عربي | Eng
مركز المعلومات الوطني الفلسطيني - وفا
Twitter اضفنا الى المفضلة، او اضغط Ctrl+D اجعلنا صفحة البداية
|الرئيسية|من نحن|اتصل بنا|


Bookmark and Share

خطاب الرئيس أوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة 23 أيلول/سبتمبر، 2010

السيد الرئيس، السيد الأمين العام، زملائي المندوبين، السيدات والسادة. إنه لشرف عظيم  لي أن أخاطب هذه الجمعية للمرة الثانية، بعد نحو عامين من انتخابي رئيساً للولايات المتحدة.

نحن نعلم أن هذا الوقت ليس عادياً بالنسبة لشعوبنا. كل واحد منا يأتي إلى هنا حاملا مشاكله وأولوياته الخاصة. ولكن هناك أيضاً تحديات مشتركة نشترك فيها كقادة وكدول.

إننا نجتمع في إطار مؤسسة بنيت من أنقاض الحرب وصُممت بهدف توحيد العالم في السعي نحو تحقيق السلام. ونجتمع في مدينة رحبت- منذ قرون من الزمن-  بالناس من مختلف أنحاء العالم، مما يظهر أن الأفراد من كل لون، ومعتقد، ومرتبة يمكن أن يجتمعوا معاً للسعي وراء الفرص، وبناء المجتمعات الأهلية، والتمتع بنعمة الحرية الإنسانية.

وخارج أبواب هذه القاعة، تحكي شوارع وأحياء هذه المدينة العظيمة قصة عقد من الزمن اكتنفته المصاعب. فقبل تسع سنوات، أنذر تدمير مركز التجارة العالمي بتهديد لا يحترم أي حدود للكرامة أو اللياقة. وقبل عامين من هذا الشهر، دمرت الأزمة المالية في وول ستريت العائلات الأميركية في الشوارع الرئيسية لبلداتنا. وقد أثر هذان التحديان المنفصلان على الناس في جميع أنحاء العالم. فقد قتل رجال، ونساء وأطفال على أيدي متطرفين من الدار البيضاء إلى لندن، ومن جلال آباد إلى جاكرتا. وعانى الاقتصاد العالمي من ضربة هائلة خلال الأزمة المالية، ألحقت الشلل بالأسواق وأدت إلى تأجيل أحلام الملايين في جميع القارات. تحت هذه التحديات لأمننا وازدهارنا تكمن أعمق المخاوف: فالأحقاد القديمة والتفرقة الدينية تتصاعد مرة أخرى، وقد انزلق هذا العالم الذي أصبح أكثر ترابطاً بطريقة ما إلى خارج سيطرتنا.
هذه هي بعض التحديات التي واجهت حكومتي منذ مجيئنا إلى المنصب. واليوم، أريد أن أتحدث إليكم عن ما قمنا به على مدى العشرين شهراً الماضية لمواجهة هذه التحديات. ما هي مسؤوليتنا حيال السعي لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، وما نوع العالم الذي نحاول أن نبنيه في القرن الحادي والعشرين.

اسمحوا لي أن أبدأ بما قمنا به. إنني بوصفي  رئيساً لم أركز اهتمامي على أي أمر أكثر من التركيز على إنقاذ اقتصادنا من كارثة محتملة. وفي عصر يكون فيه الرخاء مشتركاً، لم يكن بمقدورنا القيام بذلك بمفردنا. وهكذا انضمت أميركا إلى دول من مختلف أنحاء العالم لتحفيز النمو، وتجديد الطلب الذي يمكنه إعادة خلق فرص العمل.
ونحن نعمل على إصلاح نظامنا المالي العالمي، بدءاً من إصلاح وول ستريت في بلدنا، بحيث لا تتكرر مثل هذه الأزمة مرة ثانية. وجعلنا من مجموعة الدول العشرين النقطة المركزية للتنسيق الدولي، لأنه في ظل عالم يكون فيه الازدهار أكثر انتشاراً، يجب علينا توسيع دائرة تعاوننا ليشمل الاقتصادات الناشئة- الاقتصادات من كل ركن من أركان العالم.
وهناك الكثير مما يمكننا إظهاره حول جهودنا، حتى رغم أن هناك أيضاً الكثير من العمل الذي يتعين القيام به. لقد تّم انتشال الاقتصاد العالمي من حافة الانهيار، وعاد إلى النمو مرة أخرى. لقد قاومنا الدعوة إلى اتباع سياسات الحماية، ونستكشف السبل لتوسيع التجارة والتبادل التجاري بين الدول. ولكننا لا نستطيع ولن يهدأ لنا بال حتى تنمو بذور التقدم هذه لتصبح رخاءً أوسع لجميع الأميركيين، ولجميع الشعوب في العالم.

أما بالنسبة لأمننا المشترك، فإن أميركا تخوض حربا أكثر فعالية ضد تنظيم القاعدة، في حين تُقلص الحرب في العراق. ومنذ أن توليت منصبي، سحبت الولايات المتحدة ما يقرب من 100 ألف جندي من العراق. وقد فعلنا ذلك بطريقة مسؤولة، بينما كان العراقيون يتحولون إلى تسلم زمام المسؤولية عن أمن بلادهم.

ونحن الآن نركز على بناء شراكة دائمة مع الشعب العراقي، مع الحفاظ على التزامنا بسحب ما تبقى من قواتنا بحلول نهاية العام المقبل.
وبينما نقوم بتقليص عديد قواتنا في العراق، فقد أعدنا التركيز على دحر القاعدة وحرمان شركائها من الملاذ الآمن. وفي أفغانستان، تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤنا إلى انتهاج استراتيجية لكسر زخم قوة حركة طالبان، وبناء قدرات الحكومة وقوات الأمن الأفغانية، بحيث يمكن البدء بعملية نقل المسؤولية إلى الأفغان في شهر تموز/يوليو المقبل. ومن جنوب آسيا إلى القرن الأفريقي، نحن نسير في اتجاه تبني نهج يكون له هدف محدد بدرجة أكبر- نهج يقوي شركاءنا، ويفكك الشبكات الإرهابية دون نشر جيوش أميركية كبيرة.
وبينما نقوم بملاحقة المتطرفين الأكثر خطورة في العالم، فإننا نحرمهم أيضاً من أشد الأسلحة خطورة في العالم، ونسعى إلى تحقيق السلام والأمن في عالم خال من الأسلحة النووية.

وفي وقت مبكر من هذا العام، تبنت 47 دولة خطة عمل لحماية كل المواد النووية المعرضة للخطر في غضون أربع سنوات. وقد انضممنا إلى روسيا للتوقيع على الاتفاقية الأكثر شمولا  للحد من الأسلحة خلال عقود. لقد خفضنا دور الأسلحة النووية في استراتيجيتنا الأمنية. وهنا، في الأمم المتحدة، اجتمعنا معا لتقوية معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.
وكجزء من الجهود التي نبذلها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية، قمت بتقديم يد ممدودة إلى جمهورية إيران الإسلامية في العام الماضي، وشددت على أن لها الحقوق وعليها المسؤوليات بصفتها عضواً في المجتمع الدولي. وقلت أيضا - في هذه القاعة – إن إيران يجب أن تخضع للمساءلة إذا ما فشلت في الوفاء بتلك المسؤوليات. وهذا هو ما فعلناه.

إن إيران هي الطرف الوحيد في معاهدة منع الانتشار النووي الذي لا يمكن أن يثبت النوايا السلمية لبرنامجه النووي، وهذه الأعمال يترتب عليها عواقب. ومن خلال قرار مجلس الأمن الدولي رقم  1929، أوضحنا أن القانون الدولي ليس وعداً فارغاً.
والآن، اسمحوا لي أن أكون واضحاً مرة أخرى: الولايات المتحدة والمجتمع الدولي يسعيان إلى إيجاد حل لخلافاتنا مع إيران، والباب لا يزال مفتوحاً أمام الدبلوماسية اذا اختارت دخوله. ولكنه يتعين على الحكومة الإيرانية أن تظهر التزاماً واضحاً يمكن تصديقه، وأن تؤكد للعالم الغرض السلمي لبرنامجها النووي.

وبينما نحن نكافح انتشار الأسلحة الفتاكة، نقوم أيضاً بمواجهة شبح تغير المناخ. فبعد القيام باستثمارات تاريخية في الطاقة النظيفة والكفاءة في الوطن، ساعدنا في صياغة اتفاق في كوبنهاغن يلزم - لأول مرة – يلزم جميع الاقتصادات الكبرى بالحدّ من انبعاثاتها. إننا ندرك إدراكاً جيداً أن هذه مجرد خطوة أولى. ونحن نمضي نحو الأمام، سندعم عملية تجمع بين جميع الاقتصادات الكبرى لتلبية مسؤولياتنا عن حماية كوكبنا، في حين نطلق العنان لقوة الطاقة النظيفة لتكون بمثابة المحرك للنمو والتنمية والتطوير.

احتضنت أميركا أيضاً مسؤوليات فريدة من نوعها تأتي ملازمة لقوتنا. منذ أن هطلت الأمطار وارتفعت مياه الفيضانات في باكستان، تعهدنا بتقديم المساعدة، ويتعين علينا جميعاً أن ندعم الشعب الباكستاني وهو يحاول النهوض وإعادة البناء. وعندما اهتزت الأرض ودمرت هايتي بخسائرها، انضممنا إلى ائتلاف من الدول للاستجابة الفورية. واليوم، نحن نكرم أولئك الأشخاص من أسرة الأمم المتحدة الذين لقوا حتفهم في الزلزال، ونلزم أنفسنا بالوقوف مع أبناء شعب هايتي إلى أن يتمكن من الوقوف على قدميه.

وفي خضم هذا الاضطراب، كنا مثابرين أيضاً في سعينا لتحقيق السلام. وفي العام الماضي، تعهدت ببذل قصارى جهودي لدعم هدف قيام دولتين، هما إسرائيل وفلسطين، تعيشان جنباً إلى جنب في سلام وأمن، وذلك كجزء من سلام شامل بين إسرائيل وجميع جيرانها. لقد قطعنا طريقاً متعرجاً على مدى الاثني عشر شهراً الماضية، مع وجود القليل من القمم والكثير من الوديان. ولكن هذا الشهر، يسعدني أننا تابعنا السعي في المفاوضات المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في واشنطن، وشرم الشيخ، والقدس.
والآن، إنني أدرك أن الكثير من الناس متشائمون تجاه هذه العملية. يقول المشككون إن الإسرائيليين والفلسطينيين لا يثقون أبداً ببعضهم البعض، وهم منقسمون داخلياً أيضاً، لذلك لا يستطيعون صياغة سلام دائم. سيحاول الرافضون من الجانبين تعطيل العملية، بكلمات مريرة وبالقنابل وإطلاق الرصاص. يقول البعض إن الفجوات بين الطرفين كبيرة، وإن احتمال انهيار المحادثات كبير جداً، وإن السلام بعد عقود من الفشل، هو ببساطة غير ممكن.

وأصوات التشاؤم هذه تصل إلى مسامعي. لكنني أطلب منكم التفكير في البديل. اذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، لن يعرف الفلسطينيون العزة والكرامة التي تأتي مع دولة خاصة بهم. ولن يعرف الإسرائيليون أبداً اليقين والأمن الذي يأتي مع كون الدول المجاورة مستقرة وذات سيادة وملتزمة بالتعايش. كما ستترسخ الحقائق الصعبة المتعلقة بالديمغرافيا أو الحقائق السكانية. وسيراق المزيد من الدماء. وستظل هذه الأرض المقدسة رمزاً لخلافاتنا، بدلا من أن تكون رمزاً لإنسانيتنا المشتركة.

أنا أرفض قبول ذلك المستقبل. ويجب علينا جميعاً الاختيار واتخاذ القرارات. ويجب أن يختار كل منا طريق السلام. وبالطبع، هذه المسؤولية تبدأ بالأطراف أنفسهم، الذين يتعين عليهم الاستجابة لنداء التاريخ. وفي وقت سابق من هذا الشهر، في البيت الأبيض، أدهشني كلام القائدين الإسرائيلي والفلسطيني. قال رئيس الوزراء نتنياهو، "جئت الى هنا اليوم للتوصل إلى تسوية تاريخية من شأنها أن تمكن الشعبين من العيش في سلام وأمن وكرامة." وقال الرئيس عباس: "إننا لن نألو جهداً وسنعمل بجد ودون كلل لضمان أن تحقق هذه المفاوضات غايتها".
وهذه الكلمات يجب أن تتبعها الأفعال، وأعتقد أن كلا الزعيمين يمتلك الشجاعة للقيام بذلك. ولكن الدرب الذي يتعين عليهما أن يسلكاه صعب، وهذا هو السبب في أنني أدعو الإسرائيليين والفلسطينيين – والعالم - إلى الاحتشاد وراء الهدف المشترك للزعيمين. ونحن نعلم أنه ستكون هناك اختبارات على طول الطريق، وأن أحدها يقترب منا بسرعة. فقد كان لتجميد بناء المستوطنات أثر على أرض الواقع، إذ حسّن الأجواء لإجراء المحادثات.

وإن موقفنا بشأن هذه المسألة معروف جيداً. فنحن نعتقد أنه ينبغي تمديد التجميد. كما نعتقد أيضاً أن المحادثات يجب أن تتواصل حتى يتم الانتهاء منها. والآن هو الوقت المناسب بالنسبة للطرفين لكي يساعد كل منهما الآخر للتغلب على هذه العقبة. والآن هو الوقت المناسب لبناء الثقة – وإتاحة الوقت - لإحراز تقدم ملموس. والآن هو الوقت المناسب لاغتنام هذه الفرصة، حتى لا تفلت من بين أيدينا.
يجب أن يتحقق السلام على أيدي الإسرائيليين والفلسطينيين، ولكن كل واحد منا يتحمل مسؤولية القيام بأدوارنا أيضا. ويجب أن يفهم الذين من بيننا ممن هم أصدقاء إسرائيل أن الأمن الحقيقي للدولة اليهودية يتطلب قيام دولة فلسطينية مستقلة - دولة تسمح للشعب الفلسطيني بالعيش بكرامة وتحقق له الفرص. ويجب أن يفهم الذين من بيننا ممن هم أصدقاء للفلسطينيين أن الظفر بحقوق الشعب الفلسطيني لن يتم إلا من خلال الوسائل السلمية - بما في ذلك إبرام مصالحة حقيقية مع إسرائيل آمنة.
إن الكثيرين من الموجودين في هذه القاعة يحسبون أنفسهم أصدقاء للفلسطينيين. ولكن يجب أن تدعم الأفعال هذه التعهدات الآن. وينبغي على أولئك الذين وقعوا على المبادرة العربية للسلام اغتنام هذه الفرصة لجعلها حقيقة واقعة من خلال اتخاذ خطوات ملموسة نحو التطبيع الذي وَعدت به المبادرة إسرائيل.

وعلى أولئك الذين يجاهرون بدفاعهم عن الحكم الذاتي الفلسطيني مساعدة السلطة الفلسطينية سياسيا وماليا- وبذلك - يساعدون الفلسطينيين على بناء مؤسسات دولتهم.
ويجب على أولئك الذين يتوقون لرؤية قيام دولة فلسطينية مستقلة الكف عن محاولة تدمير إسرائيل. فبعد مضي آلاف السنين، فإن اليهود والعرب ليسوا غرباء في أرض غريبة. وبعد ستين عاماً في الأسرة الدولية، يجب ألا يكون وجود إسرائيل موضوعا للنقاش.
فإسرائيل دولة ذات سيادة، وهي الوطن التاريخي للشعب اليهودي. وينبغي أن يكون واضحاً للجميع أن الجهود الرامية للنيل من شرعية إسرائيل سوف تواجه معارضة لا تتزعزع من جانب الولايات المتحدة. وإن الجهود المبذولة لتهديد أو قتل الإسرائيليين لن تجدي نفعاً لمساعدة الشعب الفلسطيني - فذبح الأبرياء في إسرائيل ليس مقاومة، بل هو الظلم بعينه. ولا يخطئن أحد: شجاعة رجل مثل الرئيس عباس- الذي يدافع عن شعبه أمام العالم في ظل ظروف عصيبة للغاية- هي أعظم بكثير من أولئك الذين يطلقون الصواريخ على النساء والأطفال الأبرياء.
إن النزاع الدائر بين الإسرائيليين والعرب قديم قدم هذه المؤسسة. ويمكن أن نعود إلى هنا، في العام المقبل، كما فعلنا على مدى ستين عاما خلت، ونلقي الخطب الطويلة حول هذا الموضوع. ويمكننا قراءة قوائم مألوفة من المظالم والشكاوى. ويمكننا إدراج القرارات ذاتها على طاولة البحث. ويمكننا زيادة تمكين قوى الرفض والكراهية. ويمكننا أن نهدر المزيد من الوقت قبل المضي قدماً وهي حجة لن تساعد طفلا واحداً إسرائيلياً أو فلسطينياً في تحقيق حياة أفضل. يمكننا أن نفعل ذلك.

أو أنه يمكننا القول إن الوضع هذه المرة سيكون مختلفاً- هذه المرة لن ندع الإرهاب أو القلاقل، أو المواقف المتكلّفة أو السياسات الضيقة الأفق تقف في طريقنا. هذه المرة لن نفكر بأنفسنا فقط بل أيضاً بالفتاة الصغيرة في غزة التي لا تريد سقفاً لأحلامها أو الفتى اليانع في بلدة سديروت الذي يريد أن يهنأ بنومه بغير كابوس إطلاق الصواريخ. هذه المرة سنستوحي من تعاليم التسامح الذي يكمن في صلب الأديان الثلاثة العظيمة التي تعتبر تراب القدس أرضاً مقدسة. هذه المرة يجب علينا أن ننهل من أفضل ما في نفوسنا. إذا فعلنا ذلك، فسوف نستطيع عندما نعود ونلتقي هنا في السنة القادمة أن نوقع اتفاقية تؤدي إلى دخول عضو جديد في الأمم المتحدة- دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة تعيش بسلام مع إسرائيل. 

إن قدرنا هو أن نتحمل عبء التحديات التي تطرقت إليها- الركود والحرب والنزاع. وهناك دائماً إحساس بالإلحاح- أو حتى بوجود حالة طوارىء- تدفع معظم سياساتنا الخارجية. والواقع أنه بعد مضي آلاف السنين التي ابتليت بالحروب، فإن هذه المؤسسة بالتحديد تجسد رغبة بني البشر في أن يجدوا محفلا يعالج ما سيستجد من طوارئ لا محالة.

ولكن حتى ونحن نجابه التحديات الفورية، ينبغي علينا أن نتحلى بالتبصر والحكمة لننظر إلى ما يتجاوز تلك التحديات، ونتدارس ما نحاول أن نبنيه على المدى الطويل. ما الذي ينتظره العالم منا عندما تنتهي معارك اليوم؟ هذا ما أود أن أتحدث عنه في ما تبقى لي من الوقت اليوم.
من أوائل ما أنجزته الجمعية العامة كان تبني الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948. هذا الإعلان يستهل ديباجته بالقول: "إن الإقرار بالكرامة الأساسية والحقوق المتساوية الغير قابلة للتحويل لجميع أفراد الأسرة البشرية هو دعامة للحرية والعدالة والسلام في العالم".
إنها فكرة بسيطة- الحرية والعدالة والسلام في العالم يجب أن تبدأ بالحرية والعدالة والسلام في حياة كل فرد من بني البشر. وبالنسبة للولايات المتحدة، هذه ضرورة أخلاقية وعملية. وكما قال روبرت كينيدي ذات مرة: "إن الإنسان الفرد، مخلوق الله، هو معيار القيم، وإن المجتمع كله بجميع فئاته والدولة يوجدان لمنفعة ذلك الفرد". ولهذا فنحن نتمسك بالقيم العالمية الشاملة لأن ذلك هو الصواب. ولكننا نعلم أيضاً من تجربتنا أن أولئك الذين يدافعون عن هذه القيم من أجل شعوبهم هم أخلص أصدقائنا وحلفائنا، بينما أولئك الذين حرموا مواطنيهم هذه الحقوق- سواء كانوا منظمات إرهابية أو حكومات استبدادية- فإنهم اختاروا أن يكونوا خصومنا.

لم تكن حقوق الإنسان بغير تحديات في أي يوم من الأيام- ليس في أي من بلداننا وليس في عالمنا. فالطغيان لا يزال بين ظهرانينا- سواء تجلى في أعضاء طالبان الذين يذبحون الفتيات اللواتي يحاولن التوجه إلى مدارسهن، أو نظام حكم كوريا الشمالية الذي يستعبد شعبه، أو الجماعات المسلحة في الكونغو كنشاسا التي تستخدم الاغتصاب الجنسي كسلاح من أسلحة الحرب.

وفي زمن يتسم بالعسر الاقتصادي يمكن أن يسري قلق بخصوص حقوق الإنسان. وفي يومنا هذا، كما في أوقات التراجع الاقتصادي في الماضي، نحّى البعض حقوق الإنسان جانباً مقابل الوعد باستقرار قصير الأمد أو من أجل الفكرة المغلوطة بأن النمو الاقتصادي يمكن أن يتأتّى على حساب الحرية. وفي يومنا هذا نحن نشاهد زعماء يلغون الحدود القصوى لولاياتهم السياسية ويشددون الخناق على المجتمع الأهلي، كما نشاهد الفساد وهو يخنق ريادة الأعمال والحكم الرشيد ونرى إرجاء الإصلاحات الديمقراطية إلى ما لا نهاية.
وكما ذكرت في العام الماضي ستتبع كل دولة مساراً نابعاً من ثقافة  شعبها، لكن التجارب تبين أن التاريخ هو حليف الحرية وأن الأساس الأقوى للتقدم البشري يكمن في النظم الاقتصادية المفتوحة، والمجتمعات المفتوحة، والحكومات التي تتسم بالانفتاح. بمعنى آخر مبسط: إن الديمقراطية، وأكثر من أي نظام حكم آخر، تلبي تطلعات مواطنينا. وهذه الحقيقة إنما ستتعاظم في عالم تصبح فيه الحدود بين دوله غير واضحة.
وفي يومنا هذا تعمل أميركا لصياغة عالم يشجع على هذا الانفتاح لأن العفن الذي ينخر النظام الاقتصادي المنغلق أو الفاسد يجب ألا يحجب أبداً طاقة البشر وإبداعهم. وجميعنا يريد أن يكون لنا الحق في تعليم أبنائنا، والحصول على أجور معقولة، ورعاية المرضى، وأن نذهب إلى أبعد ما يمكن أن تأخذنا أحلامنا وأفعالنا. لكن ذلك يعتمد على اقتصادات توظف قوة شعوبنا بما في ذلك استغلال إمكانات النساء والبنات. وسيترتب على ذلك السماح لروّاد الأعمال أن يؤسسوا مشاريع دون اضطرارهم لتقديم الرشوات، وحكومات تدعم الفرص بدلا من السرقة من شعوبها. وسينطوي على ذلك مكافأة العمل الكادح بدلا من المجازفة المتهورة.
وبالأمس طرحت سياسة تنمية جديدة تسعى لتحقيق تلك الأهداف وتسلم بأن الكرامة حق من حقوق الإنسان وأن التنمية العالمية تصب في مصالحنا المشتركة. وستشارك أميركا أمم العالم التي توفر لشعوبها مسارا ينتشلها من  الفقر. ومعاً، يجب أن نطلق العنان لنمو يحركه أفراد وأسواق ناشئة في شتى أنحاء المعمورة.

ولا يوجد سبب يمنع أن تصبح أفريقيا مصدّرة للمنتجات الزراعية. ولهذا فإن مبادرتنا للأمن الغذائي ستكون سبباً في تمكين ودعم المزارعين. ولا يوجد سبب يمنع رواد الأعمال من أن يكونوا قادرين على تأسيس أسواق جديدة في كل مجتمع، ولهذا السبب قمت باستضافة قمة لريادة الأعمال في ربيع هذا العام. لأن من التزامات الحكومات أن تمكن الأفراد، لا أن تعرقل عملهم.

ونفس الشيء ينطبق على المجتمع الأهلي. فمنحنى التقدم البشري شكله أفراد توفرت لهم حرية الاجتماع؛ ومنظمات من خارج الحكومة كانت مصممة على التغيير الديمقراطي؛ ووسائل إعلام حرة تحاسب أصحاب النفوذ. وقد شاهدنا ذلك من جنوب أفريقيا حيث تصدى شعبها لسياسة الفصل العنصري، إلى البولنديين الذين ناصروا نقابة التضامن، وإلى أمهات المواطنين المختفين ممن رفعن أصواتهن احتجاجاً على الحرب القذرة، وإلى الأميركيين الذين قاموا بمسيرات تأييداً لحقوق الناس من جميع الأعراق بما فيها العرق الذي أنتمي إليه.
إن المجتمع المدني هو ضمير مجتمعاتنا. وأميركا ستتواصل على الدوام في الخارج مع مواطنين بعيداً عن قاعات الحكومة. كما أننا سنتصدى لمن يقمعون الأفكار وسنكون صوتاً لمن لا صوت لهم. وسوف نشجع استخدام وسائل الاتصال الجديدة كي يكون في مقدور الناس أن يتواصلوا مع بعضهم البعض، وفي المجتمعات التي يمارَس فيه القمع، سنقوم بذلك مع الأمن. وسندعم شبكة إنترنت حرة وعلنية كي تتوفر للناس البيانات والمعلومات من أجل اتخاذ قراراتهم الخاصة. وقد حان الوقت لانتهاج القواعد المعتادة-  ومتابعتها متابعة فعالة من أجل دفع حقوق المجتمع المدني وضمان انتشارها داخل حدود البلدان وفيما بينها.

إن المجتمع المنفتح يدعم الحكومة المنفتحة، ولكنه لا يمكنه أن يكون بديلا عنها. وليس هناك ماهو أساسي بدرجة أكبر من قدرتكم على اختيار قادتكم وتقرير مصيركم. ولا يخطئن أحد في أن نجاح الديمقراطية النهائي في العالم لا يتأتى لأن الولايات المتحدة تمليه، بل إنه يتم لأن المواطنين الأفراد هم الذين يطالبون بأن يكون لهم قول في الطريقة التي يُحكَمون بها.

وما من أرض لا يمكن لهذه الفكرة أن تتجذر فيها تماما مثلما تجسد الديمقراطية تفرّد أمة بعينها. سأسافر في وقت لاحق من هذا الخريف إلى آسيا. وسأزور الهند التي تخلصت سلميا من الاستعمار وأقامت ديمقراطية مزدهرة لأكثر من بليون نسمة.
ثم أواصل سفري إلى إندونيسيا، بلد أكبر أغلبية إسلامية في العالم، وتربط بين آلاف الجزر وتوحدها معا من خلال اللحمة بين حكومة نيابية ومجتمع مدني. وأنضم بعد ذلك إلى اجتماعات مجموعة العشرين في شبه الجزيرة الكورية التي تبيّن للعالم أوضح تناقضين بين مجتمع ديناميكي منفتح، وآخر سجين منغلق. ثم أختتم جولتي في اليابان ذات الثقافة العريقة التي وجدت السلام والتطور الاستثنائي عبر الديمقراطية.
إن كل بلد من هذه البلدان ينفح في المبادئ الديمقراطية حياة بأسلوبه الخاص. وحتى في الوقت الذي تتراجع فيه بعض البلدان عن الإصلاح، فإننا نحتفي أيضا بشجاعة رئيس في كولومبيا تنحى بمحض إرادته، أو بالوعد بدستور جديد في كينيا.

 والخيط المشترك للتقدم هو المبدأ القائل بأن الحكومة خاضعة للمساءلة من مواطنيها. وإن التنوع في هذه القاعة يجعل من الواضح – أنه ليس هناك بلد يملك بمفرده كل الإجابات، لكننا كلنا يجب علينا أن نستجيب لشعوبنا بالتحديد.
 فنحن نرى في كل أرجاء العالم وعد الابتكار بجعل الحكم أكثر انفتاحا وخضوعا للمساءلة. وعلينا الآن أن نبني على ذلك التقدم. وعلينا، عندما نعود للالتقاء هنا مرة أخرى في العام القادم، أن نأتي ومعنا التزامات محددة بتعزيز الشفافية ومحاربة الفساد وتنشيط المشاركة المدنية ودعم التكنولوجيات الجديدة كي نقوّي بذلك أساس الحرية في بلداننا بينما نلتزم بتطبيق مُثلنا التي يمكن أن تنير العالم.
ولا يزال بمقدور هذه المؤسسة أن تؤدي دورا لا غنى عنه في تقدم حقوق الإنسان. وقد آن الأوان للترحيب بجهود نساء الأمم المتحدة في حماية حقوق المرأة حول العالم. 

 وقد حان الوقت لكل دولة عضو أن تفتح انتخاباتها للمراقبين الدوليين وأن تساهم في زيادة صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية. كما آن أوان إعادة تنشيط عمليات الأمم المتحدة لحفظ للسلام، كي تتوفر للبعثات الموارد اللازمة للنجاح، ومنع ارتكاب الفظائع، كالعنف الجنسي، ويتم تطبيق العدالة – فلا الكرامة ولا الديمقراطية قادرة على الانتعاش بدون توفر الأمن الأساسي.

 وحان الوقت أيضا لجعل هذه المؤسسة أكثر قابلية للمحاسبة لأن تحديات القرن الجديد تتطلب وسائل جديدة لخدمة مصالحنا المشتركة.
إن العالم الذي تسعى الولايات المتحدة إلى قيامه ليس العالم الذي نكون قادرين وحدنا على بنائه. فلكي يحصل أولئك الذين يقاسون مهانة القمع على حقوق الإنسان، نحن بحاجة إلى رفع أصواتكم وإسماعها. وإنني أناشد بشكل خاص تلك الدول التي خرجت من ربقة الاستبداد، وألهمت العالم في النصف الثاني من القرن الماضي – من جنوب أفريقيا إلى جنوب آسيا، ومن أوروبا الشرقية إلى أميركا الجنوبية. أقول: لا تقفوا جانبا غير فاعلين عندما يُسجن المعارضون والمحتجون في كل مكان ويُضرَبون. لأن جزءا من ثمن حريتنا يتمثل في الوقوف والنهوض للدفاع عن حرية الآخرين.

إن هذا الاعتقاد سيكون الموجه للدور القيادي لأميركا في هذا القرن الحادي والعشرين. إنه اعتقاد رافقنا عبر أكثر من قرنين من التجربة المريرة، وسيرافقنا عبر التحديات التي نواجهها اليوم – أكانت حربا أو كسادا؛ أو نزاعا أو انقساما.
 لذا فحتى لو أننا مررنا بعقد عسير، إلا أنني أقف أمامكم وأنا واثق من المستقبل- مستقبل لن يكون العراق فيه محكوما بطاغية أو بقوة أجنبية، وتكون أفغانستان حرة وخالية من اضطرابات الحرب؛ مستقبل يستطيع فيه أبناء إسرائيل وفلسطين بناء السلام الذي لم يكن ممكنا بالنسبة لآبائهم، ووعد بأن التنمية ستصل إلى محابس الفقر والأمراض؛ مستقبل تنقشع فيه غيوم الكساد لتفسح المجال لنور التجدد، ويكون حلم الحصول على الفرص متاحا للجميع.

 هذا المستقبل لن يكون الوصول إليه سهلا. ولن يتحقق بدون نكسات، ولن يتأتى بسرعة. ولكن تأسيس الأمم المتحدة في حد ذاته يُعتبر شاهدا على التقدم البشري. وفي أوقات كانت أبعد من مجرد المحاولة مما نحن عليه الآن، فإن أسلافنا اختاروا أمل الوحدة وفضلوه على سهولة الفرقة والانقسام، وقطعوا وعدا لأجيال المستقبل بأن الكرامة والمساواة للبشر ستكون قضيتنا المشتركة.
ويقع على عاتقنا الوفاء بهذا الوعد. ورغم أننا سنقابل قوى الظلام فإن ذلك سيكون اختبارا لعزيمتنا؛ فالأميركيون دائما كان لديهم السبب للاعتقاد في أننا نستطيع اختيار مستقبل أفضل، وما علينا سوى أن ننظر إلى ما وراء الجدران المحيطة بنا. لأنه من خلال المواطنين الذين تحدروا من كل الأسلاف الذين يمكننا تصورهم، ممن اتخذوا هذه المدينة مدينة لهم، فإننا نرى دليلا على أن الفرص يمكن أن تكون متاحة للجميع؛ وأن ما يوحد بيننا كبشر هو أكبر بكثير مما يفرقنا؛ وأن الناس من كل منطقة من مناطق العالم يمكن أن يعيشوا معا في سلام.
 شكرا جزيلا لكم. 

 
 مـعـلـومـات عـامــة
 مـلـفـــات وطـنـيــــة
 قـضـايــا الصـراع
 تـاريــخ فـلسـطـيــن
 الــقـــدس
 الـنــظــام الـســيـاسـي
 قوانـيـن وتـشـريـعـات
 الــسـكـان
 طوائف ومذاهب وجاليات
 الــصــحــــة
 الـتــعـلـيـــم
 شــؤون اجـتـمـاعـيـــة
 سـيـاحــة
 اقـتـصــاد
 الإســكـان
 عـمــل وعـمّـال
 زراعـــة
 نـقــل واتـصـالات
 جـغــرافـيــــا
 الـمــيــــاه
 الــبــيــئـــة
 ثــقــافـــة
 إعـــلام
 ريــاضـــة
 خـدمــات عـامــة
 شـــؤون إسـرائـيـلـيــة
 مـنـظـمـات غـيـر حـكـومـيـة
 وثــائــــق
 تـقــاريــر