  واستخدم الجيش الإسرائيلي في هذه المعركة لواءين (لواء دروع ولواء آلي) تساندهما المدفعية والطائرات.

ففي صباح يوم الخميس 21 آذار دفع الجيش الإسرائيلي بفئة دبابات لعبور الجسر، واشتبكت مع قوات الحجاب القريبة من الجسر؛ إلا أن قانصي الدروع تمكنوا من تدمير تلك الفئة.  واستطاع الجيش الإسرائيلي إنزال الموجة الأولى من المظليين شرقي الكرامة، لكن هذه الموجة تكبدت خسائر كبيرة في الأرواح وتم إفشالها؛ ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى إنزال موجة أخرى تمكنت من الوصول إلى بلدة الكرامة، وبدأت بعمليات تدمير لبنايات البلدة، واشتبكت مع بعض قوات الدفاع الأردنية في قتال داخل المباني. 

وفي هذه الأثناء استمر الجيش الإسرائيلي بمحاولاته في الهجوم على بلدة الشونة الجنوبية.  وكانت  المقاومة والقوات الأردنية المدافعة تتصدى له في كل مرة، وتوقع به المزيد من الخسائر.   وعندما اشتدت ضراوة المعركة؛ طلب الجيش الإسرائيلي -ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي- وقف إطلاق النار؛ ورفض الملك الحسين بن طلال وقف إطلاق النار، رغم ضغط الولايات المتحدة.  وحاول الجيش الإسرائيلي الانسحاب؛ إلا أن القوات الأردنية تدخلت في عملية الانسحاب وحولته إلى انسحاب غير منظم؛ فترك الجيش الإسرائيلي عدداً من آلياته وقتلاه في أرض المعركة.  (حديث اللواء بهجت المحيسن قائد لواء حطين عن هذا المحور)

القتال على محور جسر الأمير عبد الله

حاول الجيش الإسرائيلي القيام بعملية عبور من هذا المحور باتجاه (ناعور – عمّان) وحشد لذلك قوات مدرعة؛ إلا أنه فشل.   ومنذ البداية، لم تتمكن قواته، على هذا المحور، من عبور النهر؛ بعد أن دمرت معظم معدات التجسير التي حاول استخدامها في عملية العبور.  وانتهى القتال على هذا المحور بانسحاب فوضوي لقوات الجيش الإسرائيلي.   وكان للمدفعية الأردنية ونيران الدبابات وأسلحة مقاومة الدروع الأثر الأكبر في إيقاف تقدم الجيش الإسرائيلي ودحره. 

محور غور الصافي

حاول الإسرائيليون تشتيت جهد المقاومة الفلسطينية  والقوات الأردنية بالهجوم على محور غور الصافي برتل من دباباته وآلياته ومشاته؛ تمهيداً لحملة إعلامية نفسية مستخدماً المنشورات التي كان يلقيها على السكان، والتي يدعوهم فيها إلى الاستسلام وعدم المقاومة، كما قام بعمليات قصف جوي مكثف على القوات الأردنية؛ إلا أن كل ذلك قوبل بدفاع عنيف من الجيش الأردني؛ ما أجبر القوات المهاجمة على الانسحاب.

ويذكر أن أول من نفذ عملية استشهادية هو شخص ملقب "بالفسفوري" من حركة التحرير الوطني الفلسطيني - فتح- " حيث قام بتلغيم نفسه، وقفز إلى رتل من الدبابات الإسرائيلية موقعاً بها خسائر كبيرة جدًا.
 
انسحاب القوات الإسرائيلية

فشل الجيش الإسرائيلي تماماً في هذه المعركة دون أن يحقق أياً من أهدافه على جميع المحاور، وخرج من هذه المعركة خاسراً مادياً ومعنوياً خسارة لم يكن يتوقعها أبداً.  

 وصدرت الأوامر الإسرائيلية بالانسحاب حوالي الساعة 15:00 ؛ وقد استغرقت عملية الانسحاب تسع ساعات؛ نظراً للصعوبة التي عاناها الإسرائيليون في التراجع.

طلب وقف إطلاق النار

طلبت إسرائيل -ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي- وقف إطلاق النار في الساعة الحادية عشرة والنصف من يوم المعركة؛ إلا أن الأردن أصر -وعلى لسان الملك الحسين (قائد الجيش)- على عدم وقف إطلاق النار طالما أن هناك جنديًا إسرائيليًا واحدًا شرقي النهر؛ وذلك رغم كل الضغوطات الدولية.

الخسائر:

خسائر القوات الإسرائيلية:

قتل من الإسرائيليين 250 جنديًا وجرح 450 في أقل من 18 ساعة،  تدمير 88 آلية، وهي عبارة عن 27 دبابة، و18 ناقلة، و24 سيارة مسلحة، و19 سيارة شحن وسقوط طائرة.
وقد عرض الأردن بعض هذه الخسائر الإسرائيلية أمام الملأ في الساحة الهاشمية.
خسائر المقاومة الفلسطينية:
ارتقاء حوالي 100 شهيد، وتدمير مخيم الكرامة تدميرًا كليًا.  
خسائر القوات الأردنية:
1- ارتقاء  78 شهيدًا.
2-  سقوط 108  جرحى.
3-  تدمير 13 دبابة.
4-   تدمير 39 آلية.

نتائج المعركة

- فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق أي من أهدافه التي سعى إلى تحقيقها بهذه العملية.
- أثبت رجال المقاومة والجيش الأردني قدرتهم على الثبات، والحفاظ على روح قتالية عالية، رغم الظروف الصعبة. 
 
مبادرة روجرز

مبادرة روجرز هي مبادرة قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية في آب سنة 1970، وتقترح وقف العمليات المسلحة التي ينفذها الفدائيون الفلسطينيون المتمركزون في غور الأردن ضد إسرائيل.

وافقت مصر بقيادة عبد الناصر على هذه المبادرة، ثم الأردن بقيادة الملك حسين؛ لكن منظمة التحرير الفلسطينية رفضت الالتزام بها.

أسباب طرح هذه المبادرة:

طرحت الولايات المتحدة الأمريكية هذه المبادرة لإيقاف القتال مدة ثلاثة أشهر، بعد المعارك الجوية التي دارت بين القوات المسلحة المصرية والقوات الإسرائيلية المعادية، التي أسقطت فيها طائرات تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، والتي كان عدد منها طائرات أمريكية الصنع حديثة جداً.   

وجاءت هذه المبادرة لإنقاذ إسرائيل من المأزق العسكري الكبير جداً؛ بعد أن منيت بخسائر بشرية يومية في صفوف قواتها المسلحة. قد جاءت مبادرة روجرز بعد أن تبين أن الهزيمة، رغم مرارتها وقسوتها، لم تجبر العرب على رفع أعلام الاستسلام البيضاء؛ وإنما تواصل القتال تعبيرًا عن رفض الهزيمة؛ إذ كان شهر سبتمبر هو البداية الحقيقية لعودة القتال، عندما قامت معركة بالمدفعية في منطقة القنطرة خسر فيها الإسرائيليون حوالي 80 قتيلًا و250 جريحًا؛ ما جعل يوثانت (أمين عام الأمم المتحدة في ذلك الوقت) يطلب من "أودبول" (كبير المراقبين الدوليين) قطع إجازته والعودة فورًا إلى القاهرة. وفي 25 اكتوبر، أغرقت البحرية المصرية المدمرة الإسرائيلية (إيلات).

ورغم صدور قرار مجلس الأمن في 25 نوفمبر عام 1967 بوقف إطلاق النار؛ قال جمال عبد الناصر: إن ما يفعله الإسرائيليون في الأرض المحتلة يؤكد أنهم لن يخرجوا منها، إلا إذا أجبروا على ذلك، وقال قولته المشهورة: "إن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة".  

 وهكذا تواصل القتال وتصاعد حتى دخول حرب الاستنزاف التي كثفت فيها إسرائيل غاراتها الجوية بغية إصابة النظام بالشلل (كما صرحت رئيسة الوزراء (جولدا مائير))، وفي نفس الوقت ارتفعت روح المقاومة وازداد الإصرار على تحرير الوطن، وارتفعت خسائر إسرائيل بشكل ملحوظ؛ ما دفع جولدا مائير إلى القول إن «كتائب الصواريخ المصرية كعش الغراب كلما دمرنا أحدها نبت بدلها أخرى» ودفعت أبا إيبان (وزير الخارجية) إلى القول: "لقد بدأ الطيران الإسرائيلي يتآكل".  

تصريح وليام روجرز

قال وليام روجرز في أحد المؤتمرات يوم 9 ديسمبر عام 1969: «سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تهدف إلى تشجيع العرب على قبول سلام دائم، وفي الوقت نفسه تشجع إسرائيل على قبول الانسحاب من أراض محتلة بعد توفير ضمانات الأمن اللازمة؛ وإن ذلك يتطلب اتخاذ خطوات تحت إشراف كونار يارنك وبنفس الترتيبات التي اتخذت في اتفاقيات الهدنة برودس عام 1948.    وكمبدأ عام؛ فإنه عند بحث موضوعي السلام والأمن؛ فإنه يطلب من إسرائيل الانسحاب من الأراضي المصرية بعد اتخاذ ترتيبات للأمن في شرم الشيخ، وترتيبات خاصة في قطاع غزة مع وجود مناطق منزوعة السلاح في سيناء.

رد الفعل الإسرائيلي

بادرت إسرائيل إلى رفض مبادرة روجرز؛ ويبدو أن حكومة إسرائيل في صلتها مع الحكومة الأمريكية خلال هذه الفترة كانت تركن وتعتمد على هنري كيسنجر الذي كان مستشارًا للرئيس الأمريكي للأمن القومي فقط.  وكان ناحوم جولدمان (رئيس المؤتمر اليهودي العالمي) قد أبلغ أن هنري كيسنجر كان يستخف بوليام روجرز، وأنه يسعى لأن يحل محله، وهو ما حدث فعلًا بعد ذلك.  

وكان جمال عبد الناصر في زيارة للاتحاد السوفيتي خلال شهر تموز عام 1970، عندما قال في اجتماع مع بريجنيف يوم 16 يوليو (وهو اليوم السابق لعودته للقاهرة): إنه قرر قبول المبادرة الأمريكية، موضحًا سبب ذلك في أن القوات المسلحة تحتاج إلى فترة لالتقاط الأنفاس والانتهاء من مواقع الصواريخ على الشاطئ الغربي للقناة؛ بعد أن بلغت خسائر المدنيين الذين اشتركوا في بناء قواعد الصواريخ 4000 شهيد.   وكذلك قال جمال عبد الناصر للجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي: إن قبول مصر للمبادرة سوف يحرج إسرائيل أمام الرأي العام العالمي وأمام أمريكا أيضاً. وذكر أنه لا يعتقد أن لهذه المبادرة أي نصيب من النجاح، وأن فرصتها في ذلك لا تتجاوز 1 أو 2 في المائة.

رد الفعل المصري

في البداية قابلت القاهرة تصريح روجرز بالصمت التام، ثم أعلن جمال عبد الناصر قبوله بها يوم 23 يوليو في العيد الثامن عشر للثورة. وتفجرت ردود الفعل في أنحاء العالم؛  فقد كان الإعلان مفاجئا بعد فترة صمت امتدت أكثر من شهر. والظاهرة التي يجب الوقوف عندها طويلًا هي خروج الإسرائيليين إلى الشوارع في مظاهرات رقص وفرح؛ فقد انتهت بالنسبة لهم حرب الاستنزاف التي أرهقتهم نفسيًا وماديًا، وكبدتهم خسائر كثيرة في الأرواح.  

أنقذ قبول المبادرة الإسرائيليين من تكرار ما حدث في ذلك اليوم الذي أطلقوا عليه اسم "السبت الحزين" (عندما وقعت إحدى دورياتهم في كمين للقوات المصرية المتسللة في سيناء، وقتل 40 جنديًا، وعاد المصريون باثنين من الأسرى)، رقص الإسرائيليون تصورًا منهم أن المبادرة هي خطوة أولى نحو السلام فعلا، وهكذا كانت قناعة الرأي العالمي أيضًا.

وقال ناحوم جولدمان: إن قبول مبادرة روجرز خطوة هائلة للسلام من جانب عبد الناصر؛ وإن على الحكومة الإسرائيلية أن تلتقي معه في منتصف الطريق، ومع ذلك تحطم الائتلاف الحكومي الإسرائيلي بانسحاب ستة وزراء من حزب «جاحال»، وفي مقدمتهم مناحم بيجن.

ردود الفعل العربية

المثير أن قبول المبادرة كانت له انعكاسات مختلفة على الجانب العربي، واندفعت بعض القوى الفلسطينية إلى اتهام الذين قبلوها بالخيانة؛ الأمر الذي أدى إلى إصدار أمر بوقف إذاعة صوت فلسطين، التي كانت تبث من القاهرة يوم 29 يوليو عام 1970.   ووضعت المبادرة موضع التنفيذ في الساعة الواحدة من صباح السبت 8 آب عام 1970 لمدة 90 يومًا.  

النهاية

ولم يمتد العمر بجمال عبد الناصر حتى نهاية المدة المحددة لوقف إطلاق النار، ولم تجد مبادرة روجرز فرصتها لتوضع موضع التنفيذ. وبعد وفاة جمال عبد الناصر؛ تجدد وقف إطلاق النار لمدة ثلاث سنوات وشهرين، حتى قامت حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، وكان وليام روجرز قد ترك منصبه. 

النقاط العشر أو مشروع روجرز

وهي عشر نقاط، وقد قدمت أيضا هذه النقاط إلى الأردن مع إضافة ثلاث نقاط أخرى على المشروع؛ في 9/12 /1969 لكن بعد فترة، وبتاريخ 25/6/1970 تم تقديم مشروع معدل لكل من مصر والأردن وإسرائيل، وتمثل بالنقاط التالية:

نص المشروع المعدل المقدم إلى مصر والأردن وإسرائيل في 25/6/1970 دمت الولايات المتحدة الأمريكية المقترحات التالية:

1.   تتعهد إسرائيل والجمهورية العربية المتحدة بأن تتقيدا بوقف إطلاق النار، لفترة محددة على الأقل.
2.   إن إسرائيل والجمهورية العربية المتحدة، وكذلك الأردن وإسرائيل، تقبل بالبيان التالي، والذي سيكون على شكل تقرير من السفير يارينج إلى الأمين العام يوثانت:
" لقد أشارت كل من الجمهورية العربية المتحدة والأردن وإسرائيل، إلى أنها توافق على:

أ.   أنهم يقبلون ويعلنون رغبتهم في تنفيذ القرار 242، بكل أجزائه، وأنهم سيعيِّنون ممثلين عنهم في مناقشات تجري تحت إشرافي وفي الأماكن والمواعيد، التي أحددها، واضعاً في الحساب ما يلائم كل طرف، في ضوء البروتوكول والخبرة السابقة بين هذه الأطراف.  
ب.   إن الغرض من المناقشات، التي سبق ذكرها، الوصول إلى اتفاق لبناء سلام عادل ودائم بينهم، يقوم على:
1.   الاعتراف المتبادل بين كل من الجمهورية العربية المتحدة والأردن وإسرائيل بالسلطة والسيادة الإقليمية والاستقلال السياسي.
2.   الانسحاب الإسرائيلي من أراضٍ احتلت في نزاع عام 1967 (كلا النقطتين 1و2 وفقاً لقرار 242).
3.   ولتسهيل مهمتي في الوصول إلى اتفاق كما جاء في القرار 242؛ تتقيد الأطراف بحزم بقرارات مجلس الأمن لوقف إطلاق النار اعتباراً من 1 يوليه حتى 1 أكتوبر 1970".

برنامج النقاط العشر الفلسطيني ( البرنامج االمرحلي)

في عام 1974، أقر المجلس الوطني الفلسطيني برنامج النقاط العشر التي تمت صياغتها من قبل قيادات الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والتي تدعو إلى إنشاء سلطة وطنية على أي قطعة محررة من أرض فلسطين، والعمل الفاعل لإنشاء دولة علمانية ديمقراطية ثنائية القومية في فلسطين/إسرائيل، يتمتع فيها كل المواطنين بالمساواة والحقوق، بغض النظر عن العرق والجنس والدين.  

اعتبر برنامج النقاط العشر أول محاولة من قبل م.ت.ف.   لحل سلمي، علمًا بأن الهدف النهائي كان إكمال تحرير كامل التراب الفلسطيني، وكخطوة على طريق الوحدة العربية الكاملة.

أدى ذلك بفصائل مثل "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، و"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامّة" وآخرون إلى الخروج وتشكيل "جبهة الرفض"، والتي تصرفت بشكل منفصل عن منظمة التحرير الفلسطينية في السنوات اللاحقة.  

الشكوك بين الخط العام بقيادة ياسر عرفات وفصائل أخرى تتبنى خطًا أكثر تشددا، داخل وخارج منظمة التحرير، ظلت تسيطر على العمل داخل المنظمة منذ ذلك الحين، مؤدية في كثير من الأحيان إلى تواز أو حتى تضاد في اتجاهات التحرك.  

موقف إسرائيل:

تدعي إسرائيل رؤيتها لبرنامج النقاط العشر كخطر؛ لأنه يسمح للقيادة الفلسطينية بالدخول في مفاوضات مع إسرائيل على نقاط تستطيع إسرائيل تقديم تنازلات فيها؛ ولكن بإخفاء نوايا استغلال التنازلات لأجل تحسين موقعها للهجوم على إسرائيل.   المصطلح الإسرائيلي لهذا البرنامج هو "الخطة المرحلية"(Tokhnit HaSHlabim).   أثناء المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين في التسعينات من القرن الماضي. 

كرر بعض الإسرائيليين هذه الشكوك، مدعين أن رغبة الفلسطينيين بالتنازل هي جدار دخاني مموه لتطبيق برنامج النقاط العشر.   بعد توقيع اتفاق أوسلو، ادعي سياسيو اليمين الإسرائيلي (ولا زالو يدّعون) أن هذا جزء من مخطط لتنفيذ برنامج النقاط العشر، وذلك كما أقر به ياسر عرفات نفسه بالعربية في عدة مناسبات.   ولم يتم إلغاء برنامج النقاط العشر رسميًا من قبل منظمة التحرير.

نص النقاط العشر:

1- تأكيد موقف منظمة التحرير السابق من أن القرار 242 يطمس الحقوق الوطنية والقومية لشعبنا، ويتعامل مع قضية شعبنا كمشكلة لاجئين؛  ولذا يرفض التعامل مع هذا القرار على هذا الأساس في أي مستوى من مستويات التعامل العربية والدولية، بما في ذلك مؤتمر جنيف.
2- تناضل منظمة التحرير بكافة الوسائل، وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير الأرض الفلسطينية وإقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على كل جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها؛ وهذا يستدعي إحداث المزيد من التغيير في ميزان القوى لصالح شعبنا ونضاله.
3- تناضل منظمة التحرير ضد أي مشروع كيان فلسطيني ثمنه الاعتراف والصلح والحدود الآمنة والتنازل عن الحق الوطني وحرمان شعبنا من حقوقه في العودة وتقرير مصيره فوق ترابه الوطني.
4- إن أية خطوة تحريرية تتم هي حلقة لمتابعة تحقيق استراتيجية منظمة التحرير في إقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية المنصوص عليها في قرارات المجالس الوطنية السابقة.
5- النضال مع القوى الأردنية الوطنية لإقامة جبهة وطنية أردنية فلسطينية هدفها إقامة حكم ديمقراطي في الأردن يتلاحم مع الكيان الفلسطيني الذي يقوم بنتيجة الكفاح والنضال.
6- تناضل منظمة التحرير لإقامة وحدة نضالية بين الشعبين وبين كافة قوى حركة التحرر العربي المتفقة على هذا البرنامج.
7- على ضوء هذا البرنامج، تناضل منظمة التحرير من أجل تعزيز الوحدة الوطنية والارتقاء بها إلى المستوى الذي يمكنها من القيام بواجباتها ومهماتها الوطنية والقومية.
8- تناضل السلطة الوطنية الفلسطينية بعد قيامها، من أجل اتحاد أقطار المواجهة في سبيل استكمال تحرير كامل التراب الفلسطيني، كخطوة على طريق الوحدة الشاملة.
9- تناضل منظمة التحرير من أجل تعزيز تضامنها مع البلدان الاشتراكية وقوى التحرر والتقدم العالمية لإحباط كافة المخططات الصهيونية والرجعية الإمبريالية.
10- على ضوء هذا البرنامج، تضع قيادة الثورة التكتيك الذي يخدم ويمكِّن من تحقيق هذه الأهداف.


جبهة الرفض

جبهة الرفض، واسمها الكامل "جبهة القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الاستسلامية"، هي تكتل شكلته سنة 1974 الحركات الفلسطينية المعارضة لـقرارات دورة المجلس الوطني الفلسطيني الثانية عشر التي أقرت بإقامة الدولة الفلسطينية على أي جزء من فلسطين، وذلك كجزء من برنامج النقاط العشر.  

تزعمت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جبهة الرفض، التي تلقت دعماً من العراق وليبيا، وانتخب أحمد اليماني (أبو ماهر) كأمين سر لها.   لعبت فصائل الجبهة دورًا مهما في بداية الحرب الأهلية اللبنانية، وكانت متحمسة إلى التحالف مع الحركة الوطنية اللبنانية.  

أدى التقارب العراقي السوري واتفاقية كامب ديفيد إلى المصالحة مع ياسر عرفات، ومشاركة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في دورة المجلس الوطني الفلسطيني الرابعة عشرة التي أقيمت في دمشق في ديسمبر 1979.

فصائل الجبهة

- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة.
- جبهة التحرير العربية.
- جبهة النضال الشعبي الفلسطيني.
- منظمة الصاعقة.

مؤتمر جنيف الدولي للأمم المتحدة

بعد أن حققت منظمة التحرير الفلسطينية بعد 1969 مكاسب هامة على الصعيد الدبلوماسي الدولي.   وكان هذا هو الحال بشكل خاص بعد دعوة المجلس الوطني الفلسطيني في 19 شباط/فبراير 1974 ومرة ثانية في 12 حزيران/يونيو 1974 (البرنامج السياسي ذو النقاط العشر للمجلس الوطني الفلسطيني) إلى إقامة "سلطة وطنية محاربة مستقلة للشعب في كل جزء محرر من الأراضي الفلسطينية؛  تم اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها "ممثل الشعب الفلسطيني" (القرار رقم 3210 بتاريخ 14 تشرين الأول/أكتوبر 1974) واعتراف جامعة الدول العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها "الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في أي من الأراضي الفلسطينية المحررة" (قرار جامعة الدول العربية بتاريخ 28 تشرين الأول/أكتوبر 1974).   وحصول فلسطين، ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، على العضوية الكاملة في جامعة الدول العربية يوم 9 أيلول/سبتمبر 1976.  

 وفي 13 تشرين الثاني/نوفمبر 1974، ألقى ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية كلمة أمام النصاب المكتمل للجمعية العامة للأمم المتحدة، تلا ذلك إعادة تأكيد الجمعية العامة للأمم المتحدة (القرار رقم 2672 بتاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر 1970) على "حقوق [الشعب الفلسطيني] غير القابلة للتغيير، لاسيما حقه في تقرير مصيره" (القرار رقم 3236 بتاريخ 22 تشرين الثاني/نوفمبر1974) ومنح منظمة التحرير الفلسطينية مركز المراقب "خلال الجلسات وعمل الجمعية العامة" (القرار رقم 3237 بتاريخ 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1974.

العدوان على لبنان  عام 1978  "عملية الليطاني"

عند الواحدة والربع منتصف يوم 14-15 آذار 1978، بدأت "عملية الليطاني" بعدوان شارك فيه ما يقارب الثلاثين ألف جندي وضابط إسرائيلي اجتاحوا أكثر من 150 بلدة وقرية لبنانية في اقضية: بنت جبيل، مرجعيون، حاصبيا، صور، النبطية، فدمرت ست قرى تدميراً كاملاً بينها بلدة الخيام.

أهداف العدوان الإسرائيلي المُعلنة هي:

1-طرد الفدائيين الفلسطينيّين،بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، بعيداً عن الحدود مع إسرائيل.
2- تعزيز حليف إسرائيل في ذلك الوقت، جيش لبنان الجنوبي.
 3-السيطرة على منابع المياه الوفيرة بالمياه في الجنوب اللبناني. 

نجحت العملية عسكرياً، حيث انسحبت قوات منظمة التحرير الفلسطينية شمال نهر الليطاني.   وقد أدت اعتراضات الحكومة اللبنانية إلى تكوين قوة حفظ سلام في جنوب لبنان (اليونيفيل) مع انسحاب إسرائيلي جزئي.

خلفية

مع أن عدوان "عملية الليطاني" أخذت شكل هجومِ عسكري إسرائيليِ على جنوب لبنان، فقد كانت في إطار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الطويلِ.  

بدءً مِن عام 1968 أسّست منظمة التحرير الفلسطينية وجماعات فلسطينية أخرى قواعد عسكرية  في جنوب لبنان ،خاصة بعد الخروج من الأردن، وتدفّق 3000 فدائي من منظمة التحرير الفلسطينية خرجوا من الأردن بعد أحداث (أيلول) ليَتجمّعوا ثانية في جنوب لبنان، حيث مارست منظمة التحرير العمل الفدائي ضد الاحتلال الإسرائيلي من خلال القواعد العسكرية على الأراضي اللبنانية. وكان عددا من بلدات الجنوب (كفرشوبا مثلًا) مقرًا لأعضاء القيادات، وقامت  إسرائيل بهجمات مدمرة ضد القرى اللبنانية وقواعد منظمة التحرير الفلسطينية.  

أحداث بارزة  سَبقت عدوان عملية الليطاني 1978:

- في 26 ديسمبر/كانون الأول 1968 سافر مُسلَّحان فلسطينيّان مِن بيروت إلى أثينا، وهاجما طائرة لشركة العال الإسرائيلية في عمليّة فدائيّة هناك؛ ما أدى إلى مقتل شخص واحد.  

- في 28 ديسمبر/كانون الأول 1968، قام جيش الاحتلال الإسرائيلي بغارة بالقنابل دمُّرت 13 طائرة مدنية في مطار بيروت الدولي.

- في 10 أبريل/نيسان 1973 قام مغاوير (كوماندوز) إسرائيليون (كان من بينهم إيهود باراك الذي نفًّذ العملية متنكراً في زي امرأة) بقتل ثلاثة من زعماء منظمة التحرير الفلسطينية (يوسف النجُّار وكمال عدوان وكمال ناصر) في بيروت (عملية فردان).

- في 11-4-1974 اقتحمت مجموعة من مقاتلي "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين– القيادة العامة"  مستعمرة كريات شمونة شمالي فلسطين، وسيطرت على مدرسة وبناية تتكون من -15- شقة، واحتجزت عدداً من الرهان الإسرائيليين بعد معركة مع قوة إسرائيلية.  وتقدم الفدائيون بطلب الإفراج عن مائة من الأسرى الفدائيين المعتقلين في السجون الإسرائيلية، ومن بينهم الفدائي الياباني كوزو أوكاموتوا المحكوم عليه بالسجن المؤبد والمشارك في عملية "مطار اللد" عام 1972.  ورفضت سلطات الاحتلال الإسرائيلية مطالب الفدائيين، وعززت قواتها في المستعمرة، ثم شنّت هجوماً على المبنى الذي يحتجز فيه الرهائن. وجرت معركة عنيفة بين مقاتلي الوحدة الانتحارية وقوات الاحتلال؛ لذا نفذّ الفدائيون إنذارهم وقاموا بتفجير المبنى بعد أن زرعوا العبوات الناسفة في أماكن مختلفة منه.  وأسفرت العملية عن استشهاد الفدائيين الثلاثة ومقتل -18- إسرائيلياً وجرح -15- آخرين إضافة إلى الخسائر المادية.

- في 15 مايو/أيار 1974 تسلل أعضاء مِن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في عمليّة فدائيّة إلى بلدة معالوت الحدودية الإسرائيلية مِن لبنان المقامة على أراضي بلدة ترشيحا، وقتلوا خمسة قبل أن يقتلهم جيش الاحتلال الإسرائيلي في ترشيحا.

- في ليلة 4 مارس/آذار 1975، أبحر ثمانية مُسلَّحين مِن حركة فتح مِن لبنان إلى تل أبيب بَحراً في عمليّة فدائيّة في زورق مطاطي، ودَخلوا فندقَ سافوي واحتجزوا عشرات الرهائنِ؛ وأثناء مهمّة الإنقاذ قُتِل ثلاثة جنود من جيش الاحتلال الإسرائيلي وجُرَح ثمانية رهائن؛ ثم تَراجع رجال منظمة التحرير الفلسطينية المُسلَّحون إلى غرفة وحاولوا تَفجير أنفسهم، فقتلوا ثمانية رهائن وجرح 11، بالإضافة إلى استشهاد السبعة مِن فدائيي منظمة التحرير الفلسطينية المُسلَّحين.

- في 11 مارس/آذار 1978؛ قام 11 من أعضاء حركة فتح بقيادة الشهيدة  دلال مغربي البالغة من العمر 18 عاماً مِن لبنان في عمليّة فدائيّة سيطروا خلالها على حافلة على الطريق الساحلي قُرب حيفا؛ وفي الطريق إلى تل أبيب استولوا على حافلة ثانية.  وبعد مطاردة طويلة وإطلاق نار، قتل 37 إسرائيليًا وجُرَح 76.   ويعتقد أن هذا هو السبب المباشر للغزو الإسرائيلي بعد ثلاثة أيام.

 العدوان والقتال:

في 14 آذار 1978، بدأت إسرائيل عدوانها "عملية الليطاني"، مُحتلُّة منطقةَ جنوب نهرِ الليطاني، باستثناء صور، بأكثر من 30000 جندي.  
أثناء الهجوم الذي استمر لمدة 7 أيام، احتل جيش الاحتلال الإسرائيلي أولاً حزامًا من الأرض بعمق 10 كيلومترات تقريباً؛ لكنه تَوسّع لاحقاً شمالاً إلى نهر الليطاني.   وقد قدَّرت الحكومة اللبنانية أن حوالي 285000 لبناني قد أصبحوا لاجئين.   وقد استشهد 1100-2000 لبناني، كُلهمّ تقريباً من المدنيين.

نتيجة الحرب

رداً على الغزو؛ أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 425 والقرار رقم 426 داعياً إلى انسحاب القوّات الإسرائيلية مِن لبنان. وشُكِّلَت قوة فصل للأُمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل) لفَرض هذا القرار ولتُعيد السلام والسيادة إلى لبنان.   ووَصلت قوات اليونيفيل إلى لبنان في 23 آذارِ 1978، لتتخذ مقراً في الناقورة.

انسحبت قوات الاحتلال الإسرائيلية لاحقاً في 1978، وسلّمت مواقعها داخل لبنان إلى حليفتها (ميليشيات جيش لبنان الجنوبي بزعامة الرائد سعد حداد).  
 
قرارات الأمم المتحدة: على ضوء العدوان (الليطاني عام 1978)

- القرار(12/7) (الدورة الاستثنائية الطارئة السابعة) بتاريخ 1980/7/29: حول مطالبة إسرائيل بالبدء في الانسحاب قبل 1980/11/15 من جميع الأراضي العربية المحتلة منذ حزيران 1967.

- القرار(13/35) تاريخ 1980/11/3: حول تأييد مساعدة اللاجئين الفلسطينيين، وتمديد انتداب وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى حتى 1984/6/30، والطلب من إسرائيل اتخاذ خطوات فورية لإعادة السكان النازحين.

- القرار(110/35) تاريخ 1980/12/5: حول تأكيد حق الدول والشعوب العربية الواقعة أراضيها تحت الاحتلال الإسرائيلي في السيادة الكاملة الدائمة على مواردها الطبيعية.

- القرار( 122/35) بتاريخ 1980/12/11: حول إدانة إسرائيل لفرضها تشريعاً ينطوي على إحداث تغييرات في طابع ومركز الجولان العربي السوري.

- القرار( 207/35) بتاريخ 1980/12/16: حول إدانة العدوان الإسرائيلي على لبنان والشعب الفلسطيني بشدة، والتأكيد من جديد على الرفض الشديد لقرار إسرائيل ضم الجولان والقدس العربية.

- القرار( 266/36)  بتاريخ 1981/12/17: حول اعتبار الاتفاقيات المعقودة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بشأن التعاون الاستراتيجي، والتي وقعت في 1981/11/30- تشجيعاً لسياسة إسرائيل العدوانية في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس، وتهديداً لأمن المنطقة.

-  القرار( 147/36) بتاريخ 1980/12/16: حول إدانة السياسة الإسرائيلية ضد الطلبة وأعضاء هيئات التدريس الفلسطينية في المدارس والمؤسسات التعليمية الأخرى في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبوجه خاص سياسة إطلاق النار على الطلبة العزل، والإدانة الشديدة لإسرائيل لمحاولاتها وتدابيرها الرامية إلى فرض الجنسية الإسرائيلية بصورة قسرية على المواطنين السوريين في الجولان المحتل.

- القرار( 146/36 ) بتاريخ 1981/12/16: حول السكان اللاجئين النازحين منذ عام 1967 وحقهم غير القابل للتصرف، في العودة إلى ديارهم.

- القرار(173/36) بتاريخ 1981/12/17: حول التأكيد أن جميع التدابير التي اتخذتها إسرائيل لاستغلال الموارد البشرية والطبيعية والثروات والأنشطة الاقتصادية في الأراضي العربية المحتلة- هي تدابير غير شرعية، ومطالبة إسرائيل بأن تضع حداً نهائياً وفورياً لجميع تلك الإجراءات.

- قرار الدورة الطارئة التاسعة بتاريخ 1982/2/5: حول قرار المقاطعة الكاملة لإسرائيل واستنكار الفيتو الأمريكي نتيجة قرار إسرائيل بفرض قوانينها وإداراتها وقضائها على الجولان السوري المحتل؛ والذي يعد هذا عملًا عدوانيًا باطلًا، ويدعو الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى مقاطعة إسرائيل سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ودبلوماسياً، ويستنكر بشدة الفيتو الأمريكي ضد قرار مجلس الأمن بهذا الخصوص.

مشروع السلام السعودي
"مشروع الأمير فهد"

من خلال حديث أدلى به الأمير فهد بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي يوم 7/8/1981 لوكالة الأنباء السعودية طرح ثمانية مبادئ قال أنه يمكن الاسترشاد بها للوصول إلى تسوية عادلة لازمة الشرق الأوسط هذه المبادئ هي:

1- انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية التي احتلت عام 1967 بما فيها القدس العربية.
 2- إزالة المستعمرات التي أقامتها إسرائيل على الأراضي العربية المحتلة بعد عام 1967.
 3- ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية لجميع الأديان في الأماكن المقدسة.
 4- تأكيد حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى وطنه وتعويض من لا يرغب في العودة.
 5- تخضع الضفة الغربية وقطاع غزة لفترة انتقالية تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة ولمدة لا تزيد عن بضعة أشهر.
 6- قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس.
 7- تأكيد حق دول المنطقة في العيش بسلام.
 8- تقوم هيئة الأمم المتحدة أو بعض الدول الأعضاء فيها بضمان تنفيذ تلك المبادئ.
 وقد عرفت هذه المبادئ فيما بعد بـ(مشروع فهد للسلام) والذي أعلن في مؤتمر القمة العربية الذي عقد في مدينة فاس المغربية عام 1982 ، لكن القمة لم تتبناه.
 
ردود الأفعال على مشروع فهد للسلام

 تفاوتت ردود أفعال الأقطار العربية على مبادرة فهد للسلام بين مؤيد لها ومشكك فيها ومنتظر إلى حين وهناك من رفضها وأدانها:

مواقف الدول العربية: بالنسبة لأقطار مجلس التعاون الخليجي والذي يضم إلى جانب المملكة العربية السعودية، كل من الكويت وقطر والبحرين والإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان، فكانت من أوائل البلدان المرحبة بالمبادرة وأكدت موافقتها عليها في القمة الخليجية الثانية.
 ومن البلدان المؤيدة للمشروع كل من الأردن ومصر والسودان والتي أكدت على أن الأمر متروك للفلسطينيين وان ما يرضي الفلسطينيين يرضي السودان، كذلك من الأقطار المؤيدة للمشروع : جيبوتي، والصومال، والمغرب، وتونس التي دعت إلى تعديل الفقرات التي تعترض عليها باقي الأقطار العربية حتى يحصل المشروع على إجماع عربي.
أما سوريا واليمن الجنوبي والجزائر وليبيا فقد رفضت المبادرة، في حين صرح العراق بأنه مع الإجماع العربي في قمة فاس أيا كان هذا الإجماع غير أن العراق قد أعلن على لسان وزير خارجيته سعدون حمادي عدم الموافقة على المشروع لاعتبارات مبدئية وان العراق ضد أي قرار يتضمن الاعتراف بإسرائيل.

الموقف الفلسطيني: 

 فقد أعلن عنه فاروق القدومي رئيس الإدارة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية رفض المنظمة لأي قرار يعترف بإسرائيل سواء كان في مؤتمر وزراء الخارجية العرب أو في مؤتمر القمة العربية، أعلن فاروق القدومي ذلك قائلًا: "إن الظروف غير مناسبة لحل سلمي، وإن الفلسطينيين يرفضون النقطة السابعة في المشروع رفضًا قاطعًا".

موقف إسرائيل:

كان  الموقف الإسرائيلي بشكل عام رافضاً للمشروع السعودي واعتبرته خطراً عليها، من خلال تصريح لمناحيم بيغن، وأصدرت وزارة الخارجية الإسرائيلية بيانًا جاء فيه: "إن إسرائيل ترى في الاقتراح السعودي خطة لتدميرها على مراحل؛ وبموجب هذا الاقتراح، فإن الاعتراف بإسرائيل تبعاً لذلك ليس سوى وهم؛ وإن هذه الخطة تناقض اتفاقية "كامب ديفيد". فيما رأت المعارضة الإسرائيلية في المشروع عنصراً ايجابياً ونقطة تحول في السياسة السعودية.

موقف الولايات المتحدة الأمريكية:  لم تبد الولايات المتحدة الأمريكية اهتماماً يذكر بالمشروع ولكن بعد فترة أصبحت تتحدث عن النقاط الايجابية التي يحتويها المشروع، بالاستعداد للاعتراف بإسرائيل في الوجود، وان تعيش مع جيرانها بسلام، فأعلن الرئيس الأمريكي رونالد ريجان أن خطة فهد يمكن أن تكون خطوة جديدة ومفيدة من أجل التوصل إلى سلام دائم فى الشرق الأوسط بين العرب وإسرائيل وأن أهم جزء فى هذه الخطة هو اعترافها بإسرائيل كدولة تجرى معها مفاوضات وقال ألكسندر هيغ وزير الخارجية الأمريكي أن خطة فهد ذات النقاط الثمانى تنطوى على بعض المظاهر المشجعة ومن بينها الاعتراف الضمنى الصريح للغاية بحق إسرائيل فى الوجود، وبدأ الموقف الأمريكي أكثر وضوحاً عندما حددت النقاط المرفوضة في المشروع في تصريحات لاحقة.

الموقف السوفيتي: 

 وقالت مصادر فلسطينية أن الرئيس السوفيتي ليون يد بري جينيف وصف المشروع السعودي يشكل أساساً لقاعدة الحل السلمي لازمة الشرق الأوسط وان رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات قد أطلع خلال زيارته لموسكو على وجهة نظر القادة السوفيت حول المشروع العربي.

موقف أوربا الغربية: فقد رحبت أوربا الغربية بالمشروع ولكن على طريقتها الخاصة التي ترضي الحق العربي، ولا تغضب إسرائيل ولعل مقولة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران في مطار الرياض (بأن الصداقة التي مع العرب لا تقلل من صداقته لإسرائيل) يمثل موقف المجبر على التوازن بين الأعداء والأصدقاء.

 كما أعرب وزراء خارجية دول السوق الأوربية المشتركة خلال اجتماعهم في لندن 13/10/1981 عن تأييدهم لمبادرة الأمير فهد وأعلن وزير خارجية بريطانيا رئيس مجلس المجموعة الأوربية انه سيقوم بزيارة للمملكة العربية السعودية لإجراء مباحثات حول المقترحات السعودية الخاصة بتحقيق السلام في الشرق الأوسط. وفي تشرين الثاني/نوفبر 1981 وخلال زيارته للرياض وعلى الرغم من أنه أعلن أن له تحفظات على البند الخامس من المشروع السعودي وهو البند المتعلق باعتبار القدس عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة، إلا أن بانتظار معرفة موقف القمة العربية من مقترحات السلام السعودية.

سحب المبادرة.  

قامت السعودية بسحب مشروعها في قمة فاس في نوفمبر 1981؛ وذلك إثر الضغوط التي مورست عليها؛ حيث قال الناطق الرسمي وقتها: "نظراً لإيمان المملكة التام بأن أي استراتيجية عربية يجب أن تحظى بالتأييد الجماعي لكي تستطيع دفع الموقف العربي إلى الأمام؛ فقد قام الوفد السعودي بسحب المشروع مؤكداً لمؤتمر القمة أن المملكة العربية السعودية على استعداد تام لأن تقبل أي بديل يجمع عليه العرب.

العدوان على لبنان( 1982) (أطلقت عليه إسرائيل “سلامة الجليل”)

عدوان  لبنان 1982 ويسمى أيضا بـ"حرب لبنان" أو ما أطلقت عليه إسرائيل اسم ”عملية سلامة الجليل" و"عملية الصنوبر".

كان هذا العدوان حربًا عصفت بلبنان، وأصبحت الأراضي اللبنانية مرة أخرى ساحة قتال بين منظمة التحرير الفلسطينية وسوريا وإسرائيل.

زجت إسرائيل إلى لبنان ضعف عدد القوات التي واجهت بها مصر وسوريا في حرب أكتوبر، بالرغم من أن العدوان  الإسرائيلي الذي بدأ يوم 6 حزيران 1982 لم يكن أمرًا غير متوقعا؛ ولكن شدة المعارك والفترة الزمنية التي استغرقتها لم تكن في حسبان أي من الأطراف المتنازعة.  وكان الغزو اختبارًا عصيبًا للمؤسسات السياسية والحكومية المنهكة في لبنان.

بداية عام 1982 كانت بداية كالسنوات التي سبقتها منذ عام 1975؛ فلم تكن هناك في الأفق بوادر نهاية قريبة للحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت قبل 6 أعوام؛ وكان هناك صراع مستمر بين كتلة اليسار اللبناني المسلم والمقاتلين الفلسطينيين ومنظمة التحرير الفلسطينية والحزب التقدمي الاشتراكي من جهة- واللبنانيين المسيحيين وحزب الكتائب اللبنانية وإسرائيل من جهة أخرى، واستمرت خلال النصف الأول من عام 1982 صراعات عنيفة بين هذه الأطراف.

أحداث سبقت العدوان:

سبق غزو لبنان 1982 تصاعد للقلق الإسرائيلي من تجمع قوات منظمة التحرير الفلسطينية في جنوب لبنان منذ وقف إطلاق النار الذي تم إبرامه في تموز 1981 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية بوساطة المبعوث الأمريكي فيليب حبيب؛ واعتبرت إسرائيل تجمع أعضاء منظمة التحرير في الجنوب اللبناني تهديداً لأمن حدودها الشمالية.

وفي 21 نيسان1982 قصف سلاح الجو الإسرائيلي موقعًا لمنظمة التحرير في جنوب لبنان، وفي 9 أيار/مايو 1982 قصفت منظمة التحرير الفلسطينية بالصواريخ  شمال إسرائيل؛ ردًّا على ذلك؛ وتلا هذا القصف المتبادل محاولة لاغتيال سفير إسرائيل في بريطانيا (شلومو آرجوف) في 3 حزيران 1982؛  فقامت إسرائيل، بقصف منشآت ومواقع تابعة لمنظمة التحرير في قلب بيروت.   ومن الجدير بالذكر أن منفذي محاولة اغتيال شلومو أرجوف كانوا من جماعة أبو نضال المناهضة لياسر عرفات، والتي كانت تعرف باسم "فتح-المجلس الثوري" (توفي شلومو أرغوف عام 2003).  

في اليوم التالي لمحاولة الاغتيال والقصف الإسرائيلي لبيروت؛ قامت منظمة التحرير بقصف شمال إسرائيل مرة أخرى؛ وقتل في هذا القصف إسرائيلي واحد.

 في 5 - 6 حزيران 1982 بدأت إسرائيل حملة قصف جوي ومدفعي كثيف على صيدا والنبطية والدامور وتبنين وعرنون وقلعة شقيف؛ ودخل الجيش الإسرائيلي الأراضي اللبنانية في 6 حزيران 1982 مجتازًا المواقع التي كان يشغلها 7000 جندي تابعين لقوات الأمم المتحدة بكل سهولة.

الأهداف والدعم الأمريكي

قدم رونالد ريغان (الرئيس الأمريكي وقتها) الغطاء لإسرائيل في هجومها؛ حيث أعطى لإسرائيل الضوء الأخضر لتدمير منظمة التحرير، وأكدت إسرائيل للأمريكيين أنها ستدخل لبنان لمسافة لا تتجاوز 30 كيلومترا لتحقيق أمنها والدفاع عن نفسها.   وكان ريغان لا يمانع في القيام بعملية سريعة تكون بمثابة درس قوي لمنظمة التحرير الفلسطينية ولسوريا حليفة الاتحاد السوفيتي الشيوعية؛ حيث صرح دافيد كمحي بأنه لم يكن لدى واشنطن مقاومة قوية لخطط أرئيل شارون، وأن الولايات المتحدة لم تستطع منع إسرائيل من الهجوم.   وفي مقالة في واشنطن بوست مع شارون قال هيج: إننا نفهم أهدافكم، ولا نستطيع أن نقول لكم لا تدافعوا عن مصالحكم.   وقام وزير الخارجية الأمريكي (الجنرال الكسندر هيغ) بإخبار شارون عن الحاجة إلى استفزاز واضح كذريعة للعدوان يعترف بها العالم؛ بهدف شنّ الهجوم.   ويرى البعض أن عملية أبو نضال في محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن جاءت في اللحظة المناسبة تماما بصورة غريبة، وشكلت ذريعة إسرائيلية للهجوم على المقاومة في لبنان. 

قاد العمليات الإسرائيلية أرئيل شارون (وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت) في الحكومة التي رأسها مناحيم بيغين، وأعلن وقتها أن السبب هو دفع منظمة التحرير الفلسطينية وصواريخ الكاتيوشا إلى مسافة 40 كيلومترًا عن حدود إسرائيل. 


تعدلت الأهداف لاحقًا؛ حيث أعلن الناطق الرسمي للحكومة الإسرائيلية (آفي بارنز) أن أهداف إسرائيل هي:

• إجلاء كل القوات الغريبة عن لبنان، ومن ضمنها الجيش السوري. 
• تدمير منظمة التحرير الفلسطينية. 
• مساعدة القوات اللبنانية على السيطرة على بيروت، وتنصيبها كحكومة لبنانية تملك سلطة وسيادة على كامل التراب اللبناني. 
• توقيع اتفاقية سلام مع الحكومة اللبنانية؛ لضمان أمن المستوطنات الإسرائيلية الشمالية.

المقاتلون الفلسطينيون:

كان معظم المقاتلين الفلسطينيين مسلحين تسليحا خفيفًا؛ ما جعلهم يستعملون أسلوب المقاومة وحرب العصابات.

بيروت المحاصرة

تفاجأ ياسر عرفات بوصول برقية من الجنوب تنبئ بأن القوات الإسرائيلية تعدت صور شمالا؛ وبسرعة جورج حاوي نقل عن عرفات قوله: ده مش ممكن، لا، مستحيل، واتصل مع الحاج إسماعيل ليستفهم منه عن الأوضاع؛ إلا أن الحاج إسماعيل كان منشغلاً بإخراج القوات من صيدا بسبب محاصرة الإسرائيليين لها.  

تفاجأ الجميع بحجم الاجتياح، بالرغم من أن بشير الجميل كان قد أكد في أكثر من مرة أن القوات الإسرائيلية قادمة.( يعزى ذلك التوقع في تفاجأ أبو عمار ، إلى خطاب ريغان الذي أكد أن الاجتياح  سيكون محدودًا بثلاثين كيلومترًا.)

تشكل في 14 يونيو 1982 ما عرف باسم "القيادة المشتركة للقوات الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية" أو "هيئة الإنقاذ الوطني في بيروت" بدعوة من الرئيس اللبناني (الياس سركيس) ضمت زعماء الطوائف الرئيسية في لبنان وكتيبتين سوريتين استمرتا في القتال،  على الرغم من توقيع سوريا اتفاقية الهدنة.   وكان هدف هيئة الإنقاذ هو منع تفاقم أزمة المواجهة المسلحة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية؛ ولكن وبصورة تدريجية أصبحت هيئة الإنقاذ هذه عاجزة عن إنجاز أي نتيجة ملموسة؛ وبعد 9 أيام من تشكيلها انسحب وليد جنبلاط منها واصفا إياها "بهيئة دفن القتلى".

مع اقتراب نهاية فترة حكم الرئيس اللبناني الياس سركيس؛ تم تنظيم انتخابات رئاسية في بيروت، وقام البرلمان اللبناني في 23 أغسطس 1982 بانتخاب بشير الجميل رئيسًا بإجماع 57 صوتًا وامتناع 5 عن التصويت، وعدم اشتراك أغلبية الكتلة المسلمة في البرلمان الذي اعتبر الجميل حليفًا لإسرائيل؛ وقبل 9 أيام من تسلم الجميل مهامه الرئاسية وفي 14 سبتمبر 1982؛ تم اغتياله بقنبلة موقوتة؛ وبعد أسبوع وفي 21 سبتمبر 1982؛ انتخب البرلمان اللبناني شقيقه (أمين الجميل) رئيسًا الذي قام بتوجيه دعوة إلى زعيم الكتلة المسلمة ورئيس الوزراء شفيق الوزان (1925 - 1999) بالبقاء في منصبه كرئيس للوزراء؛ في محاولة من الجميل لتضييق الفجوة وتوحيد الصفوف.  وعلى الصعيد الاقتصادي؛ انخفضت قيمة الليرة اللبنانية إلى مستويات متدنية، وظهرت بوادر عجز الحكومة اللبنانية في فرض الضرائب، ووصلت نسبة التضخم إلى مابين 20% و30%؛ وتم تدمير البنية التحتية في لبنان بشكل واسع النطاق. 

وفي 13 يونيو قامت القوات الإسرائيلية ومليشيا بشير الجميل بمحاصرة بيروت، حتى 28 أغسطس.  وطوال فترة الحصار؛ قامت القوات الإسرائيلية بقصف بيروت من البر باستعمال المدفعية ومن الجو والبحر؛ ما أدى إلى تسوية معظم المدينة بالأرض، وقتل أكثر من 30000 مدني لبناني، وإصابة أكثر من 40000 شخص، ونزوح أكثر من نصف مليون شخص عن بيروت؛ وفي فترة الست وسبعين يومًا استمرت إسرائيل بمنع المعونات الدولية والإنسانية عن بيروت.   وصرحت إسرائيل أن مسؤولية الوفيات والدمار الذي أصاب البنية التحتية والخسائر البشرية هو استعمال منظمة التحرير الفلسطينية المدنيين كدروع بشرية، واستعمال منازل المدنيين كمعاقل للقتال؛ ما اضطرها (إسرائيل) مرغمة على القصف لتدمير البنية التحتية التي يمكن أن يستعملها المقاتلون (المخربون حسب تعبير إسرائيل).  

استعملت إسرائيل في هجومها على بيروت أسلحة محرمة دوليًا، بدءًا من القنابل العنقودية والفسفورية، ومرورًا بالنابالم وألعاب الأطفال المفخخة، وانتهاء بقنابل بخار الوقود.   وأعاد كل من رونالد ريغان وهنري كسنجر التأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.   وتم منع جميع المبادرات التي قدمت لإيقاف القتال.  وانتهى الحصار بمسح كامل لثلث بيروت من الخارطة.

الجيش اللبناني:

لم يتدخل في الصراع نهائيًا وبقي على الحياد.  

الجيش السوري:

لم تدخل القوات السورية القتال إلى أن قام سلاح الجو الإسرائيلي بقصف 14 بطارية للصواريخ من طراز سام 2، 3، 6 روسية الصنع، من أصل 19 بطارية كانت سوريا قد نصبتها في لبنان، ولحقت أضرار بأربع بطاريات أخرى؛ على أثر ذلك تم صدام في الجو بين ما يقارب 200 طائرة سورية، وما يقاربها من الإسرائيلية، وتم تدمير قرابة 40 طائرة سورية في يوم واحد؛ ما أمن السيطرة الجوية لإسرائيل بعد معركتين أرضيتين سريعتين، وقامت سوريا بتوقيع هدنة في يوم 11 يونيو معلنة توقفها عن القتال.

 نتائج العدوان:

قدم رونالد ريغان ضماناً شخصياً للمقاتلين الفلسطينيين بالحفاظ على أمن عائلاتهم إذا ما غادروا إلى تونس، واضطرت إسرائيل إلى الموافقة على خروج المقاتلين تحت حماية دولية مكونة من 800 جندي مارينز أمريكي، و800 جندي فرنسي و400 جندي إيطالي. غادر 14,614 مقاتلًا فلسطينيًا بيروت إلى تونس تحت الحماية الدولية.

 على الجانب الآخر قُتل في الفترة ما بين 5 يونيو 1982 وحتى 31 مايو 1985 1,216 جندي إسرائيلي. على الصعيد السياسي، أوفت إسرائيل بوعودها وبضغط أمريكي لبشير الجميل حيث أصبح رئيسًا للبنان إلا أنه في 14 سبتمبر تم اغتياله هو و25 من طاقمه بتفجير ضخم استهدف مقره.

تغيرت الخريطة السياسية اللبنانية بصورة جذرية بعد الغزو الإسرائيلي؛ فبالرغم من أن الميليشيات المسيحية اللبنانية لم تشترك فعليا في القتال إلى جانب الجيش الإسرائيلي؛ إلا أنها انتشرت وهيمنت على المناطق التي كانت تحت سيطرة إسرائيل، وخاصة في الجنوب اللبناني الذي هيمنت عليه حزب الكتائب اللبنانية.

 وقامت إسرائيل أثناء الغزو بنزع سلاح المجموعات الدرزية التي كانت في صراع مسلح مع حزب الكتائب.
عمل حزب الكتائب اللبنانية بقيادة بشير الجميل جاهدا على نزع سلاح الفلسطينيين في سائر أنحاء لبنان.
تمكنت حركة فتح من أسر ستة جنود إسرائيليين، تمت مبادلتهم لاحقًا بخمسة آلاف معتقل لبناني وفلسطيني تم احتجازهم في معتقل أنصار في جنوب لبنان.

استناداً إلى أرقام وزارة الخارجية الأمريكية توزع مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية على الشكل التالي:
970  مقاتلًا إلى تونس.  
261  مقاتلًا إلى الأردن.  
136  مقاتلًا إلى العراق.  
1، 93مقاتلًا إلى اليمن الجنوبية
841  مقاتلًا إلى اليمن الشمالية
448  مقاتلًا إلى السودان.  
588  مقاتلًا إلى الجزائر.  
3900 مقاتل إلى سوريا.  

قمة فاس الثانية

في 6 سبتمبر 1982 عاد مجلس الجامعة العربية ليعقد قمته الخامسة عشر الطارئة في فاس، بعد أشهر من الاجتياح الإسرائيلي؛ وشاركت بالقمة 19 دولة عربية، بغياب كل من ليبيا ومصر؛ وتم إقرار مشروع السلام الذي تقدمت به السعودية باعتماد المبادئ التالية:
1. انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967 بما فيها القدس العربية.
2. إزالة المستعمرات التي أقامتها إسرائيل في الأراضي العربية بعد عام 1967.
3. ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية لجميع الأديان في الأماكن المقدسة.
4. تأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وممارسة حقوقه الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ممثله الشرعي والوحيد، وتعويض من لا يرغب في العودة.
5. تخضع الضفة الغربية وقطاع غزة لفترة إنتقالية تحت إشراف الأمم المتحدة، ولمدة لا تزيد على بضعة أشهر.
6. قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس.
7. يضع مجلس الأمن الدولي ضمانات السلام بين جميع دول المنطقة بما فيها الدول الفلسطينية المستقلة.
8. يقوم مجلس الأمن الدولي بضمان تنفيذ تلك المبادئ".


مذبحة صبرا وشاتيلا:

بعد صمود القوات الفلسطينية والقوات الوطنية اللبنانية لمدة شهرين، قام المبعوث الأمريكي فيليب حبيب بالتوسط بين الطرفين، وقد توصل الأطراف إلى اتفاق نص على انسحاب منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت تحت إشراف قوات متعددة الجنسية والتي ستحل مكان قوات المنظمة.

 وقد تضمنت اتفاقية حبيب تسليم بيروت الغربية للجيش اللبناني، وتعهد حبيب باسم دولته ( الإدارة الأمريكية) بضمان سلامة المدنيين الفلسطينيين في المخيمات بعد خروج القوات الفلسطينية منها. انتهت عملية إخراج عناصر منظمة التحرير من بيروت في 1 أيلول 1982 .

في 10 أيلول 1982 تركت القوات متعددة الجنسية بيروت، في اليوم التالي أعلن شارون أن" 2000 إرهابي قد بقوا في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في منطقة بيروت."

في يوم الأربعاء 15 أيلول، اليوم الذي تلا اغتيال الرئيس بشير جميل، قامت القوات الإسرائيلية باحتلال بيروت الغربية ومحاصرة مخيمات صبرا وشاتيلا، بعد أن اخرج جميع أعضاء المقاومة المسلحة وتعدادهم تقريبا 14000 مقاتل من بيروت وضواحيها، والذين كانوا يضمنون امن وأمان أهالي المخيمات.

يتفق المؤرخون والصحفيون أن الاتفاق بين القيادة العسكرية الإسرائيلية وحزب الكتائب اللبناني لتنظيف المخيمات الفلسطينية تم في اجتماع بين ارئيل شارون وبشير الجميل في بكفيه بتاريخ 12 أيلول.

صرح شارون في 9 أيلول انه كان ينوي إدخال قوات الكتائب إلى بيروت الغربية، ويؤكد في كتاب مذكراته انه ناقش العملية مع الجميل في اجتماع بكفيه.

في تصريحاته للكنيست بتاريخ 22 أيلول 1982، صرح شارون أن قرار دخول الكتائب للمخيمات تم يوم الأربعاء 15 أيلول 1982 في الساعة الثالثة والنصف عصرا. صرح شارون أيضا للجنة كاهان الإسرائيلية التي قامت بتقصي حقائق المجزرة انه قد اصدر القرار التالي للقيادة العسكرية الإسرائيلية  " يمنع على الجيش الإسرائيلي دخول المخيمات؛ لأن الكتائب والقوات اللبنانية ستقوم بعملية تنظيف المخيمات."
عندما حل فجر يوم 15 أيلول 1982، حلقت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي على ارتفاعات منخفضة في سماء بيروت الغربية، وقد أعلنت القوات الإسرائيلية دخولها المنطقة وإحكام السيطرة عليها.

بدءا من الساعة التاسعة صباحا تواجد الجنرال شارون شخصيا لإدارة العملية وتوجيه القوات الإسرائيلية. وقد كان متمركزا في المنطقة العسكرية على مفرق السفارة الكويتية على حواف مخيم شاتيلا في الطابق السادس من عمارة مطلة على مخيمي صبرا وشاتيلا المجاورين.

عندما حل منتصف النهار، كان المخيمان محاصرين تماما من قبل القوات الإسرائيلية بجنودها ودباباتها والتي وضعت الحواجز لمراقبة كل من يدخل ويخرج من منطقة المخيمات، ومع بداية عصر اليوم قامت القوات الإسرائيلية بقصف المخيمات بمدفعيتها.

في 16 أيلول 1982، كان الجيش الإسرائيلي مسيطرا على بيروت الغربية بالكامل، اصدر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بيانا صحفيا أعلن فيه أن " الجيش الإسرائيلي يسيطر على جميع النقاط الإستراتيجية في بيروت وان مخيمات اللاجئين المليئة بالإرهابيين محاصرة."

في ساعات الصباح قامت عناصر الجيش الإسرائيلي بالقصف المدفعي للمخيمات من مناطق مرتفعة محيطة بها، وقام القناصة الإسرائيليون بقنص من تواجد في شوارع المخيم.

في منتصف النهار سمحت القيادة العسكرية الإسرائيلية لقوات الكتائب أن تدخل المخيمات. في الساعة الخامسة مساء دخل ما يقارب 150 عنصر مسلح من حزب الكتائب اللبناني إلى مخيم شاتيلا من الجنوب والجنوب الغربي.

عندما دخلت قوات الكتائب، اتصل الجنرال دروري بآرئيل شارون واخبره " ان أصدقاءنا يتقدمون في المخيمات، بعدما رتبنا لهم دخولهم." فرد عليه شارون: " مبروك! عملية أصدقائنا موافق عليها ".

في الأربعين ساعة التي تلت، قام عناصر الكتائب باغتصاب وقتل وجرح عدد كبير من المدنيين اغلبهم من الأطفال والنساء وكبار السن المحاصرين في المخيمات.

ترافقت هذه الجرائم مع عمليات اختطاف جماعية دعمتها القوات الإسرائيلية والتي أدت إلى اختفاء العشرات والذين لا يزالون في عداد المفقودين.

كانت قيادة الجيش الإسرائيلي على اطلاع كامل بما يجري داخل المخيمات حتى صباح يوم السبت 18 أيلول 1982. وكان الضباط المسؤولون يتواصلون بشكل مستمر مع قيادة ميليشيا الكتائب الذين ارتكبوا المجزرة، لكنهم لم يتدخلوا لإيقافها؛ بل على العكس تماما فقد منعوا المدنين من الهروب من المخيمات وساعدوا قوات الكتائب بإضاءة السماء لهم خلال ساعات الليل والصباح الباكر من خلال الانارات العسكرية.

تقديرات عدد ضحايا المجزرة تترواح ما بين 700 (حسب التقرير الرسمي الإسرائيلي)، و3500 حسب تقديرات توصل لها تحقيق الصحفي الإسرائيلي " آمنون كابليوك " .

يصعب معرفة عدد الضحايا بدقة لأن هناك 100 شخص تقريبا  تم دفنهم في قبور جماعية من قبل الصليب الأحمر في مقابر بيروت من قبل أهاليهم، ولان هناك عددا كبيرا من الجثث التي دفنت تحت ركام البيوت المهدومة من قبل ميليشيا الكتائب أنفسهم، هذا بالإضافة إلى مئات الأشخاص الذين اختطفوا وهم على قيد الحياة إلى أماكن مجهولة ولم يعودوا ولم يعرفهم مصيرهم.
 
لم يقم المجتمع الدولي أو دولة لبنان أو إسرائيل بتحقيق رسمي في تفاصيل المجزرة. بعد أن خرج 400.000 إسرائيلي ليتظاهروا عند سماع خبر المجزرة من مصادر الاعلام الدولية، عينت الكنيست الإسرائيلي لجنة تحقيق تحت إشراف إسحاق كاهانا في أيلول 1982. ورغم تقليص صلاحيات هذه اللجنة التي أخذت طابعا سياسيا وليس قانونيا كونها همشت أصوات الضحايا، توصلت إلى استنتاج مفاده أن وزير الدفاع يتحمل مسؤولية شخصية عن المجزرة.
 
بعد إصرار اللجنة، وعلى اثر المظاهرات الحاشدة، استقال شارون من منصبه كوزير دفاع ولكنه بقي في الحكومة كوزير دون ملف.
رغم الإدانة الفاضحة عما سماه مجلس الأمن بالمجزرة الإجرامية واعتبار مجزرة صبرا وشاتيلا من أفظع جرائم القرن العشرين في الذاكرة الجماعية للإنسانية، الا انه لم يتم محاكمة الرجل الذي وجدته حكومته مسؤول بشكل شخصي عن هذه الجريمة، ولا أولئك الذين شاركوه والذين ارتكبوا المجزرة بشكل مباشر، على جريمتهم.

معارك "القرار الوطني المستقل"

بذور انشقاق "فتح":

إن العلاقة التنظيمية الفكرية لبعض الفصائل الفلسطينية مثل  (منظمة الصاعقة وبعض الشخصيات الوطنية القيادية والقيادة العامة وبعض الشخصيات والمجموعات مع الحزب الحاكم في سوريا (حزب البعث السوري) والنظام في سوريا سياسيًا وأمنيًا- دفع بأن تظل العلاقة ما بين م ت ف وبين النظام السوري ما بين الفتور والقوة؛ أي "علاقة ملتبسة".

إقامة سوريا و"م ت ف" يوم 27/2/1982عام 82 اتفاقًا مثَّل (تحالفًا استراتيجيًا ضد أي عدوان). كانت سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية قد حققتا انجازا هاما بإقامة "التحالف الاستراتيجي السوري- الفلسطيني" وفق تمثل  وفد حركة "فتح" برئاسة أبو إياد، ووفد حزب البعث برئاسة عبد الحليم خدّام؛ حيث تم التوافق على"تعزيز التلاحم السوري- الفلسطيني لمواجهة الخطة الأمريكية التي تستهدف ضرب جبهة الصمود، والقضاء على م.ت.ف عبر ضرب سورية".   ولم تشارك القوات السورية في الحرب وفق ما توقع الفلسطينيون؛ وبالرغم من مشاركة جادة وسقوط مئات الشهداء من الجيش السوري،غير أن سوريا التزمت بوقف إطلاق النار بالرغم من تواصل العدوان وإطلاق النار من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي؛ ما خيب آمال الفلسطينيين.

أدى الموقف السوري إلى ارتياب القيادة الفلسطينية؛ ثم تطور الجفاء إلى خصومة تعززت عندما "أخذت وسائل الإعلام السورية ومنذ وقف إطلاق النار في 25/6/1982 بتجاهل أخبار الحصار ونشاطات قيادة "م.ت.ف"؛ الأمر الذي خلق بدوره أجواءً متوترة على صعيد العلاقات الفلسطينية-السورية".

بالرغم من أن رموز قيادة فتح، مثل أبو إياد، تفهمت مطالب المعرضين من حركة فتح (قبيل الانشقاق)إلا أن قيادة فتح احتجت على الشكل والأسلوب الذي قدمت فيه هذة الانتقدات والمطالب على اعتبار أن هذه الطريقة من عرض المطالب تساهم في إذكاء بذور الخلافات الفتحاوية الفتحاوية في مرحلة الثورة الفلسطينية، التي هي في غنى عن هذه الخلافات وهي "الثورة "في أمس الحاجة إلى الوحدة والتماسك.

وكانت الرموز الموالية لسورية في "فتح" معروفة، وكانت اتصالاتها مع سورية مكشوفة، وكان في مقدمتها الأربعة: نمر صالح (أبو صالح)، وسميح كويك (قدري)، ومحمد سعيد مراغة (أبو موسى)، وأبو خالد العملة.  ولم يكن صعباً على سورية إقناع هذا الاتجاه بموقفها من الحرب، ومفاده أن أحد أهداف إسرائيل من حرب 1982 يتمثل في "إسقاط النظام التقدمي في سورية"، وأن "المحاولات المتكررة لياسر عرفات لتوريط سورية في الحرب يراد منها تحقيق هذا الهدف، وتعبيد الطريق أمام ياسر عرفات وأتباعه للانخراط في عملية التسوية الأمريكية والقضاء على إرادة المواجهة والصمود والتصدي التي تمثلها سورية".

وذكر خليل الوزير (أبو جهاد)، نائب القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية أن "هناك خلافات في وجهات النظر بين م.ت.ف وسورية بشأن بعض المسائل التكتيكية".  ولكنه، في سياق تصريح له نشرته جريدة السفير البيروتية (14/1/1983) "ندّد بالذين يريدون بذر الشقاق بين سورية وم.ت.ف، وألمح إلى وجود تفسيرات مختلفة بين السوريين والفلسطينيين بشأن التحرك السياسي في المنطقة".

وقد ألقى أبو موسى كلمة أمام المجلس المركزي لحركة فتح الذي انعقد في دمشق بتاريخ 17/1/1983؛ حيث تضمنت نقداً صريحاً للقيادة، إضافة إلى عدد من المطالب السياسية منها: وقف الحوار الفلسطيني- الأردني، ووقف الاتصالات مع النظام المصري، ورفض مشروع ريغان، ووقف الاتصالات مع القوى والأحزاب الإسرائيلية التي تتم بمسوغ؛ كونها تقدمية وديمقراطية وترفض الاحتلال.  وبالرغم أن مداخلته نوقشت جديًا غير أن نشرها في كتيب وتعميمها خارج اطر فتح كان بمثابة شرارة تضاف إلى لهيب الانشقاق الذي بدا يتفجر.

وبعد حوارات طويلة من أبو إياد وأبو جهاد وآخرون لرأب الصدع فقد دفعت فتح ثمنًا غاليا نتيجة رحابة الصدر في التعامل مع التسيب والتجاوزات التنظيمية وخاصة التي كان يقودها  نمر صالح؛ ما اضطر الحركة إلى فصل نمر صالح "أبو صالح"من قائمة مندوبي الحركة للدورة السادسة عشرة للمجلس الوطني؛ وذلك لإمعانه في التسيب التنظيمي منذ خروج قوات الثورة من بيروت صيف 1982، وشروعه في التحضير للتمرد في السر والعلن.  وكان نمر صالح يعتز بانحيازه إلى موقف سورية في معادلة الخلافات الفلسطينية-السورية.

وقائع الانشقاق:

في التاسع من أيار- مايو 1983 جاء الإعلان الرسمي للانشقاق على شكل تعميم موقع باسم "القيادة العامة لقوات العاصفة"، وموجه إلى كافة الأجهزة والأقاليم.  وتضمن التعميم عدداً من المسوغات التنظيمية والسياسية التي استوجبت التمرد؛ لأنه "لم يكن هناك سوى هذا الأسلوب من أجل لجم اندفاعة التسوية السياسية داخل قوات العاصفة ولتصحيح مسيرة الثورة على كافة الأصعدة".

 وأعلن في البقاع اللبناني انشقاق حركة "فتح" عملياً ورسمياً من قبل مجموعة من كوادر حركة "فتح" التي رفضت الالتزام بقرار التشكيلات العسكرية الجديدة لإعادة تنظيم القوات وفق متطلبات بنية الجسم العسكري للحركة في إطار قوات الثورة الفلسطينية في مرحلة ما بعد بيروت 1982. 

كانت حركة فتح بعد عام 82 تشهد مراجعات نقدية جادة، ولم يكن إصلاح وضع حركة "فتح" همّ المنشقين  دون غيرهم، ويذكر في هذا السياق مثلاً أن صلاح خلف (أبو إياد)، (عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح") أعرب عن "تأييده للفكرة بقوله: "كل كوادر فتح تريد الإصلاح والتطوير، وكل مطالب مجموعة العقيد أبو موسى، وقدري، وأبو صالح حقيقية وصحيحة، ولكن الأسلوب الذي اختاروه للتعبير عن مطالبهم ليس صحيحاً، وقد يستفيد منه أعداء الثورة الفلسطينية". 

لقيت المطالب التي طرحها المتمردون في معظمها تعاطفاً من أوساط واسعة داخل حركة "فتح" وفصائل العمل الوطني، ومن قطاعات عديدة في المجتمع الفلسطيني؛ ولكن جميع المتعاطفين انتقدوا الأسلوب الذي تم اتباعهُ لتحقيق هذه المطالب، خصوصاً عندما بدأت المجموعة تصعّد في تحركها لتبلغ درجة الانشقاق، وعندما بدؤوا يستخدمون القوة للسيطرة على بعض المواقع العسكرية للحركة في البقاع، وبعض المراكز والمكاتب الحركية في دمشق، حيث أدان المتعاطفون الوسيلة، وتوجسوا خيفة من المصير الذي يمكن أن تؤول إليه الحركة ومنظمة التحرير في هذه الظروف.

تسبّب لجوء المنشقين إلى اعتماد "فتح الانتفاضة" اسماً رسمياً لهم، وإلى استخدام السلاح لحسم الوضع لصالحهم بدءاً من مطلع حزيران - يونيو 1983 في تفجير الخلاف بين قيادة حركة "فتح" والقيادة السورية ومعها القيادة الليبية بسبب دعمهما للانشقاق وتمويله وتسليحه والدفاع عنه. 

وفي سياق المواجهة السياسية والإعلامية بين منظمة التحرير والحكومة السورية اتخذت القيادة السورية بتاريخ 24/6/1983 قراراً بإبعاد ياسر عرفات وخليل الوزير عن أراضيها، واعتبارهما "شخصين غير مرغوب فيهما"؛ الأمر الذي فاقم سوء العلاقات بين الأشقاء، وارتفعت حدة الاتهامات المتبادلة واتسع نطاقها بشكل غير مسبوق.

وبدءاً من أواسط حزيران- يونيو 1983، أخذت الفصائل الفلسطينية تحدد موقفها بصيغة واضحة؛ فحيث هي "تدعم مطالب الإصلاح الديمقراطي، فإنها تحذر في الوقت نفسه من خطر اللجوء إلى الاقتتال، وتؤكد على أهمية وحدة حركة "فتح" ووحدة م.ت.ف" وترفض بأي شكل حسم الخلافات بالقوة المسلحة أو التحرك بناء على أجندة غير فلسطينية (في إشارة إلى دعم سوريا وليبيا للانشقاق). 

فقد أطلق الدكتور جورج حبش (أمين العام الجبهة الشعبية) مطالب الجبهة الإصلاحية لمنظمة التحرير منطلقاً من هذا الموقف كقاعدة نحو التأكيد على "أن الأساس في أزمة أي تنظيم هي العوامل الداخلية وبعد ذلك تأتي العوامل الخارجية...  وإن أي إصلاح ديمقراطي يأخذ شكل الانشقاق سيؤدي إلى نتائج عكسية؛ وبالتالي لا بد أن تتم عملية الإصلاح في صفوف فتح على قاعدة وحدة فتح".
واقترب موقف الحزب الشيوعي الفلسطيني من الانشقاق من موقف الجبهة الشعبية؛ وحدد الشيوعيون موقفهم بشكل أدق بقولهم: "إننا نقف ضد أي انشقاق في صفوف حركة "فتح"، ونرفض بشكل قاطع الاحتكام إلى السلاح لحسم الخلاف".

حصار طرابلس:

دعمت سوريا علنًا الانشقاق، وهاجمت معسكرات فلسطينية رفضت الانضمام للمنشقين، وعند تصاعد الاشتباكات؛ انعقد المجلس المركزي لمنظمة التحرير في تونس (3-7/8/1983) لمناقشة الوضع المتفجر في الساحة على ضوء أحداث الانشقاق وموقف سورية من "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية.  وكان من بين ما اتخذه المجلس تشكيل: "لجنة 18" التي عهد إليها عمل ما يلزم من أجل استعادة وحدة "فتح"، وحماية م.ت.ف من خطر الانشقاق الداهم، وتطبيع العلاقات الفلسطينية-السورية.

وبعد محاصرة عنيفة لقوات فتح في طرابلس من قبل المنشقين، حيث كان أبو جهاد من بين المحاصرين، وصل الرئيس ياسر عرفات إلى طرابلس في شمال لبنان فجأة بعد ظهر يوم 16/9/1983، وصرّح على بأن "الثورة الفلسطينية هي ثورة عملاقة، ولا يستطيع أن يحتويها أحد، ولا يستطيع أن يسيطر عليها أحد.  وسنحافظ على قرارنا الوطني المستقل، ولسنا إقليميين، ونحن ندعم القرار الوطني اللبناني".   وكان وجود أبو عمار بين الفتحاويين عامل كبير في ارتفاع الروح المعنوية لديهم.  بالرغم من ذلك انتقدت سوريا مجيء أبو عمار المفاجي إلى طرابلس وعززت دعمها للمنشقين.

 قاد ياسر عرفات المعركة عسكرياً وسياسياً من مقر قيادة أركانه في مخيم نهر البارد، عبر مطبخه السياسي الذي يؤلفه في العادة وفق فهم خاص به.  وحرص، كما في كل معركة يخوضها، على تعزيز غرفة عملياته بآلية عملانية خاصة تستدعي بناء أجهزة ميدانية تكاملية مع الأجهزة المركزية، مثل: الصحة، والشؤون الاجتماعية، والمالية، والإعلام.

استمرّت الحرب على الشرعية الفلسطينية في طرابلس شمال لبنان متواترة على امتداد الربع الأخير من عام 1983، وكانت، كلما خبا صوت المدافع فيها ترتفع نبرة الشعار حول "المرجعية البديلة" و"منظمة التحرير الفلسطينية الأخرى الثورية" واتهام ياسر عرفات مرة بالخيانة، ومرة بالتنسيق مع الأردن وإسرائيل.  ..("فلسطين الثورة" 12/11/1983) 

وفي الوقت الذي كانت فيه العمليات الحربية تزداد ضراوة، قامت القوات الإسرائيلية بعمليات قصف بحري على المواقع الفلسطينية في طرابلس، وترافقت تلك العمليات بمحاولة إنزال بري من قبل القطع البحرية الإسرائيلية نهار يوم 14/12 وليل 15/12/1983.  وقام الرئيس عرفات على أثر ذلك بتوجيه نداء عاجل إلى سورية يدعوها للتعاون لمواجهة العدوان الإسرائيلي؛ وتساءل عرفات حينها بمرارة: "هل يقبل الرئيس السوري والعرب حصارنا منهم ومن الإسرائيليين في وقت واحد!”.

بدأت تحركات الوساطة لفك الحصار وإنهاء حالة الحرب بتوافد عدد من الوفود والشخصيات الفلسطينية والعربية على مقر عرفات في طرابلس.  وكان من أبرزها زيارة وفد المعارضة المصرية الذي أعلن أنه "جاء ليعلن عن مساندته الكاملة لشرعية قيادة م.ت.ف ووحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني".  وأجرى الوفد اتصالاته مع الحكومة المصرية حول إمكانية مشاركتها في المساعي الجارية لرحيل عرفات والقوات الفلسطينية بسلام وحماية دولية من طرابلس.  وكان موقف الحكومة المصرية إيجابياً على هذا الصعيد، إذ أبدت استعدادها لتوفير حماية مصرية بحرية وجوية لهذه العملية.

انقسام المنظمة، زيارة مصر، وإعادة لحمة م- ت – ف

لم يعلن أبو عمار عن وجهته حين غادر  ورفاقه ميناء طرابلس على متن الباخرة اليونانية أوذيسيوس إيليتس؛ لكنه أعلن لاحقًا  من على متن الباخرة أنه سيزور القاهرة.  وعندما دخلت أوذيسيوس قناة السويس صباح يوم 22/12/1983، كانت أخبار وصول أبو عمار إلى القاهرة بعد طرابلس حديث الدنيا، وكانت استشرافات الخطوة التالية للوصول كثيرة ومتباينة؛ ولكنها تشي جميعها بتحول ما في موقف عرفات من الاصطفافات العربية.  وحسم الشك باليقين في اليوم نفسه (22/12) عندما قام أبو عمار بزيارة إلى القاهرة، واستقبله الرئيس مبارك وعقدا اجتماعاً منفرداً استغرق ساعة وخمسين دقيقة، خرج بعدها الرئيس مبارك ليبلغ الصحافيين "أنه اجتمع مع عرفات بصفته زعيماً معتدلاً للفلسطينيين، ومشيراً إلى أن مصر لن تتردد في دعم القضية الفلسطينية بكل إمكانياتها". 

مواقف من زيارة أبو عمار للقاهرة:

صعقت زيارة أبو عمار للقاهرة كل الأطراف وأثارت الجدل حول دوافعها ومراميها ونتائجها وتداعياتها.  وكانت المواقف منها متفاوتة ومتناقضة وملتبسة ومبهمة. 
- رأتها إسرائيل خرقاً لاتفاقية كامب ديفيد.
- الولايات المتحدة، رحبت بها ورأت فيها خطوة قد تساعد على إحياء مبادرة الرئيس رونالد ريغان للسلام في الشرق الأوسط.
- الدول الأوروبية وخصوصاً فرنسا وبريطانيا استقبلت الزيارة باهتمام كبير، ورأت فيها تأسيسا لمنظومة استقطاب معتدل في المنطقة العربية يمكن العمل معه بإخلاص لتمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه.

   سوريا: هاجم الإعلام السوري الزيارة متهما عرفات "بالخيانة الوطنية والالتحاق بنهج كامب ديفيد".  وطالب "بتصعيد مواجهة الخط العرفاتي وامتداداته وتمثلاته على الساحة الفلسطينية".  وانحازت ليبيا إلى الموقف السوري من عرفات ومن الزيارة.

- الساحة الفلسطينية:  أحدثت الزيارة تأثيراً صاعقاً على الساحة الفلسطينية؛ فاللجنة المركزية لحركة "فتح" عقدت اجتماعاً مكرساً لهذا الحدث في تونس (31/12/1983-4/1/1984) صدر عنه بيان انتقد الزيارة بشدة.  وقد رأى محللون  وسياسيون لاحقًا أنها خطوة حكيمة وجريئة ساهمت لاحقًا ببقاء الحضور السياسي والوطني ل م –ت-ف وقد أيد كثيرون الخطوة في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 87  بعد أن عارضوها في حينها.
وقد تسببت هذه "الصعقة" في حدوث تفاعلات هائلة في الساحة تركت، وبسرعة آثارًا عميقة على تماسك منظمة التحرير الفلسطينية تمثلت ببروز ثلاثة تيارات فلسطينية متمايزة: 
1- الأول تنظيم "المنشقين" ومنظمة الصاعقة والجبهة الشعبية - القيادة العامة وجبهة النضال الشعبي.  وقد انضم إليهم خالد الفاهوم، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، وأسسوا ما عرف باسم "التحالف الوطني". 
2-  الجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، والحزب الشيوعي الفلسطيني، وجناح طلعت يعقوب في جبهة التحرير الفلسطينية، وأسسوا في عدن بتاريخ 26/3/1984 "التحالف الديمقراطي".
3- التيار الثالث حركة "فتح"، وجبهة التحرير العربية، وجناح أبو العباس في جبهة التحرير الفلسطينية.
 وانقسمت الساحة الفلسطينية عموديًا بظهور هذه التيارات وتبلورها؛ كما انقسمت أفقيًا  المؤسسات والاتحادات والمنظمات الشعبية؛ الطلاب، والعمال، والفلاحين، والمحامين، والكتاب والصحافيين، والمهندسين...الخ.  وقد كان لهذا الانقسام تأثيره السلبي على مكانة ودور منظمة التحرير الفلسطينية في المحافل العربية والإقليمية والدولية. 
عاشت منظمة التحرير الفلسطينية بسبب الانقسام الكبير بين فصائل العمل الوطني خطر التصفية الجدية برغم ما كانت تبديه الأطراف الوطنية من حرص على حماية المنظمة من ذلك الخطر، عبر أطروحاتها التي تبدو أحيانا متناقضة، أو مختلفة بشأن الانقسام وكيفية معالجته.  وربما كان الدرع الذي حمى المنظمة جدياً هو ذلك التطوير الشعبي لمفهوم الوحدة الوطنية التقليدي من وحدة الفصائل لحماية شرعية القيادة إلى وحدة الجماهير حول قيادة الشرعية.
كانت زيارة أبو عمار إلى مصر والتحرك الفلسطيني الأردني قد ساهما في إعادة الحضور السياسي للقضية الفلسطينية محليًا ودوليًا؛ ما ساهم في تخفيف أعباء الانقسام في الساحة الفلسطينية، وفي التقدم بشجاعة أكثر نحو إعادة لحمة ل م–ت –ف

المجلس الوطني(الدورة السابعة عشر) مقدمة إلى لم الشمل:

 بالرغم من بقاء العلاقة الفلسطينية السورية متوترة؛ إلا أن العلاقات العربية الفلسطينية التي نشأت بعيد زيارة أبو عمار للقاهرة ساهمت إلى حد كبير في تقريب وجهات النظر الفلسطينية الفلسطينية وعقد المجلس الوطني الفلسطيني لدورته السابعة عشرة في عمان خلال الفترة من 22-29/11/1984 بنصاب قانوني لم تحل دونه مقاطعة التحالفين "الوطني" و"الديمقراطي".  

انبثق "الحوار الوطني الشامل" كمفهوم آلية أو كتوجه أسلوبي (وقبل أن يتحول إلى "ثابت وطني" يتمتع بمسوح القداسة) عن اجتماع إعلان التحالف الديمقراطي بين الجبهتين الشعبية والديمقراطية والحزب الشيوعي في عدن الذي انعقد خلال الفترة بين 22و26 آذار(مارس) 1984م برعاية الحزب الاشتراكي اليمني وبحضور الحزب الشيوعي السوري والحزب الشيوعي اللبناني ، وجاء طرح ذلك المفهوم كأحد القرارات التي جرى التوصل إليها بعد مناقشة بنود جدول أعمال ذلك الاجتماع التي كان من أهمها " حماية وحدة منظمة التحرير وصيانة خطابها الوطني".

كان من نتائج الدورة السابعة عشرة للمجلس الوطني:

1- العمل الحثيث على استعادة فتح عافيتها وإعادة اللحمة للحركة. 
2-  وضرورة الاتصال مع مختلف الأطراف حول "برنامج الجبهة الوطنية العريضة" التي ستقوم في إطار منظمة التحرير الفلسطينية لحماية وحدتها وصيانة خطها الوطني بالتصدي لنهج الانحراف والاستسلام.
3- ورفض قيام قيادة فلسطينية بديلة، وعدم إقامة مؤسسات موازية لمؤسسات منظمة التحرير.
4- وعدم الاعتراف بفتح الانتفاضة ممثلة لمجموع حركة فتح.
5- حل الخلافات بين سورية واللجنة المركزية لحركة "فتح" على أسس تحالف كفاحي، وتوطيد علاقات التنسيق والتعاون الكفاحي بين سورية ومنظمة التحرير الفلسطينية على أساس الاحترام المتبادل القائم على مبدأ المساواة والاستقلال والنضال المشترك.

وعقدت لقاءات وجرت اتصالات كثيرة في أكثر من عاصمة عربية وأجنبية بين "التحالف الديمقراطي" وحركة "فتح" منذ بداية الانشقاق ومعركة طرابلس سنة 1983؛ وعلى أثر زيارة عرفات للقاهرة بعد ذلك. 

وقد وَضعت نتائج حوارات عدن- الجزائر بين 28/6-13/7/1984 المنطلق التأسيسي لإعادة الوحدة الوطنية للساحة الفلسطينية.  كما مثلت "وثيقة عدن- الجزائر" الإطار القاعدي للحوارات الوطنية الشاملة، أو شبه الشاملة بعد ذلك.  وتذكر مجلة "فلسطين الثورة" أنه "بقدر ما كان يعول على الاتفاق على "وثيقة عدن-الجزائر" في أن تكون عامل استحثاث لعقد دورة المجلس الوطني الفلسطيني في الموعد المقترح لها من قبل حركة "فتح" لإنهاء حالة الشلل التي صارت تعاني منها المؤسسات التمثيلية لمنظمة التحرير، حتى ولو لم تتوافر فرصة إجراء الحوار الوطني الشامل حتى حينه"، فإن تمنعاً أبداه التحالف الديمقراطي بحجة عدم توفر شروط البدء بحوار وطني شامل يتوصل إلى قاعدة سياسية وتنظيمية مشتركة...  يضمن الحفاظ على الإجماع الوطني في حال عقد المجلس..." عبر عن ظهور اختلافات في الرؤى بين أطراف "وثيقة عدن-الجزائر".

 انتصار الوحدة وإعادة اللحمة لـ "م – ت- ف":

 أن القيادة الفلسطينية قد تسلحت بقرارات الدورة السابعة عشرة للمجلس الوطني للسير في كل الاتجاهات التي يمكن تودي إلى ما فيه خدمة القضية الفلسطينية.  كما أنها فتحت آفاقاً على اتصالات جديدة بكيفيات جديدة، خصوصاً مع الولايات المتحدة وبلدان أوروبا الغربية، وبدون تقديم أي تنازلات، حتى عندما تستدعي اشتراطات هذه الاتصالات توضيح المواقف الفلسطينية المبدئية من قضايا يرفضها ويعاديها العالم كالإرهاب مثلاً؛ فقد كان شرط الولايات المتحدة الأمريكية للحوار الفلسطيني- الأمريكي رفض وإدانة الإرهاب. 

 وكان جواب م.ت.ف متضمناً في "إعلان القاهرة" (16/11/1985) الذي ألقاه الرئيس ياسر عرفات، وجاء فيه: "إن الأحداث تؤكد قناعة المنظمة بأن العمليات الإرهابية التي ترتكب في الخارج تسيء إلى قضية الشعب الفلسطيني وتشوه كفاحه المشروع في سبيل الحرية....

وحققت القيادة الفلسطينية نجاحات ملحوظة على صعيد إعادة اللحمة للجسم الفلسطيني الموحد (م – ت- ف ) تمثل في نجاح اجتماع "براغ" الذي عقد خلال الفترة من 1-5 أيلول 1986 برعاية الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي بين حركة "فتح" والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والحزب الشيوعي الفلسطيني، وصدر عنه بتاريخ 6/9/1986 "إعلان براغ" الذي أقر فيه المجتمعون "الالتزام بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية وبقرارات المجالس الوطنية التي كانت محصلة إجماع الفصائل والقوى والشخصيات الوطنية"؛ كما اتفقوا على أن "التمسك بالثوابت والأسس الوطنية يزيل العقبات التي تعرقل دفع عجلة الحوار الوطني لاستعادة الوحدة"؛ وحثت الأطراف المجتمعة القوى الوطنية على "الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية والمباشرة من خلال حوار وطني مفتوح بين جميع الفصائل والقوى الوطنية من أجل التوصل إلى اتفاق وطني شامل يكون أساساً لانعقاد دورة جديدة للمجلس الوطني الفلسطيني تستعاد فيها الوحدة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية".

عكس "إعلان براغ" توجهاً توحيدياً عالياً؛ فقد اتسم بالمرونة والانفتاح؛ ما سهل الاتصال مع مختلف أفرقاء الساحة الفلسطينية ومحاورتهم حول قضايا الخلاف بالاستناد إلى المصالح الوطنية العليا.  وبرغم ما برز في الحراك على هذا الصعيد من عقبات ومواقف تشدد لدى البعض، فإنه وجد قبولاً وترحيباً لدى بعضها الآخر، ومكّن هذا الأمر الأطراف الفلسطينية من الإمساك بمتطلبات قبول الأطراف "وتأييدها وترحيبها بمبادرة الأخ الرئيس المناضل الشاذلي بن جديد للدعوة إلى لقاء وطني فلسطيني على أرض الجزائر الشقيقة لاستعادة وترسيخ الوحدة الوطنية".

 ونجحت القيادة الفلسطينية رغم كل العراقيل، في الانطلاق بمسيرة الحوار الوطني الفلسطيني بدءاً من يوم 14/4/1987 في مدينة الجزائر بين الفصائل الأساسية.  وسادت الحوار، طيلة جلسات أيامه السبعة، روح المسؤولية الوطنية التي أوصلته إلى محطة النجاح؛ حيث تكللت جولات الحوار بعقد الدورة الثامنة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر (20-26/4/1987) التي خرجت منها منظمة التحرير الفلسطينية موحدة وقوية متفقة على برنامج سياسي وتنظيمي واضح. 

 
 مـعـلـومـات عـامــة
 مـلـفـــات وطـنـيــــة
 قـضـايــا الصـراع
 تـاريــخ فـلسـطـيــن
 الــقـــدس
 الـنــظــام الـســيـاسـي
 قوانـيـن وتـشـريـعـات
 الــسـكـان
 طوائف ومذاهب وجاليات
 الــصــحــــة
 الـتــعـلـيـــم
 شــؤون اجـتـمـاعـيـــة
 سـيـاحــة
 اقـتـصــاد
 الإســكـان
 عـمــل وعـمّـال
 زراعـــة
 نـقــل واتـصـالات
 جـغــرافـيــــا
 الـمــيــــاه
 الــبــيــئـــة
 ثــقــافـــة
 إعـــلام
 ريــاضـــة
 خـدمــات عـامــة
 شـــؤون إسـرائـيـلـيــة
 مـنـظـمـات غـيـر حـكـومـيـة
 وثــائــــق
 تـقــاريــر