عربي | Eng
مركز المعلومات الوطني الفلسطيني - وفا
Twitter اضفنا الى المفضلة، او اضغط Ctrl+D اجعلنا صفحة البداية
|الرئيسية|من نحن|اتصل بنا|


Bookmark and Share

تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول احداث مخيم جنين

الأمم المتحدة
الجمعية العامة
 شعار الأمم المتحدة
الدورة الاستثنائية الطارئة العاشرة
البند 5 من جدول الأعمال
الأعمال الإسرائيلية غير القانونية في القدس الشرقية المحتلة وبقية الأرض الفلسطينية المحتلة
تقرير الأمين العام المعد عملا بقرار الجمعية العامة د إ ط – 10/10

موجز:

أُعد هذا التقرير بناء على قرار الجمعية العامة د إ ط – 10/10، المتخذ في 7 أيار/ مايو 2002، والذي طلبت فيه الجمعية إلى الأمين العام تقديم تقرير عن الأحداث التي وقعت مؤخراً في جنين وفي المدن الفلسطينية الأخرى، مستفيداً من الموارد والمعلومات المتاحة. وقد طلبت الجمعية العامة هذا التقرير عقب حل فريق تقصي الحقائق التابع للأمم المتحدة الذي شكله الأمين العام تلبية لقرار مجلس الأمن 1405 (2002) المؤرخ 19 نيسان/أبريل 2002.

وقد كُتب التقرير بدون زيارة جنين أو المدن الفلسطينية الأخرى المعنية، ومن ثم فإنه يعتمد اعتماداً تاماً على الموارد والمعلومات المتاحة، بما في ذلك البيانات المقدمة من خمس من الدول الأعضاء وبعثات المراقبين لدى الأمم المتحدة، والوثائق المتاحة للعموم، والورقات المقدمة من بعض المنظمات غير الحكومية. وقد كتب وكيل الأمين العام للشؤون السياسية إلى الممثل الدائم لإسرائيل والمراقب الدائم لفلسطين لدى الأمم المتحدة طالباً منهما تقديم معلومات بهذا الشأن، ولكن لم يفعل ذلك سوى المراقب الدائم لفلسطين. ونظراً إلى عدم ورود رد من إسرائيل، اعتمدت الأمم المتحدة على التصريحات الصادرة عن المسؤولين الإسرائيليين وعلى وثائق حكومة إسرائيل المتاحة للعموم وذات الصلة بالطلب الوارد في القرار د إ ط – 10/10.

ويغطي هذا التقرير الفترة الممتدة من بداية شهر آذار/ مارس تقريباً إلى 7 أيار/ مايو 2002. ويعرض التقرير بياناً لسياق الوضع وخلفيته في إسرائيل وفي الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك مسؤوليات كلا الطرفين المتعلقة بالأمن والشؤون الإنسانية وحقوق الإنسان. ويقدم التقرير صورة موجزة لتطورات العنف المتصاعد منذ أيلول/سبتمبر 2000، الذي تسبب حتى 7 أيار/مايو 2002 في مصرع 441 إسرائيليا و 1539 فلسطينياً.

ويقدم التقرير وصفاً لنمط الهجمات التي شنتها ضد إسرائيل جماعات فلسطينية مسلحة تعمل من الضفة الغربية، والأعمال العسكرية التي قامت بها إسرائيل خلال عملية الدرع الواقي، التي بدأت في 29 آذار/مارس بتوغل في رام الله، أعقبه الدخول إلى طولكرم وقلقيلية في 1 نيسان/أبريل، وبيت لحم في 2 نيسان/أبريل، وجنين ونابلس في 3 نيسان/أبريل. وبحلول ذلك اليوم، 3 نيسان/أبريل، كانت القوات المسلحة الإسرائيلية قد احتلت ستة من أكبر المدن في الضفة الغربية وما يحيط بهذه المدن من البلدات والقرى ومخيمات اللاجئين. واتسمت عملية الدرع الواقي بفرض حظر التجول الشامل لفترات طويلة على المدنيين، وفرض القيود، بل والحظر أحياناً على حركة الأفراد الدوليين، بمن فيهم في بعض الأحيان العاملون في المنظمات الإنسانية والموظفون الطبيون، فضلاً عن مراقبي حقوق الإنسان والصحفيين. وفي كثير من الحالات، لم يتمكن العاملون في المنظمات الإنسانية من الوصول إلى من كانوا بحاجة إلى مساعدتهم. وتصرف المتحاربون على كلا الجانبين بطرق عرضت المدنيين، أحياناً، للخطر. وحدث قسط كبير من القتال الذي جرى خلال عملية الدرع الواقي في مناطق مكتظة بالسكان المدنيين، وفي كثير من الحالات استخدمت فيه أسلحة ثقيلة. ونتيجة لتلك الممارسات، قاسى سكان المدن المشمولة في هذا التقرير مشقات بالغة. وأعلن جيش الدفاع الإسرائيلي انتهاء العملية رسمياً في 21 نيسان/أبريل ولكن عواقبها ظلت قائمة إلى نهاية الفترة قيد الاستعراض وما بعدها.

أولاً – مقدمة:
1- هذا التقرير مقدم عملاً بالقرار د إ ط – 10/10 الذي اتخذته الجمعية العامة في دورتها الاستثنائية الطارئة العاشرة في 7 أيار/مايو 2002. ففي الفقرة 6 من منطوق ذلك القرار طلبت الجمعية العامة من "الأمين العام تقديم تقرير عن الأحداث التي وقعت مؤخراً في جنين وفي المدن الفلسطينية الأخرى، مستفيداً من الموارد والمعلومات المتاحة".

ثانياً - قرار مجلس الأمن 1405 (2002):
2- في 19 نيسان/أبريل 2002، اتخذ مجلس الأمن بالإجماع القرار 1405 (2002)، الذي رحب فيه بمبادرتي الرامية إلى استقاء معلومات دقيقة بشأن الأحداث الأخيرة في مخيم جنين للاجئين عن طريق فريق لتقصي الحقائق. وكان وفد الولايات المتحدة الأمريكية قد تقدم بهذا القرار في المجلس عقب محادثات هاتفية جرت بيني وبين وزيري الخارجية والدفاع الإسرائيليين بمبادرة منهما، أُكِد لي خلالها أن إسرائيل ستتعاون تعاوناً تاماً مع الفريق الذي أعينه.

3- وعملاً بالقرار 1405 (2002)، أنشأتُ في 22 نيسان/أبريل 2002 فريقاً لتقصي الحقائق مؤلفاً من السيد مارتي أتيساري والسيدة ساداكو أوغاتا والسيد كورنيليو سوماروغا. وأسندت إلى السيد أتيساري رئاسة الفريق، الذي ضم في عضويته أيضاً أربعة من كبار المستشارين، هم: اللواء (متقاعد) وليام ناش، بصفته مستشاراً عسكرياً؛ ونائب المفوض بيتر فيتزجيرالد، بصفته مستشار شرطة؛ والسفير تايجي ليهمان، بصفته مستشاراً قانونياً؛ والدكتورة هيلينا رانتا، بصفتها مستشارة طبية/قانونية. وبالإضافة إلى ذلك، زُوِّد الفريق بخبراء تقنيين في المسائل العسكرية والأمنية ومسائل مكافحة الإرهاب، إلى جانب خبراء في الطب الشرعي وموظفين للدعم العام. والتأم شمل الفريق في جنيف وشرع فـي إعداد خطة للعمل بناء على ثلاثة عناصر: (أ) الأحداث التي وقعت في جنين في الفترة السابقة مباشرة لعملية إسرائيل العسكرية؛ (ب) المعركة التي حدثت في جنين خلال عملية الدرع الواقي؛ (ج) جهود العاملين في مجال الأنشطة الإنسانية للوصول إلى السكان المدنيين في جنيف بعد انتهاء القتال.

4- وبعد تعيين أعضاء الفريق، أثارت حكومة إسرائيل عدداً من الشواغل بشأن عمل الفريق، جعلت من المستحيل نشر الفريق في توقيت مناسب وأدت بي إلى حل الفريق. وفي 1 أيار/مايو 2002، بعثت برسالة إلى رئيس مجلس الأمن (S/2002/504) بيَّنت فيها ما بذلته من جهود لتنفيذ القرار 1405 (2002)، وورد في جزء منها ما يلي:

(أ) لقد أصدرت تعليماتي بأن يتجمع الفريق في جنيف في 24 نيسان/أبريل وأن يتوجه إلى المنطقة يوم 25 نيسان/أبريل. غير أنه بعد أن أعلنت خطتي لنشر الفريق بوقت قصير، بدأت حكومة إسرائيل تعرب عن شواغل تتعلق بتكوين الفريق، ونطاق ولايته، وكيفية تنفيذ هذه الولاية، ومسائل إجرائية مختلفة. وبناء على طلب حكومة إسرائيل، وافقت على أن تجتمع الأمانة العامة بوفد من إسرائيل وأن تستمع إلى شواغل إسرائيل وأن تشارك في عملية توضيحية. وأرجأت موعد وصول الفريق إلى المنطقة إلى27 نيسان/أبريل.

(ب) وقـد أجريت المناقشات مع الوفد الإسرائيلي في جو بنّاء جداً يومي 25 و26 نيسان/أبريل. وعندما أصبح في وسع الوفد الإسرائيلي أن يبعث بتقرير عن نتائج هذه الاجتماعات، كانت عطلة السبت قد بدأت في إسرائيل. وأبلغني وزير خارجية إسرائيل أن مجلس الوزراء الإسرائيلي سيتناول المسألة في اجتماعه المقرر عقده في 28 نيسان/أبريل وطلب إرجاء موعد وصول الفريق يوماً واحداً. وقبلت هذا الطلب، وقام وكيل الأمين العام للشؤون السياسية بإحاطة مجلس الأمن علماً بذلك.

(ج) وفي 27 نيسان/أبريل، تحدثت هاتفياً مع رئيس وزراء إسرائيل، ثم وجهت رسالتين إلى الممثل الدائم لإسرائيل والمراقب الدائم لفلسطين بينت فيهما عناصر عمل الفريق. وتم تعميم هاتين الرسالتين على أعضاء مجلس الأمن في اليوم ذاته. وبعث إليَّ الممثل الدائم لإسرائيل برد في وقت متأخر من يوم 27 نيسان/أبريل، عرض فيه عدة شواغل لدى حكومته. ورد وكيل الأمين العام للشؤون السياسية شفوياً على الممثل الدائم لإسرائيل.

(د) وفي 28 نيسان/أبريل لم يتوصل مجلس الوزراء الإسرائيلي إلى قرار بشأن فريق تقصي الحقائق؛ وأبلغتني إسرائيل أن مجلس الوزراء سيستعرض المسألة في اجتماع يعقده في اليوم التالي. وأطلعت الأمانة العامة مجلس الأمن على المعلومات التي تلقيتها في 28 نيسان/أبريل، ووافق المجلس على أن يعرب رئيس المجلس عن تأييد المجلس المستمر لجهودي الرامية إلى تنفيذ القرار 1405 (2002).

(هـ) ولم يجتمـع مجلس الوزراء الإسرائيلي في 29 نيسان/أبريل. وبدلا من ذلك، أبلغني الممثل الدائم لإسرائيل بأن المجلس قرر عقد اجتماع في وقت مبكر من يوم 30 نيسان/أبريل. وقامت الأمانة العامة بإحاطة مجلس الأمن علما بذلك.

(و) وعقدت اللجنة الوزارية الإسرائيلية المعنية بالأمن القومي (المجموعة الوزارية المعنية بالأمن) اجتماعاً في وقت مبكر من يوم 30 نيسان/أبريل، أصدرت عقبه البيان التالي: "لقد طرحت إسرائيل مسائل جوهرية أمام الأمم المتحدة بغيـة بحثها بصورة نزيهة. وما دامت هذه الشروط لم تستوف، فلن يتسنى البدء في عملية التوضيح". ومع عدم صدور أية بادرة رسمية تنم عن الشروط التي ستتعاون على أساسها حكومة إسرائيل مع فريق تقصي الحقائق، جرى استعراض ذلك البيان استناداً إلى التصريحات المختلفة الصادرة عن كبار المسؤولين الإسرائيليين والمحادثات الهاتفية التي أجريتها معهم. وخلصت على مضض إلى استنتاج مؤداه أن إسرائيل، مع مواصلتها الإعراب عن شواغلها للأمم المتحدة في شكل مسائل إجرائية أساساً، قد أصبحت لديها شواغل ذات طبيعة أساسية بشأن قرار مجلس الأمن 1405 (2002).

(ز) وطوال هذه العملية، كانت الأمم المتحدة تبذل قصارى جهدها من أجل مراعاة شواغل حكومة إسرائيل في إطار الولاية التي أسندها مجلس الأمن إليّ. فقد أُوضح بجلاء أن المهمة الموكلة إلى الفريق تتمثل تحديداً في استقاء المعلومات بشأن الأحداث التي وقعت في جنين مؤخراً وأن الوقائع المثبتة لن تستعمل إلا لأغراض التقرير الذي سيقدمه الفريق إليَّ. وفي اعتقادي أن الفريق كان سيضطلع بمهمته في الميدان على نحو يتسم بالنزاهة والاحتراف ويعد تقريراً يتسم بالدقة والشمول والتوازن والمصداقية.

(ح) ومن الواضح أن التعاون التام من كلا الجانبين كان شرطاً أساسياً لهذا، وكذلك القيام بزيارة للمنطقة ذاتها لمعاينة مخيم جنين للاجئين معاينة مباشرة ولجمع المعلومات. وهذا هو ما دعا الأمانة العامة إلى الانخراط في عملية توضيح شاملة مع الوفد الإسرائيلي.

(ط) وفي ضوء إعلان الحكومة الإسرائيلية الصادر أمس، يبدو واضحاً أن الفريق لن يتمكن من التوجه إلى المنطقة والشروع في مهمته في المستقبل القريب. وفي حين أنني لم أتلق أي رسائل كتابية أخرى من الحكومة الإسرائيلية منذ 27 نيسان/أبريل، فقد حدث خلال محادثاتي الهاتفية على مدى اليومين الماضيين، أثار مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى مسائل إضافية إلى تلك التي أثارها الوفد الذي قدم إلى نيويورك في الأسبوع الماضي، ولاحت دلائل على أن هذه القائمة قد لا تكون نهائية.

(ي) وكما ذكرت الأمانة العامة في إحاطاتها المقدمة إلى المجلس، يشكل الوقت عاملاً حاسماً أيضاً في هذا الصدد. فمع التغير الذي يطرأ كل يوم على الوضع في مخيم جنين للاجئين، سيصعب أكثر فأكثر التثبت بأي قدر من الوثوق أو الدقة من "الأحداث الأخيرة" التي وقعت هناك.
(ك) ولهذه الأسباب، فإنني أعتزم حل فريق تقصي الحقائق غداً. ويؤسفني عدم تمكني من توفير المعلومات التي طلبهـا مجلـس الأمن في القرار 1405 (2002)، ولا سيما أن الظلال الكثيفة التي ألقتها الأحداث التي وقعت مؤخراً في مخيم جنين ستظل باقية في غيبة مثل هذه العملية لتقصي الحقائق.

5 - وفي 3 أيار/مايو 2002، قمت بحل الفريق. وأعربت، في رسالتي إلى رئيس مجلس الأمن لأعلمه بهذا الأمر، عن بالغ تقديري للرئيس اتيساري والسيدة أوغاتا والسيد سوماروغا ولسائر أعضاء الفريق لما بذلوه من جهود في دعم الإجراءات التي اتخذتها بغية تنفيذ القرار 1405 (2002). وذكرت في هذا السياق أنني كنت واثقاً كل الثقة من أن الفريق كان سيتصرف على نحو يتسم بالنزاهة والاحتراف في إعداد التقرير الذي طلبه المجلس.

ثالثاً - التقرير المعـد عملا بالفقرة 6 من القرار د إ ط – 10/10

أ- مقدمة:

6- امتثـالاً لطلب الجمعية العامـة الوارد في القرار د إ ط – 10/10، وجه وكيل الأمين العام للشؤون السياسية في 14 أيار/مايو 2002 رسالتين إلى الممثل الدائم لإسرائيل والمراقب الدائم لفلسطين لدى الأمم المتحدة، طالباً منهما تقديم معلومات تتصل بتنفيذ ذلك القرار. وبالإضافة إلى ذلك، وجه وكيل الأمين العام للشؤون السياسية، في 14 أيار/مايو 2002، مذكرة شفوية إلى سائر الدول الأعضاء وبعثات المراقبين طلب فيها تقديم المعلومات ذات الصلة. وفي 3 حزيران/يونيو 2002، وجه وكيل الأمين العام للشؤون السياسية مذكرة شفوية أخرى إلى الدول الأعضاء وبعثات المراقبين مدد فيها الموعد النهائي لتقديم تلك المعلومات إلى 14 حزيران/يونيو 2002.

7- وفي 3 حزيران/يونيو 2002، ورداً على رسالة وكيل الأمين العام للشؤون السياسية، قدم المراقب الدائم لفلسطين مواد تتعلق بالأحداث الأخيرة في جنين وغيرها من المدن الفلسطينية (انظر المرفق الأول). وبالإضافة إلى ذلك، قدمت خمس من الدول الأعضاء وبعثات المراقبين معلومات رداً على المذكرة الشفوية المؤرخة 14 أيار/مايو (انظر المرفقات الثاني إلى الرابع). وحتى تاريخ تقديم هذا التقرير، لم ترد حكومة إسرائيل على طلب تقديم المعلومات. ونظراً إلى عدم ورود رد من إسرائيل، اعتمدت الأمم المتحدة على التصريحات الصادرة عن المسؤولين الإسرائيليين وغيرها من وثائق حكومة إسرائيل المتاحة للعموم وذات الصلة بالطلب الوارد في القرار د إ ط – 10/10.

8- ويشمل هذا التقرير الفترة من قرابة بداية شهر آذار/مارس إلى 7 أيار/مايو 2002. وتمشياً مع طلب الجمعية العامة، يستند الجزء الموضوعي من هذا التقرير إلى مصادر المعلومات المتاحة للأمم المتحدة، بما في ذلك المعلومات الموجودة على المشاع والمقدمة من المنظمات غير الحكومية. ويبدأ التقرير ببيان السياق والخلفية، قبل التطرق إلى وصف الأحداث الأخيرة.

ب- المسؤوليات المتعلقة بالأمن والشؤون الإنسانية وحقوق الإنسان:

9- بعد التوقيع على إعلان المبادئ المتعلق بترتيبات الحكم الذاتي المؤقت في 13 أيلول/سبتمبر 1993، وقَّعت حكومة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية اتفاقاً آخر حدد، ضمن جملة أمور، مسؤوليات الجانبين المتصلة بالأمن. وتضمن الاتفاق الإسرائيلي – الفلسطيني المؤقت بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة، الذي وقعته إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في 28 أيلول/سبتمبر 1995، تفاصيل الآليات المتعلقة بمد نطاق الحكم الذاتي الفلسطيني إلى أجزاء من الضفة الغربية. وكان العنصر الرئيسي في هذا الاتفاق هو تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق، تختلف درجات المسؤولية الإسرائيلية والمسؤولية الفلسطينية في كل منها. فالمنطقة ألف تتألف من المدن الفلسطينية الكبرى السبع، جنين وقلقيلية وطولكرم ونابلس ورام الله وبيت لحم وأريحا والخليل، وتكون فيها للفلسطينيين المسؤولية الكاملة عن الأمن المدني. أما المنطقة باء، التي تشمل كل المراكز السكانية الفلسطينية الأخرى (عدا بعض مخيمات اللاجئين)، فتحتفظ إسرائيل فيها بـ "المسؤولية العليا عن الأمن". وفي المنطقة جيم، التي تشمل جميع المستوطنات والقواعد والمناطق العسكرية وأراضي الدولة، تحتفظ إسرائيل وحدها بالمسؤولية عن الأمن. وتشكل المنطقة ألف 10 في المائة تقريبا من أراضي الضفة الغربية.

10- وينص الاتفاق المؤقت أيضاً على أن "تكون لإسرائيل المسؤولية العليا عن الأمن لغرض حماية الإسرائيليين ومواجهة خطر الإرهاب". وينص الاتفاق على أن "يتخذ كلا الجانبين كل التدابير اللازمة لمنع أعمال الإرهاب والجرائم وأعمال القتال الموجهة من طرف ضد الطرف الآخر، والموجهة ضد أفراد خاضعة لسلطة الطرف الآخر وضد ممتلكاتهم، ويتخذ التدابير القانونية في حق الجناة".

11- والتزامات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة مبينة في اتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين في وقت الحرب المؤرخة 12 آب/أغسطس 1949 التي تمثل إسرائيل واحداً من الأطراف السامية المتعاقدة فيها. ويعتبر السكان الفلسطينيون في الأرض المحتلة "أشخاصاً محميين" بموجب الاتفاقية، التي تنص على أنه لا يجوز قتلهم عمداً أو تعذيبهم أو أخذهم رهائن أو إخضاعهم لمعاملة مهينة أو حاطة بالكرامة. وتقع على عاتق إسرائيل التزامات بألا تزاول أعمال العقاب أو القصاص الجماعي وأن تمتنع عن مصادرة ممتلكات الأشخاص المحميين أو إلحاق دمار واسع النطاق بها إلا إذا كانت "العمليات العسكرية تقتضي بصورة لا مناص منها هذا التدمير".

12- ولم تقبل حكومة دولة إسرائيل بعد، حتى وقت تقديم هذا التقرير، بانطباق اتفاقية جنيف الرابعة لعام 19499؟، قانوناً، على كل الأرض المحتلة منذ عام 1967. وذكرت إسرائيل أنها تتعهد بالتقيد في إدارتها للأرض الفلسطينية المحتلة بأحكام الاتفاقية المتعلقة بالجوانب الإنسانية. وتصر الأطراف السامية المتعاقدة الأخرى وكذلك لجنة الصليب الأحمر الدولية، على أن الاتفاقية تنطبق، قانوناً، على الأرض الفلسطينية المحتلة.

13- أما السلطة الفلسطينية فهي ملزمة بموجب القانون العرفي الدولي باحترام حقوق الإنسان، بما في ذلك الامتناع عن شن الهجمات ضد المدنيين، ومطلوب منها أن تمنع الجماعات الموجودة داخل إقليمها من شن تلك الهجمات. ومن ثم، فإن على السلطة الفلسطينية مسؤولية حماية المدنيين الإسرائيليين من الهجمات التي تصدر من المناطق الخاضعة لسيطرتها الأمنية، بما في ذلك التفجيرات الانتحارية. والجماعات الفلسطينية التي قامت بهجمات ضد المدنيين، تعد منتهكة أيضاً لمبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي، هو مبدأ حرمة حياة المدنيين وممتلكاتهم. وأعمال الإرهاب التي تودي بالحياة تنتهك الحق في الحياة المنصوص عليه في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ويضاف إلى ذلك أن القانون الإنساني الدولي يحظر على هذه الجماعات، وغيرها من الأفراد المسلحين، إقامة قواعد عسكرية في المناطق المدنية الكثيفة السكان.

ج– تصاعد العنف:

14- منذ أيلول/سبتمبر 2000 الذي اندلعت فيه هذه الأزمة التي تم بيان مصادرها الأساسية بياناً شاملاً في تقرير لجنة تقصي الحقائق المنشأة في شرم الشيخ والتي تولى رئاستها السيناتور السابق جورج ميتشيل، ظل العنف بين الطرفين متصلاً مع تفاوت في شدته، وتسبب حتى 7 أيار/مايو 2002 في مصرع 441 إسرائيليا و1539 فلسطينياً. ومع بداية عام 2002، دخل الطرفان بالفعل في دورة متسارعة من الهجمات العنيفة المتبادلة. وأخذت شدة دورة العنف هذه تزداد شدة طيلة الأشهر الأولى من هذا العام. وبلغ العنف ذروته في شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل، اللذين شهدا ازدياداً في تواتر الهجمات التفجيرية الانتحارية ضد الإسرائيليين من جانب الجماعات الفلسطينية، كما شهدا موجتين من موجات توغل جيش الدفاع الإسرائيلي في البلدات والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية، بما في ذلك المناطق الداخلة في نطاق المسؤولية الإدارية والأمنية للسلطة الفلسطينية.

15- وفي 12 آذار/مارس 2002، وبعد سلسلة من الهجمات الإرهابية قام بها فلسطينيون في وقت سابق من ذلك الشهر، وقرب انتهاء الموجة الأولى من موجات توغل جيش الدفاع الإسرائيلي في الضفة الغربية، أبلغت مجلس الأمن في جلسة إحاطة، أنني أعتقد أن التوتر بين الإسرائيليين والفلسطينيين بلغ نقطة الغليان، وأن الوضع صار في أسوأ حالة له منذ 10 سنوات ودعوت الفلسطينيين إلى وقف جميع أعمال الإرهاب وجميع التفجيرات الانتحارية، قائلاً إن هذه الهجمات مستهجنة أخلاقياً وتلحق الضرر بقضيتهم. كما دعوت الإسرائيليين إلى إيقاف قصف المناطق المدنية، وأعمال القتل بدون محاكمة، وهدم المباني، والإذلال اليومي للفلسطينيين العاديين. وأكدت أن هذه الأعمال تضعف بشدة المكانة الدولية لإسرائيل، وتلهب نيران الكراهية واليأس والتطرف لدى الفلسطينيين. وأخيراً، حثثت الزعيمين السياسيين للشعبين – رئيس الوزراء شارون والرئيس عرفات – على أن يقودا شعبيهما بعيداً عن الكارثة.

16- واستمرت الهجمات الإرهابية الفلسطينية ضد الإسرائيليين، وأعقبتها عمليات توغل عسكري إسرائيلي في الأراضي الفلسطينية. وفي 4 نيسان/أبريل، أي بعد أسبوع واحد من بدء موجة التوغل الثانية في الضفة الغربية – أي عملية الدرع الواقي التي قام بها جيش الدفـاع الإسرائيلي – قمت مرة أخرى باطلاع مجلس الأمن على الحالة ودعوت جميع أعضاء المجتمع الدولي إلى النظر على وجه الاستعجال في كيفية التدخل على أفضل وجه لدى الطرفين لاقناعهما بالرجوع عن مسلكهما الراهن. وقلت لمجلس الأمن إن الدفاع عن النفس ليس رخصة بلا حدود، وإن التصدي للإرهاب لا يعفي إسرائيل بأي حال من الأحوال من التزاماتها بموجب القانون الدولي، ولا يبرر إيجاد أزمة فيما يتعلق بحقوق الإنسان وبالحالة الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة. وكذلك بدا أن السلطة الفلسطينية تعتقد أن عدم اتخاذ إجراءات ضد الإرهاب، وإحداث الاضطراب والفوضى وعدم الاستقرار، سيؤديان بحكومة إسرائيل وشعبها إلى الرضوخ للضغوط، وهو ما أعتقد أنه لن يحدث. ودعوت حكومة إسرائيل إلى أن تمتثل لقرار مجلس الأمن 1402 (2002) وتسحب قواتها من الأرض الفلسطينية التي احتلتها خلال عملية الدرع الواقي. وحثثت الرئيس عرفات على ممارسة الزعامة السياسية وتحديد المسار لمستقبل شعبه.

17- وفي أكثر من مناسبة خلال هذه الفترة البالغة الصعوبة، أعربت لمجلس الأمن عما أراه من أنه على الرغم من أن الشعور بالمرارة واليأس لدى الجانبين بلغ ذروة لم يبلغها في أي وقت مضى، فإن من الضروري لنا جميعاً أن نتمسك بالإيمان بأنه، مهما طال الزمن، سيأتي يوم تتحقق فيه تسوية سلمية لهذا الصراع. وفي حين أن طريق العودة إلى طاولة المفاوضات لن يكون سهلاً أو سلساً، فإنه لا بد للجانبين من أن يقوما من جديد بمساعدة المجتمع الدولي، ببدء عملية تستند إلى قراري مجلس الأمن 1397 (2002) و1402 (2002)، اللذين يوفران، إذا ما أخذا معاً، رؤية لتسوية دائمة للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، واتخاذ الخطوات الأمنية والسياسية الفورية اللازمة لتجاوز الأزمة الراهنة.

18- ومن بداية آذار/مارس وحتى 7 أيار/مايو، تعرضت إسرائيل لما يقرب من 16 تفجيراً، كانت أغلبيتها الكبرى هجمات انتحارية. وقتل من جراء هذه التفجيرات أكثر من 100 شخص وأصيب أعداد كبيرة بجروح. وطوال هذه الفترة، كررت حكومة إسرائيل والمجتمع الدولي النداءات التي سبق توجيهها إلى السلطة الفلسطينية بأن تتخذ خطوات لوضع حد للهجمات الإرهابية واعتقال مرتكبيها.

19- وخلال هذه الفترة ذاتها، نفذ جيش الدفاع الإسرائيلي موجتين من موجات التوغل العسكري شملتا الضفة الغربية أساساً، كما قام بضربات جوية لكل من الضفة الغربية وقطاع غزة. وبدأت الموجة الأولى في 27 شباط/فبراير وانتهت في 14 آذار/مارس بالتقريب. وشملت عمليات التوغل هذه، التي قالت إسرائيل إنها تشكل مطاردة للفلسطينيين الذين قاموا بهجمات ضد الإسرائيليين، استخدام القوات البرية، وطائرات الهليكوبتر الهجومية، والدبابات، والنفاثات المقاتلة من طراز F-16 في المناطق المدنية، بما فيها مخيمات اللاجئين، الأمر الذي تسبب في حدوث خسائر جسيمة في الأرواح في صفوف المدنيين.

20- وعلى مدى يومين هما 8 و 9 آذار/مارس، قُتل 18 إسرائيلياً في هجومين فلسطينيين منفصلين وقتل 48 فلسطينياً في الغارات الإسرائيلية التي تبعتهما.

21- وكانت الأعمال الانتقامية العسكرية الإسرائيلية التي تشن رداً على الهجمات الإرهابية تستهدف في كثيراً من الأحيان القوات والمنشآت الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية. وأدى هذا إلى إضعاف خطير لقدرة السلطة الفلسطينية على اتخاذ إجراءات فعالة ضد الجماعات المقاتلة التي تشن الهجمات على الإسرائيليين. واستغلت الجماعات المقاتلة هذا الفراغ المتنامي، فزادت من هجماتها على المدنيين الإسرائيليين. وفي كثير من الحالات كان مرتكبو هذه الهجمات يتركون رسائل مؤداها أن أعمالهم هذه كانت على وجه التحديد ثأراً من أعمال انتقامية إسرائيلية سابقة، مما يؤدي إلى استمرار واشتداد دورة العنف والثأر والانتقام.

22- وهذه هي الخلفية التي تم القيام إزاءها بأضخم عملية من عمليات التوغل العسكري الإسرائيلي على مدى عقد من الزمن، وهي العملية المسماة عملية الدرع الواقي. وكان السبـب المباشر لهذه العملية هو هجوم إرهابي ارتكب في 27 آذار/مارس في مدينة ناتانيا الإسرائيلية قتل فيه 28 شخصاً وأصيب 140 شخصا بجروح. وقد أدنت هذا الهجوم الإرهابي من مؤتمر قمة جامعة الدول العربية المعقود في بيروت، بوصفه عملاً مستهجناً أخلاقياً ووصفته فيما بعد لمجلس الأمن بأنه ضربة موجهة إلى إمكانية التعايش في حد ذاتها. وفي 29 آذار/مارس 2002، أصدر مجلس وزراء حكومة إسرائيل بلاغاً أقر فيه "خطة عمليات واسعة النطاق لمكافحة الإرهاب الفلسطيني"، ووافق فيه، تحقيقاً لهذا الهدف، على "استنفار الاحتياطي وفقاً لما تقتضيه احتياجات العمليات". وكان الهدف هو "دحر البنية الأساسية للإرهاب الفلسطيني ومنع تكرار الهجمات الإرهابية المتعددة التي منيت بها إسرائيل".

 د- عملية الدرع الواقي:

23- بدأت عملية الدرع الواقي يوم 29 آذار/مارس بعملية توغل قوات جيش الدفاع الإسرائيلي في رام الله، التي احتلت خلالها معظم المباني في مجمع مقر الرئيس عرفات. وأعقب ذلـك القيـام بعمليات في طولكرم وقلقيلية في 1 نيسان/أبريل، وبيت لحم في 2 نيسان/أبريل، وفي جنين ونابلس في 3 نيسان/أبريل. وبحلول 3 نيسان/أبريل، كانت القوات الإسرائيلية قد احتلت ستا من أكبر المدن في الضفة الغربية، بالإضافة إلى البلدات والقرى ومخيمات اللاجئين المحيطة بها. وأعلن جيش الدفاع الإسرائيلي انتهاء العملية رسمياً في 21 نيسان/أبريل عندما أكملت القوات انسحابها من نابلس وأجزاء من رام الله، مع استمرار المفاوضات لرفع الحصار عن كنيسة المهد في بيت لحم. ولم يكن انسحاب جيش الدفاع الإسرائيلي من المدن الفلسطينية، بصفة عامة، إلى المواقع التي كان يحتلها قبل 29 آذار/مارس، بل إلى مواقع تطوِّق المدن. ومنذ ذلك الوقت، قام جيش الدفاع الإسرائيلي بعمليات توغل أخرى في كثير من البلدات والمدن الفلسطينية التي انسحب منها عند انتهاء عملية الدرع الواقي، ووقت إعداد هذا التقرير، دخلت قواته مرة أخرى كثيراً من البلدات الفلسطينية.

24- وهناك عدد من الملاحظات المتصلة بالموضوع عموماً يمكن إبداؤها على توغل جيش الدفاع الإسرائيلي في المدن الفلسطينية خلال عملية الدرع الواقي. ففي كل مرة، كانت القوات الإسرائيلية تدخل المدن مدعومة بالدبابات وناقلات الجنود المدرعة وتفرض حظر التجول على سكانها المدنيين. وفي حالة كل مدينة، كانت القوات الإسرائيلية تدخل القرى ومخيمات اللاجئين المجاورة. وكان جيش الدفاع الإسرائيلي يعلن المدن التي دخلها "مناطق عسكرية خاصة مغلقة"، فيقيد، بل يمنع تماماً في بعض الأحيان حركة الموظفين الدوليين، بمن فيهم أحياناً موظفو المساعدة الإنسانية والطبية فضلاً عن مراقبي حقوق الإنسان والصحفيين. ونتيجة لهذه القيود على الحركة، بما في ذلك فرض حظر التجول على مدار الساعة طوال العملية مع رفعه من حين إلى آخر، عانى المدنيون من سكان المدن صعوبات جمة، ضاعف من أثرها في بعض الأماكن القتال الواسع النطاق الذي وقع أثناء العملية. وكما حدث في الموجة الأولى من عمليات التوغل الإسرائيلي التي وقعت في الفترة من 27 شباط/فبراير إلى 14 آذار/مارس الوارد وصفها أعلاه، استخدمت قوات جيش الدفاع الإسرائيلي أثناء عملية الدرع الواقي، في كثير من الأحيان، الأسلحة الثقيلة في المناطق المدنية الفلسطينية.

25- وكان جيش الدفاع الإسرائيلي يقوم في كل عملية توغل باعتقال الفلسطينيين الذين يعتقد أنهم ضالعون في الأعمال المسلحة ضد إسرائيل، بما في ذلك التفجيرات الانتحارية وغيرها من الهجمات الإرهابية ضد المدنيين الإسرائيليين. كما أنه عمل في معظم هذه العمليات، إلى تدمير الهياكل الأساسية التي تشكل في اعتقاده القدرة التنفيذية للجماعات المقاتلة، فضلاً عن الهياكل الأساسية لدوائر الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية. هذا بالإضافة إلى التسبب في حدوث أضرار واسعة النطاق للقدرة المدنية للسلطة الفلسطينية وللممتلكات الخاصة.

26- ولم تكن القيود المفروضة على حرية التنقل مقصورة على الشعب الفلسطيني وحده خلال عملية الدرع الواقي. ففي كثير من الأحيان، لم يتمكن العاملون في المنظمات الإنسانية من الوصول إلى الأشخاص المحتاجين لتقييم الأوضاع وإيصال المساعدة اللازمة بسبب إغلاق المدن ومخيمات اللاجئين والقرى أثناء عملية الدرع الواقي. وهناك أيضاً حالات لم تحترم فيها القوات الإسرائيلية حياد العاملين في مجال المساعدة الطبية والإنسانية وهاجمت سيارات الإسعاف.

27- وأكدت حكومة إسرائيل أن سيارات الإسعاف كانت تستخدم لنقل المقاتلين الفلسطينيين والأسلحة؛ وأن قوات جيش الدفاع الإسرائيلي تصرفت في كثير من الأحيان للحيلولة دون إساءة استخدامها. كما أعلنت أن سياسة جيش الدفاع الإسرائيلي هي السماح بحرية المرور في حالات الضرورة الإنسانية، وأن القوات الإسرائيلية تقدم بصفة مستمرة المساعدات الغذائية والطبية إلى الشعب الفلسطيني.

28- ونتيجـة للقيود الصارمة المفروضة على التنقل، لم يتمكن العاملون في مجال حقوق الإنسان والصحفيون من مراقبة سلوك الطرفين وتقديم تقارير مستقلة عن ذلك السلوك. وأبلغ بعض الصحفيين أنهم تعرضوا لإطلاق النار من أفراد في جيش الدفاع الإسرائيلي.

29- ووردت تقارير عديدة تفيد بأن جنود جيش الدفاع الإسرائيلي كانوا يجبرون المدنيين الفلسطينيين على مرافقتهم أثناء تفتيش المنازل، وعلى فحص الأشياء المريبة، والوقوف في خط إطلاق النار من المقاتلين وحماية الجنود من الخطر بطرق أخرى. ويدعي الشهود بأن هذا جرى في مخيم جنين وفي غيره من المدن الفلسطينية. وفي حين أقرّ جنود جيش الدفاع الإسرائيلي في تقارير صحفية بأنهم أجبروا الفلسطينيين على قرع الأبواب من أجل تفتيش المنازل، فإنهم ينكرون قيامهم عمداً باستخدام المدنيين كدروع بشرية. وأنكرت الحكومة الإسرائيلية أن أفرادها العسكريين يتبعون هذه الممارسة بصورة منتظمة. ورداً على التماس قدمته خمس منظمـات إسرائيلية وفلسطينية ودولية لحقوق الإنسان في 5 أيار/مايو، أبلغ مكتب النائب العام في الحكومة الإسرائيلية المحكمة العليا في إسرائيل أنه "نظراً للشكاوى التي وردت من مصادر شتى... وبغية تجنب جميع الشكوك، قرر جيش الدفاع الإسرائيلي أن يصدر على الفور أمراً قاطعاً... بأنه يحظر تماماً أن تقوم القوات في الميدان باستخدام المدنيين بوصفهم "دروعاً حية".

30- ووفقاً لما أفادت به جماعات حقوق الإنسان المحلية، اعتُقل ما يزيد على 8500 فلسطيني في الفترة ما بين 27 شباط/فبراير و20 أيار/مايو. وأفادت التقارير بأن معظم الفلسطينيين الذين اعتُقلوا خلال الموجة الأولى من عمليات التوغل الإسرائيلي في شباط/فبراير وآذار/مارس، البالغ عددهم 2500 قد أفرج عنهم في غضون اسبوع واحد، بينما احتجز عدد كبير من الفلسطينيين الذين اعتُقلوا خلال عملية الدرع الواقي الذين يزيد عددهم على 6000 شخص بعد 29 آذار/مارس لفترات أطول دون أي اتصال خارجي. وفي 5 نيسان/أبريل، أصدر قائد القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية الأمر العسكري 1500، الذي أعطى للجنود سلطة استبقاء المحتجزين لفترة تصل إلى 18 يوماً دون إمكانية الاتصال بمحام أو بأفراد الأسرة أو المثول أمام القضاء. ويمكن تمديد هذا النوع من الاحتجاز بأمر من قاض عسكري لمدة تصل إلى 90 يوماً. وقد صدر الأمر بأثر رجعي ابتداء من 29 آذار/مارس وكان صالحاً لمدة 60 يوماً. وبحلول 6 أيار/مايو، كان عدد الفلسطينيين المعتقلين في إطار عملية الدرع الواقي، حسبما يدّعى، 7000 شخص، منهم 1500 شخص ما زالوا رهن الاحتجاز. وفي حالات كثيرة أثناء العملية، كانت القوات الإسرائيلية تتبع أسلوب استخدام مكبرات الصوت لاستدعاء الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و45 سنة. ووفقاً لتقارير جماعات حقوق الإنسان، كانت أعداد كبيرة من الرجال المعتقلين تعصب أعينهم وتكبل أيديهم، ولا يُسمح لهم باستخدام المرحاض، ويحرمون من الطعام أو البطانيات خلال اليوم الأول في الاحتجاز.

31- وبالإضافة إلى الأمر العسكري 1500، لدى الحكومة الإسرائيلية أيضاً إمكانية تطبيق إجراء الاحتجاز الإداري الذي تستطيع بموجبه إيداع المحتجزين في المعتقلات دون أي اتهـام أو محاكمة، وهـو إجراء يمكن تجديده إلى ما لا نهاية. وقد أبلغ جيش الدفاع الإسرائيلي ومحامي الدولة هيئة العفو الدولية أن ما بين 450 و990 شخصاً كانوا رهن الاحتجاز الإداري في أيار/مايو 2002.

32- ومما يدعو إلى القلق بصفة خاصة استخدام المقاتلين من كلا الجانبين للعنف الذي يعرِّض المدنيين للخطر. وقد وقع الجانب الأكبر من القتال أثناء عملية الدرع الواقي في مناطق مكتظة بالسكان المدنيين، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن الجماعات الفلسطينية المسلحة التي تتعقبها القوات الإسرائيلية تضع مقاتليها ومنشآتها وسط المدنيين. ويُزعم بأن الفلسطينيين قاموا على نطاق واسع بتفخيخ منازل المدنيين بشراك خداعية، وهي أعمال تستهدف أفراد جيش الدفاع الإسرائيلي ولكنها أيضاً تعرِّض المدنيين للخطر. وتفيد التقارير بأن القوات الإسرائيلية استخدمت الجرافات والقصف بالدبابات وإطلاق الصواريخ، أحياناً من طائرات الهليكوبتر، في المناطق المأهولة.

33- وقد نجم عن عملية الدرع الواقي دمار واسع النطاق في الممتلكات الفلسطينية الخاصة والعامة. وأصيبت نابلس بأضرار بالغة بصفة خاصة، ولا سيما في البلدة القديمة، التي كانت تحوي الكثير من المباني ذات الأهمية الثقافية والدينية والتاريخية. ويبدو أن القدر الأكبر من الدمار الذي وقع أثناء القتال كان نتيجة استخدام القوات الإسرائيلية للدبابات وطائرات الهليكوبتر الحربية والجرافات. وقد قامت وكالات الأمم المتحدة وغيرها من الوكالات الدولية، عندما سُمح لها بدخول رام الله والمدن الفلسطينية الأخرى، بتوثيق وجود أضرار مادية واسعة النطاق للممتلكات المدنية التابعة للسلطة الفلسطينية. وشملت هذه الأضرار تدمير معدات المكاتب، مثل الحواسيب وأجهزة الاستنساخ الفوتوغرافي، التي لا يبدو أنها ذات صلة بالأهداف العسكرية. ومع أن جيش الدفاع الإسرائيلي أنكر أن هذا التدمير كان منتظماً، فقد اعترف بأن أفراداً تابعين له قاموا ببعض الأعمال التخريبية، وأنه يجري بعض المحاكمات ذات الصلة بالموضوع.

34- وبررت حكومة إسرائيل كلا من عمليات التوغل بأنها كانت ضرورية لتدمير البنية التحتية للجماعات المقاتلة الفلسطينية التي شنّت هجمات على إسرائيل بتواتر متزايد في شباط/فبراير وآذار/مارس 2002. وفي كل حالة من تلك الحالات، نشرت إسرائيل معلومات عن تقييمها للبنية التحتية للجماعات المقاتلة. وترد تفاصيل أخرى عن هذه المعلومات في فروع التقرير التي تصف الأحداث التي وقعت في مدن فلسطينية محددة.

35- وقد كانت عمليات إغلاق المدن والقرى ومخيمات اللاجئين وحظر التجول باهظة التكلفة من الوجهة الإنسانية بالنسبة للسكان المدنيين في المناطق المتضررة. ومما ضاعف من ذلك العبء في معظم المدن التي احتلت أثناء عملية الدرع الواقي طول الفترات الزمنية التي كانت فيها المرافق (الكهرباء والمياه والهاتف) مقطوعة أو مقلّصة بدرجة شديدة. وبعد فترة أولية كان حظر التجول فيها مفروضاً على مدار الساعة دون رفع، فرضت القوات الإسرائيلية نظاماً للرفع الدوري. وتسببت عمليات الإغلاق وحظر التجول في حدوث مشاكل غير عادية بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من مشاكل طبية مزمنة وعجزوا عن الحصول على الرعاية والأدوية. وبعد رفع الإغلاق، أصبح بوسع الوكالات الإنسانية، أن تقيِّم حالة السكان المتضررين، وأبلغت عن وجود نقص في الأغذية وغيرها من اللوازم الأساسية بين الفلسطينيين المتضررين من هذه العمليات. وبالإضافة إلى هذه الآثار الإنسانية التي نجمت عن حالات الإغلاق وحظر التجول، كانت القيود ذات آثار اقتصادية مدمرة، حيث أدت عملياً إلى تعطيل اقتصاد السلطة الفلسطينية بإعاقة النشاط التجاري العادي وحالت دون ذهاب الفلسطينيين إلى أعمالهم.

36- وقد تواصلت الهجمات الإرهابية ضد المدنيين الإسرائيليين في أعقاب عملية الدرع الواقي، وتعرّضت معظم المدن الفلسطينية لمزيد من الغارات الإسرائيلية عليها بعد انتهاء العملية لغاية نهاية الفترة قيد النظر في هذا التقرير.

هاء - الآثار العامـة لعمليـات التوغل على الشعب الفلسطيني

37 - وفقا لتقرير أعدته وكالات الأمم المتحدة في الأرض الفلسطينية المحتلة، كانت الآثار الإنسانية والإنمائية لموجتي عمليات التوغل الإسرائيلي في المدن الفلسطينية على النحو التالي:

(أ) قُتل 497 فلسطينياً في المجموع خلال إعادة احتلال القوات الإسرائيلية للمناطق الفلسطينية "ألف" في الفترة من 1 آذار/مارس إلى 7 أيار/مايو 2002 وفي أعقاب ذلك مباشرة.

(ب) أبلغت السلطات الصحية الفلسطينية وجمعية الهلال الأحمر الفلسطينية أن نحو 1447 شخصاً جُرحوا، منهم نحو 538 شخصاً أصيبوا بأعيرة حية (في نفس الفترة).

(ج) فُرض حظر التجول على مدار الساعة في المدن ومخيمات اللاجئين والبلدات والقرى مما أثّر على حياة ما يقدر بمليون شخص؛ أكثر من 600000 منهم ظلوا يعيشون في ظل حظر التجول لمدة أسبوع، في حين عاش 220000 شخص من المقيمين في الحضر في ظل حظر التجول لفترة أطول دون إمدادات حيوية أو إمكانية الحصول على الإسعاف الأولي.

(د) ما زالت عمليات الإغلاق الداخلي والخارجي القاسية تؤدي إلى شل النشاط الاقتصادي المعتاد، وانتقال الأشخاص والسلع في جميع أنحاء الضفة الغربية؛ أما في قطاع غزة، فقد أدت عمليات الإغلاق الداخلي التي لا سابقة لها والتي استمرت 38 يوماً إلى تقسيم القطاع إلى ثلاث مناطق منعزلة بصورة متقطعة.

(هـ) أدى حظر التجول لفترات مطوّلة، الذي ضاعفت من أثره القيود الشديدة المفروضة على التداول التجاري للإمدادات، إلى جعل حالة الأمن الغذائي في الأرض الفلسطينية المحتلة تصل إلى حد الخطر: حيث اعتبر أن أكثر من 630000 شخص أو حوالي 20 في المائة من السكان المقيمين معرّضين للخطر من وجهة الأمن الغذائي.

(و) لوحظ بصورة متزايدة وجود نقص في الأغذية في مختلف مناطق الأرض الفلسطينية المحتلة، وكانت سوق الأغذية في غزة مضطربة بصفة خاصة. وأدت القيود المفروضة على استيراد الأغذية إلى حدوث زيادة معتدلة في مستوى أسعار الأغذية عموماً في الضفة الغربية وإلى ارتفاع كبير (يصل إلى 25-30 في المائة) في أسعار السلع الأساسية في قطاع غزة.

(ز) أصيب أكثر من 2800 وحدة سكنية للاجئين بأضرار وهُدِم أو دمِّر 878 منـزلاً خلال الفترة المشمولة بالتقرير، مما أدى إلى ترك أكثر من 17000 شخص بلا مأوى أو بحاجة إلى اصلاح المأوى.

(ح) تعرضت مساكن غير اللاجئين في نابلس ورام الله وبيت لحم وجنين وطولكرم وعدد من القرى المحيطة لأضرار تتراوح بين طفيفة وهيكلية.

(ط) مُنع الطلاب في ثمانية مناطق في الضفة الغربية من الانتظام في مدارسهم. ويقدّر أنه خلال الفترة المشمولة بالتقرير خسر الطلاب نحو 11000 يوم دراسي وضاعت 55000 حصة تعليمية.

(ي) أصيبت 50 مدرسة فلسطينية بأضرار من جراء الأعمال العسكرية الإسرائيلية، 11 منها دُمِّرت تماما، وتعرضت 9 منها للتخريب، واستخدمت 15 منها كمواقع أمامية عسكرية، و15 أخرى كمراكز اعتقال واحتجاز جماعي.

38- وحتى قبل العملية العسكرية الأخيرة، كانت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الضفة الغربية وغزة في حالة أزمة. ووفقاً لتقييم مكتب منسق الأمم المتحدة الخاص، شهدت فترة الـ 18 شهراً التي سادتها مواجهات وقيود على التنقل، قبل آذار/مارس ونيسان/أبريل، نقصاناً بنسبة تزيد على 20 في المائة في مستويات الإنتاج المحلي، ومعدلات بطالة لم يسبق لها مثيل، وانخفاضاً بنسبة 30 في المائة في نصيب الفرد من الدخل القومي، وزيادة معدل الفقر بأكثر من الضعف بالنسبة إلى ما يقارب 45 في المائة من الشعب الفلسطيني.

39- وبالرغم من أنه من المتعذر التحقق بدقة من حجم الآثار الاجتماعية – الاقتصادية لعمليات التوغل العسكري تفيد المعلومات الأولية المتاحة بحدوث تصاعد حاد في المصاعب التي يواجهها السكان. وتشير تلك المعلومات إلى أن النتيجة الاقتصادية الرئيسية لذلك كانت التوقف شبه الكامل لجميع الأنشطة الإنتاجية في المراكز الرئيسية للصناعة التحويلية، والبناء، والتجارة، والخدمات الخاصة والعامة في الضفة الغربية. وتمثل الأنشطة في هذه المراكز ما لا يقل عن 75 في المائة من قيمة السلع والخدمات المنتجة في الضفة الغربية. وتسبب توقف الإنتاج في حدوث خسائر مباشرة في دخول العاملين وأصحاب الأعمال التجارية، فضلاً عن نقصان في عائدات الضرائب للسلطة الفلسطينية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هناك صلات اقتصادية وثيقة بين المورِّدين والبائعين في المناطق الحضرية المتضررة بصورة مباشرة من ناحية، والمناطق الريفية من الناحية الأخرى، حيث تترتب على عزل المناطق الحضرية آثار سلبية كبيرة على المناطق الريفية. ويصدق هذا أيضاً على العلاقة بين الأعمال التجارية في القدس الشرقية والضفة الغربية.

40- وبالإضافة إلى عدم تمكن الأسر المعيشية من الوصول إلى الخدمات الطبية أو التعليمية أو غيرها من الخدمات خلال عملية الدرع الواقي، فقد حيل بين الناس ووسائل حصولهم على الدخل. وأدى ذلك إلى ضياع فرص الحصول على الدخل، الأمر الذي أدى بالتالي إلى زيادة الضغط على دخول الأسر المعيشية ومدخراتها وتفاقم الانخفاض الحاد في مستويات المعيشة خلال الأشهر الـ 18 الأخيرة. وستشهد الضفة الغربية نتيجة لذلك ارتفاعاً أكبر في مستويات الفقر في الأجل القصير إلى المتوسط.

41- ووفقاً لتقارير البنك الدولي، فإن تكاليف إصلاح الأضرار المادية والمؤسسية التي لحقت بالهياكل الأساسية المدنية للسلطة الفلسطينية من جراء الغارات على الضفة الغربية في آذار/مارس ونيسان/أبريل 2002، ستصل إلى ما مجموعه 361 مليون دولار من دولارات الولايات المتحدة.

42- ومع أن الأمم المتحدة ليست لها ولاية لرصد الأوضاع في إسرائيل والإبلاغ عنها، كما هو الحال في الأرض الفلسطينية المحتلة، فإنه من الواضح أن العنف، والهجمات الإرهابية على وجه التحديد، قد تسببت في حدوث معاناة هائلة للشعب الإسرائيلي ولاقتصاد البلد.
و- الأحداث الأخيرة في جنين:

مقدمة

43- في الساعات الأولى من يوم 3 نيسان/أبريل 2002، وفي إطار عملية الدرع الواقي، دخلت القوات الإسرائيلية مدينة جنين ومخيم اللاجئين المتاخم لها، وأعلنتهما منطقة عسكرية مغلقة، وقطعت جميع سبل الوصول إليهما، وفرضت حظر التجول عليهما على مدار الساعة. ووقت انسحاب قوات جيش الدفاع الإسرائيلي ورفع حظر التجول في 18 نيسان/أبريل، كان 52 فلسطينياً على الأقل، بينهم عدد يصل إلى النصف من المدنيين، و23 من الجنود الإسرائيليين قد قُتلوا. وجُرح عدد يزيد على ذلك بكثير. ودمِّر نحو 150 مبنى وأصبح عدد كبير آخر غير سليم من الوجهة الهيكلية. وأصبحـت أربعمائة وخمسون أسرة بلا مأوى. وتقدر قيمة الدمار الذي لحق بالممتلكات بنحو 27 مليون دولار من دولارات الولايات المتحدة.

مخيم جنين للاجئين قبل 3 نيسان/أبريل ‏2002‏:

44- عشية الاقتحام العسكري الإسرائيلي لمخيم اللاجئين في جنين في نيسان/أبريل، كان المخيم، الذي أنشئ في عام 1953، يضم ما يقرب من 14000 من الفلسطينيين، 47 في المائة منهم تقريباً إما دون الخامسة عشرة أو فوق الخامسة والستين من العمر. وكان المخيم ثاني أكبر مخيم للاجئين في الضفة الغربية من حيث عدد السكان وكان مكتظاً بالسكان، ويحتل مساحة تبلغ نحو 373 دونماً (كيلومتر مربع واحد). وقد أصبح مخيم جنين للاجئين خاضعاً للسيطرة الفلسطينية المدنية والأمنية بالكامل في عام 1995. وهو يقع على مقربة من مستوطنات إسرائيلية وقريب من "الخط الأخضر".

45- ووفقاً للمراقبين الفلسطينيين والإسرائيليين على السواء، كان يوجد في مخيم جنين، في نيسان/أبريل 2002، ما يقرب من 200 رجل مسلح من كتائب شهداء الأقصى، والتنظيم، ومنظمة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، ومنظمة حماس، يقومون بعمليات من المخيم. وتدعي حكومة إسرائيل أنه خلال الفترة من تشرين الأول/أكتوبر 2000 إلى نيسان/أبريل 2002، كان مخيم جنين المكان الذي خطط فيه وشُن منه 28 هجوماً انتحارياً.

46- ونشرت حكومة إسرائيل معلومات بشأن البنية التحتية داخل مخيم جنين لشن الهجمات. ويشير جيش الدفاع الإسرائيلي إلى أنه اكتشف في المخيم مخابئ للأسلحة ومختبرات للمتفجرات، كما يشير إلى عدد المقاتلين الفلسطينيين الذين قُتلوا أو اعتُقلوا هناك خلال "عملية الدرع الواقي". ويذكر الإسرائيليون الملصقات التي تمجد مرتكبي الهجمات الانتحارية بالقنابل والوثائق التي تصف جنين بأنها عاصمة الشهداءً مما يدّعي أن الجنود الإسرائيليين عثروا عليها في المخيم أثناء التوغل فيه.

47- وتقر الحكومة الإسرائيلية وجيش الدفاع الإسرائيلي أن جنودهما لم يكونوا مستعدين لمستوى المقاومة الذي واجهوه في مخيم جنين، حيث أشارا إلى أن ما واجهوه هناك "ربما كان الأشد قسوة والأكثر ضراوة". وكان جنود جيش الدفاع الإسرائيلي الذين اشتركوا في العملية، في معظمهم، من قوات الاحتياط الذين لم تتم تعبئتهم إلا يوم 17 آذار/مارس أو بعد ذلك. وكثيرون منهم لم يستدعوا إلا بعد الهجوم الذي وقع في ناتانيا يوم عيد الفصح 27 آذار/مارس.

توغل القوات الإسرائيلية في مدينة جنين ومخيم اللاجئين، 3-18 نيسان/أبريل ‏2002‏:

48- بالرغم من أن الروايات المباشرة المتاحة جزئية ويتعذر التثبت من صحتها، وغفل في كثير من الأحيان، فإنه من الممكن، من خلال مصادر الحكومة الإسرائيلية، والسلطة الفلسطينية، والأمم المتحدة، وغيرها من المصادر الدولية، تتبع تسلسل زمني تقريبي للأحداث التي وقعت داخل مخيم جنين في الفترة من 3 إلى 18 نيسان/أبريل 2002. وقد استمر القتال نحو 10 أيام وتميـّز بمرحلتين مستقلتين: المرحلة الأولى بدأت في 3 نيسـان/أبريل وانتهت في 9 نيسان/أبريل، في حين استغرقت المرحلة الثانية يومي 10 و11 نيسان/أبريل. وحدثت معظم الوفيات على كلا الجانبين في المرحلة الأولى ولكن يبدو أن معظم الأضرار المادية حدثت في المرحلة الثانية.

49- السلطة الفلسطينية ومنظمات حقوق الإنسان ادعت بأن قوات جيش الدفاع الإسرائيلي قامت، أثناء إدارة عملياتها في مخيم اللاجئين، بارتكاب أعمال قتل غير مشروعة، واستخدام دروع بشرية، واستعمال القوة بصورة غير متناسبة، وبعمليات اعتقال وتعذيب تعسفية، ومنع العلاج الطبي والمساعدة الطبية. ويشير جنود جيش الدفاع الإسرائيلي الذين اشتركوا في اجتياح جنين إلى حدوث انتهاكات للقانون الإنساني الدولي من جانب المقاتلين الفلسطينيين داخل المخيم، بما في ذلك تمركزهم في منطقة مدنية مكتظة بالسكان واستخدامهم للأطفال لنقل الشراك المفخخة وربما نصبها.

50- وفي رواية الحكومة الإسرائيلية عن العملية، قامت القوات الإسرائيلية أولاً بتطويق مدينة جنين وفرضت سيطرتها على مداخل المدينة ومخارجها وسمحت للسكان بمغادرتها طواعية. وهناك نحو11000 شخص فعلوا ذلك. ووفقاً للمصادر الإسرائيلية، فإن القوات الإسرائيلية اعتمدت في توغلها في المخيم على المشاة بالدرجة الأولى وليس على القوة الجوية والمدفعية في محاولة منها لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين إلى أدنى حد ممكن. ولكن روايات أخرى عن المعركة تشير إلى أن عدداً يصل إلى 60 دبابة ربما يكون قد استخدم حتى في الأيام الأولى. وتشير المقابلات التي أجرتها منظمات حقوق الإنسان مع شهود إلى أن الدبابات وطائرات الهليكوبتر وقوات برية تستخدم أسلحة صغيرة كانت سائدة خلال اليومين الأولين، وبعدها استخدمت الجرافات المدرعة لتدمير المنازل والهياكل الأخرى لكي توسع الممرات داخل المخيم.

51- وقامت القوات الإسرائيلية، مستخدمة مكبرات الصوت، بحث المدنيين باللغة العربية على إخلاء المخيم. وتشير بعض التقارير، بما في ذلك المقابلات التي أجريت مع جنود جيش الدفاع الإسرائيلي، إلى أن هذه التحذيرات لم تكن كافية وتجاهلها كثير من السكان. وقد فرّ عدد كبير مـن سكان مخيم جنين من المخيم قبل بدء الاجتياح الإسرائيلي أو مع بدايته. وغادر آخرون بعد 9 نيسان/أبريل. وتختلف التقديرات بشأن عدد المدنيين الذين بقوا في المخيم طوال الفترة ولكنه قد يصل إلى 4000 شخص.

52- وكما جاء في وصف الحكومة الإسرائيلية، "وقعت معركة شديدة في جنين، اضطر خلالها جنود جيش الدفاع الإسرائيلي إلى القتال بين المنازل المفخخة وحقول القنابل في جميع أنحاء المخيم، الذي أعدّ مقدماً كميدان قتال مفخخ". وتعترف السلطة الفلسطينية بأن "عدداً من المقاتلين الفلسطينيين قاوموا الهجوم العسكري الإسرائيلي وكانوا مسلحين ببنادق فقط و... متفجرات بدائية". وقدّم متحدث باسم جيش الدفاع الإسرائيلي صورة للمقاومة تختلف عن ذلك اختلافاً طفيفاً، حيث ذكر أن الجنود واجهوا "أكثر من 1000 عبوة متفجرة، وعبوات متفجرة حية، وبعض العبوات المتفجرة الأكثر تطوراً،... مئات من القنابل اليدوية... ومئات من الرجال المسلحين". وتؤيد تقارير حقوق الإنسان الروايات التي تؤكد أن بعض المباني كانت مفخخة من قِبل المقاتلين الفلسطينيين.

53- وليس هناك شك في أن جيش الدفاع الإسرائيلي واجه مقاومة فلسطينية عنيفة. وليس هناك شك أيضاً في أن المقاتلين الفلسطينيين في المخيم، وفي أماكن أخرى، انتهجوا أساليب تشكل انتهاكات للقانون الدولي أدانتها وما برحت تدينها الأمم المتحدة. بيد أن الأمور ما زالت تفتقر إلى الوضوح والتيقن فيما يتعلق بسياسات وحقائق رد القوات الإسرائيلية على هذه المقاومة. وتؤكد الحكومة الإسرائيلية أن قوات جيش الدفاع الإسرائيلي "اتخذت بصورة واضحة جميع التدابير الممكنة لعدم تعريض حياة المدنيين للخطر" ولكنها ووجهت بـ "إرهابيين مسلحين تخفّوا عن عمد بين السكان المدنيين". ومع ذلك، فإن بعض جماعات حقوق الإنسان وشهود العيان الفلسطينيين يؤكدون أن الجنود الإسرائيليين لم يتخذوا جميع التدابير الممكنة لتجنب إصابة المدنيين، بل واستخدموا بعضهم كدروع بشرية.

54- وفيما توغلت القوات الإسرائيلية في المخيم، انتقل المقاتلون الفلسطينيون، حسبما تفيد التقارير، إلى وسط المخيم. وتشير التقارير إلى أن أعنف القتال وقع في الفترة ما بين 5 و9 نيسان/أبريل مما أسفر عن أكبر خسائر في الأرواح على كلا الجانبين. وهناك تقارير تفيد بأنه خلال هذه الفترة زاد الجيش الإسرائيلي من قصفه بالقذائف من طائرات الهليكوبتر، ومن استخدام الجرافات – بما في ذلك بغرض هدم المنازل لدفن مَن رفضوا الاستسلام تحت أنقاضها حسبما ادعي – كما قام بإطلاق النار "بصورة عشوائيـة". وفقدت القوات الإسرائيلية 14 جندياً، 13 منهم في اشتباك واحد وقع يوم 9 نيسان/أبريل. ولم تتكبد القوات الإسرائيلية أية خسائر أخرى في الأرواح في جنين بعد 9 نيسان/أبريل.

55 - وتشير التقارير الصحفية من الأيام المشار إليها والمقابلات اللاحقة التي أجراها ممثلو المنظمات غير الحكومية مع سكان المخيم إلى أن خمسة فلسطينيين في المتوسط ماتوا كل يوم خلال الأيام الثلاثة الأولى من الغارة وأن يوم 6 نيسان/أبريل شهد زيادة حادة في عدد القتلى.
56- وأكد مستشفى جنين وفاة 52 بحلول نهاية أيار/ مايو 2002. كما يقدر جيش الدفاع الإسرائيلي أيضاً عدد الخسائر في الأرواح بنحو 52 شخصاً. وقد ادعى أحد كبار المسؤولين في السلطة الفلسطينية في منتصف نيسان/أبريل أن نحو 500 شخص قد قُتلوا، وهو رقم لم يثبت في ضوء الأدلة التي ظهرت.

57- ومن المتعذر أن يحدد بدقة عدد المدنيين بين القتلى الفلسطينيين. وقدرت حكومة إسرائيل، أثناء توغل قواتها في المخيم أنه كان هناك "عشرات فقط من القتلى في جنين... وأن الغالبية العظمى منهم كانوا يحملون أسلحة وأطلقوا النار على قوات "جيش الدفاع الإسرائيلي". وقد أبلغ مسؤولون إسرائيليون أفراد الأمم المتحدة بأنهم يعتقدون أن 38 من بين القتلى الـ 52، كانوا من المسلحين و14 من المدنيين. وقد اعترفت السلطة الفلسطينية بأنه كان هناك محاربون من بين القتلى، وقامت بتسمية بعضهم، ولكنها لم تضع تقديرات دقيقة للعدد في كل من الفئتين. وتضع منظمات حقوق الإنسان الخسائر بين المدنيين عند رقم أقرب إلى (20) – حيث وثّقت منظمة رصد حقوق الإنسان 22 مدنياً من بين القتلى الذين يبلغ عددهم 52 شخصاً، في حين ذكرت منظمة الأطباء المناصرين لحقوق الإنسان أن "الأطفال دون سن 15 سنة والنساء والرجال فوق سن 50 سنة كانوا يشكلون نحو 38 في المائة من جميع حالات الوفاة المبلّغ عنها".

58 - وذكر جيش الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت أن أساليبه قد لا تتغير، "لأن الافتراض الأساسي هو أننا نعمل في حي مدني". غير أن الروايات الأخرى عن المعركة تشير إلى أن طابع العملية العسكرية في مخيم جنين للاجئين تغير فعلا بعد 9 نيسان/أبريل 2002. ففي ذلك اليوم، قُتل 13 جندياً إسرائيلياً وجُرح عدد آخر فيما تصفه السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية على السواء بأنه "كمين خطط له جيدا". ومات جندي إسرائيلي رابع عشر في مكان آخر من المخيم في ذلك اليوم، بما وصل بخسائر القوات الإسرائيلية في الأرواح خلال العملية في جنين إلى 23 شخصاً.

59- وفي أعقاب الكمين، يبدو أن القوات الإسرائيلية غيّرت تكتيكاتها من تفتيش المنازل وتدمير بيوت المقاتلين المعروفين إلى توسيع نطاق القصف بالدبابات والقذائف. كما استخدمت القوات الإسرائيلية الجرافات المدرعة، تدعمها الدبابات، لهدم أجزاء من المخيم. وتؤكد الحكومة الإسرائيلية أن "القوات الإسرائيلية لم تدمِّر المباني إلا بعد أن وجهت نداء عدة مرات للسكان بمغادرة المباني، التي لم يتوقف منها إطلاق النار". وتدعي إفادات الشهود وتحقيقات منظمات حقوق الإنسان أن التدمير كان عشوائياً وغير متناسب، حيث كانت بعض المنازل تتعرض للهجوم من الجرافات قبل أن تتاح الفرصة لسكانها لإخلائها. وتؤكد السلطة الفلسطينية أن قوات جيش الدفاع الإسرائيلي "كانت لديها معرفة كاملة وتفصيلية بما يحدث في المخيم عن طريق استخدام الطائرات التي تطير بدون طيار والكاميرات المثبتة في بالونات … وأن أياً من الفظائع التي ارتكبت لم يكن غير متعمد".

60- وشككت منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية فيما إذا كان هذا التغيير في التكتيكات متناسباً مع الهدف العسكري ووفقاً للقانون الإنساني وقانون حقوق الإنسان. وتدعي رواية السلطة الفلسطينية عن المعركة أنه استخدمت "طائرات الهليكوبتر الحربية لإطلاق قذائف تو" على هذه المنطقة الكثيفة السكان... مدافع مضادة للطائرات، قادرة على إطلاق 3000 قذيفة في الدقيقة... وعشرات الدبابات والمركبات المدرعة المزوّدة بمدافع رشاشة … وجرافات بولدوزر لهدم المنازل وشق ممرات واسعة". وتشير مصادر أخرى إلى الاستخدام الواسع النطاق للجرافات المدرعة وطائرات الهليكوبتر الحربية يومي 9    و10 نيسان/أبريل، وعلى الأرجح حتى بعد أن بدأ القتال يهدأ. وخلال هذه المرحلة، حدث معظم الضرر المادي، ولا سيما في حارة الحواشين في وسط المخيم، التي سوِّيت بالأرض عملياً. ودمر تماماً الكثير من المساكن المدنية وأصيب عدد أكبر بأضرار بالغة. كما أصيب بأضرار شديدة عدد من المرافق التابعة للأونروا في المخيم، بما في ذلك مركزها الصحي ومكتب الصرف الصحي.

61- وفي غضون يومين بعد 9 نيسان/أبريل، أخضعت القوات الإسرائيلية المخيم وهزمت ما تبقى فيه من عناصر مسلحة. وفي 11 نيسان/أبريل، استسلم آخر المقاتلين الفلسطينيين في مخيم جنين لقوات جيش الدفاع الإسرائيلي، بعد أن طلبوا وساطة منظمة "بتسالم"، وهي إحدى منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية التي تعمل في الأرض الفلسطينية المحتلة، لضمان عدم تعرضهم لأي أذى. ووفقاً لمصادر السلطة الفلسطينية، كان من بين مَن استسلموا عدد من قيادات الجهاد الإسلامي وفتح المطلوبين؛ وكذلك ثلاثة أشخاص مصابين وولد عمره 13 سنة.

انتهاء التوغل الإسرائيلي وعواقبه، 11 نيسان/ أبريل – 7 أيار/مايو 2002:
62- فيما اقترب توغل جيش الدفاع الإسرائيلي في جنين من نهايته، برزت طائفة من المشاكل الإنسانية، أو ازدادت سوءاً، بالنسبة لأربعة آلاف من المدنيين الفلسطينيين ممَن بقوا في المخيم. وتمثلت أولى هذه المشاكل في التأخير المطوّل في الحصول على الرعاية الطبية للجرحى والمرضى داخل المخيم. وعندما بدأت حدة القتال تنحسر، منع جيش الدفاع الإسرائيلي سيارات الإسعاف وأفراد الأطقم الطبية من الوصول إلى الجرحى داخل المخيم على الرغم من المناشدات المتكررة الموجهة إليه بتسهيل مرور سيارات الإسعاف ومندوبي المنظمات الإنسانية بمن فيهم مندوبو الأمم المتحدة. وعلى مدى الفترة من 11 إلى 15 نيسان/أبريل قدمت الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية الأخرى التماسات إلى جيش الدفاع الإسرائيلي، وتفاوضت معه من أجل تمكينها من دخول المخيم، وبذلت محاولات كثيرة لإرسال قوافلها، دونما طائل. وأُبلغ مسؤولو الأمم المتحدة الذين زاروا قيادة جيش الدفاع الإسرائيلي في 12 نيسان/أبريل، بأنه سيسمح لموظفي المساعدة الإنسانية التابعين للأمم المتحدة بالوصول إلى السكان المتضررين. غير أن هذه الإمكانية لم تتحقق على أرض الواقع ولم تسفر عدة أيام من التفاوض مع كبار المسؤولين في جيش الدفاع الإسرائيلي وموظفي وزارة الدفاع الإسرائيلية عن تأمين إمكانية الوصول الضروري، رغم ما قدموه من تأكيدات مخالفة لذلك. وفي 18 نيسان/أبريل، انتقد كبار موظفي الأمم المتحدة بشدة إسرائيل للطريقة التي تعالج بها وصول المساعدة الإنسانية في أعقاب المعركة، وخاصة رفضها تسهيل إمكانية الوصول الكامل والآمن إلى السكان المتضررين، منتهكة التزاماتها بموجب القانون الإنساني الدولي.

63- وجهزت الأونروا عملية كبيرة لإيصال الأغذية والإمدادات الطبية للاجئين المعوزين الذين كانوا قد فروا من المخيم، وإلى مستشفى جنين، غير أنه لم يسمح لها بدخول المخيم. وزاد حدة الأزمة الإنسانية تفاقماً قيام جيش الدفاع الإسرائيلي منذ أول يوم من أيام الهجوم بقطع التيار الكهربائي عن المدينة والمخيم. ولم يُستعد التيار الكهربائي إلا في 21 نيسان/أبريل.

64- وتضمن عديد من تقارير جماعات حقوق الإنسان روايات عن انتظار مدنيين جرحى عدة أيام من أجل الحصول على المساعدة الطبية، وعن رفض الجنود الإسرائيليين إتاحة حصولهم على العلاج الطبي. وفي بعض الحالات توفي أناس نتيجة لهذه التأخيرات. وبالإضافة إلى الأشخاص الذين أصيبوا بجراح في أثناء القتال، عانى أيضاً سكان مدنيون في المخيم وفي المدينة من نقص الدواء وتأخر الحصول على العلاج الطبي للحالات التي كانوا يعانون منها قبل العملية العسكرية. وعلى سبيل المثال، أفيد في 4 نيسان/ أبريل بأن 28 مريضاً بالكلى في جنين عجزوا عن الوصول إلى المستشفى لعمل الغسيل الكلوي.

65- وبدا أن تشغيل مستشفى جنين الذي يقع خارج المخيم مباشرة، قد تعرّض لإرباك خطير جراء عمليات جيش الدفاع الإسرائيلي، بالرغم مما جاء في بيانات الجيش بأن "المستشفى لم يمسّه شيء". فقد تأثرت بشدة إمدادات المستشفى من الكهرباء والمياه والأكسجين والدم بسبب القتال وما تلاه من انقطاع في الخدمات. وفي 4 نيسان/ أبريل، أمر جيش الدفاع الإسرائيلي جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أن توقف عملياتها وأغلق أبواب المستشفى. وأفاد العاملون بالمستشفى بأن القذائف والأعيرة النارية أصابت المعدات بأضرار جسيمة في الطابق العلوي بالمستشفى، وأن مريضين على الأقل قضَيا بسبب الضرر الذي لحق بإمدادات الأوكسجين. ولم يسمح لأي من الفلسطينيين الموجودين بالمستشفى بمغادرته حتى15 نيسان/أبريل.

66- ويبدو أنه بالإضافة إلى منع وصول الإسعاف، استهدف جيش الدفاع الإسرائيلي في بعض الحالات أفراد الأطقم الطبية. ففي 4 آذار/مارس، قبل التوغل في جنين، قُتل رئيس خدمات الطوارئ الطبية التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني في جنين بقذيفة أطلقتها دبابة إسرائيلية على سيارة الإسعاف التي كان يستقلها والتي كانت تحمل العلامة الواضحة لسيارات الإسعاف. وفي 7 آذار/مارس قتل موظف في الأونروا عندما أطلق جنود إسرائيليون عدة عيارات نارية على سيارات إسعاف تابعة للأونروا كان يستقلها بالقرب من طولكرم بالضفة الغربية. وفي 3 نيسان/أبريل، أفيد بأن ممرضة فلسطينية تعرضت لإطلاق النار داخل مخيم جنين من جانب جيش الدفاع الإسرائيلي رغم أنها كانت ترتدي زي الممرضات. وفي 8 نيسان/أبريل أطلقت النيران على سيارة إسعاف تابعة للأونروا أثناء محاولتها الوصول إلى رجل جريح في جنين.

67- وقد دأبت حكومة إسرائيل على توجيه اتهام مؤداه أن المركبات الطبية تستخدم لنقل الإرهابيين، وأن المباني الطبية تستخدم لتوفير الملجأ لهم. واستلزم ذلك، وفق ما أعلنته إسرائيل، إخضاع إيصال المساعدة الإنسانية لقيود صارمة. كذلك، فإنه في حالة مخيم جنين بالذات، عزا المتحدثون باسم جيش الدفاع الإسرائيلي هذا المنع إلى ضرورة تطهير المخيم من الألغام المفخخة بعد أن خفّت حدة القتال. وقال متحدث أيضاً "إن الفلسطينيين يرفضون في واقع الأمر عروضنا بتقديم المساعدة الإنسانية لهم" وأن "أي شخص يحتاج إلى المساعدة يحصل عليها". وثمة توافق في الرأي بين موظفي المساعدة الإنسانية الذين كانوا موجودين في الميدان، بأن التأخيرات عرّضت للخطر حياة كثير من الجرحى والمرضى داخل المخيم. ومع أن موظفي الأمم المتحدة وغيرهم من موظفي المساعدة الإنسانية عرضوا الامتثال الكامل لإجراءات التفتيش الأمني لجيش الدفاع الإسرائيلي عند دخول المخيم ومغادرته، إلا أنهم لم يستطيعوا دخول المخيم على هذا الأساس. وعلاوة على ذلك، أفاد موظفو الأمم المتحدة بأن جيش الدفاع الإسرائيلي سمح لبعض الصحفيين الإسرائيليين بدخول المخيم بمرافقة الجيش في 14 نيسان/أبريل، وذلك قبل أن يسمح بذلك لأفراد المساعدة الإنسانية. وطلب موظفو الأمم المتحدة مرافقة مماثلة من الجيش لدخول المخيم من أجل تقييم الحالة الإنسانية لسكانه، غير أنهم لم يفلحوا في ذلك رغم التأكيدات التي قدمها لهم كبار المسؤولين في جيش الدفاع الإسرائيلي بإمكانية كفالة هذا الدخول.

68- وفـي 15 نيسان/أبريل، وبعد 12 يوماً من بدء العملية العسكرية، سمح جيش الدفاع الإسرائيلي لأفراد وكالات إنسانية بالدخول إلى مخيم اللاجئين في جنين. وسمح لجمعية الهلال الأحمر الفلسطينية ولجنة الصليب الأحمر الدولية بدخول المخيم بمرافقة عسكرية، إلا أنهم أفادوا بأن تحركاتهم كانت مقيدة بشدة وقصرت على مناطق بعينها وأن وجود كميات كبيرة من الذخائر التي لم تنفجر، بما في ذلك الشراك الخداعية والألغام المفخخة زاد من تقييد هذه التحركات. لذا، فإنهم بعد أن قاموا بإخلاء سبع جثث فقط اضطروا إلى التخلي عن جهودهم. وحيل أيضاً دون قيام فريق تابع للأمم المتحدة برفقته سيارتا نقل تحملان مياهاً وإمدادات بتفريغ حمولتيهما واضطر أيضاً إلى الانسحاب. ولم يبدأ توزيع مؤن الإمدادات على سكان المخيم إلا في اليوم التالي، 16 نيسان/ أبريل. وكان النقص الحاد في الغذاء والماء واضحاً بجلاء، وبدأ موظفو المساعدة الإنسانية توجيه نداءات من أجل توفير جهود متخصصة للبحث والإنقاذ في إخراج الجرحى والموتى من تحت الأنقاض.
69- وما أن سمح جيش الدفاع الإسرائيلي في 15 نيسان/أبريل بالدخول غير المقيّد إلى المخيم، حتى أعاقت الذخائر غير المنفجرة قيام موظفي المساعدة الإنسانية بعملياتهم بشكل آمن. وقد أفادت وكالات المساعدة الإنسانية غير التابعة للأمم المتحدة عن وجود كميات كبيرة من الذخيرة غير المنفجرة - المتفجرات التي زرعها المقاتلون الفلسطينيون والذخائر التي أطلقها جيش الدفاع الإسرائيلي تبطئ من عملهم. هذا، وقد استمرت لعدة أسابيع المفاوضات بين الأمم المتحدة والوكالات الدولية من جهة وجيش الدفاع الإسرائيلي من جهة أخرى لجلب المعدات الملائمة والأفراد المناسبين إلى المخيم لإزالة الذخائر غير المنفجرة، وخلال هذه الفترة قُتل على الأقل فلسطينيان في حوادث إنفجارات.

ز- الأحداث الأخيرة في مدن فلسطينية أخرى

70- يرد فيما يلي وصف مختصر للأحداث الأخيرة في رام الله وبيت لحم ونابلس.
رام الله

71- كانت رام الله أول مدينة احتلها جيش الدفاع الإسرائيلي في عملية الدرع الواقي. وقد دخل جيش الدفاع الإسرائيلي المدينة في 29 آذار/مارس وانسحب من معظمها في 20 نيسان/أبريل، ومن باقي أجزائها في 30 نيسان/أبريل. ورغم أن كثيراً من خصائص اجتياحه للمدينة جاءت مماثلة للاجتياحات التي تمت في المدن الأخرى – حظر التجول وقطع خدمات الهاتف والمياه والكهرباء في معظم المدينة، ومنع وصول المساعدة الإنسانية، والاعتقالات – إلا أن وضع رام الله بوصفها المركز الإداري للسلطة الفلسطينية كان، على ما يبدو، عاملاً أثر على إجراءات جيش الدفاع الإسرائيلي.

72- وتجزم حكومة إسرائيل بأن رام الله أدت دوراً محورياً في الهجمات الإرهابية ضد المدنيين الإسرائيليين بسبب وجود مقار قيادات عديد من قوات الأمن الفلسطينية (قوة الأمن الوطني – الأمن الوقائي – الشرطة المدنية – القوة 17). والتعاون القائم بين هذه القوات الأمنية والجماعات المقاتلة. ووفقاً لما يقوله جيش الدفاع الإسرائيلي، فإن هذه الجماعات المقاتلة تتعاون مع قوات الأمن وتحظى في نفس الوقت بحمايتها وتدعي حكومة إسرائيل أن منظمة فتح، التي يوجد مقرها في رام الله، وينتمي أفرادها أيضاً إلى قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، هي منظمة إرهابية. كما تؤكد بأن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تستخدم بدورها رام الله كقاعدة للعمليات، وأن "حماس" تستخدمها ًكمحطة ترحيلً للهجمات الإرهابية.

73- وفي غضون العملية العسكرية في رام الله، تعرضت المؤسسات المدنية للسلطة الفلسطينية لدمار شديد. وتفيد تقارير جماعات مراقبي حقوق الإنسان بأن جيش الدفاع الإسرائيلي استهدف هذه المؤسسات بالتحديد، كما أفاد البنك الدولي في أحد تقاريره أن مكاتب 21 وزارة ووكالة تعرضت للاقتحـام والسلب بدرجـات متفاوتة. ووفقاً لما أفادت به السلطة الفلسطينية، فإن دخول جيش الدفاع الإسرائيلي إلى مكاتب السلطة الفلسطينية كان فيما يبدو منصباً على جمع المعلومات. واستشهدت بما جرى في كل من هذه المكاتب من إزالة لوحدات خدمات الحاسوب ومحركات الأقراص الصلبة، وأجهزة الحواسيب والسجلات الخطية كمؤشر على هذا الهدف. وذكر البنك الدولي أن التدمير انصب على معدات المكاتب والحواسيب وخدمات تخزين المعلومات، وقدّر أن تكاليف الإحلال والإصلاح الداخلي لمكاتب السلطة الفلسطينية تصل إلى 8 ملايين دولار. وإضافة إلى ذلك، أكدت السلطة أن جيش الدفاع الإسرائيلي بذل محاولات من أجل إيقاع الاضطراب في قدرة الوزارات على العمل الفعال، وأشارت إلى ما تعتقد بأنه تخريب منهجي لمعدات المكاتب والاتصال وإزالة وتدمير السجلات والبيانات من الوزارات. فقد أزيلت أثناء العملية سجلات من وزارات التعليم والصحة والمالية ومن المكتب المركزي للإحصاءات، ولم يكن قد تم إعادتها حتى 7 أيار/مايو. وأفادت السلطة الفلسطينية ووكالات أخرى غير حكومية عن حالات للتخريب والسرقة للممتلكات الخاصة. كذلك تسبب جيش الدفاع الإسرائيلي في دمار شديد في مقر الرئيس عرفات. وأنكرت حكومة إسرائيل اشتراك أفراد من جيش الدفاع الإسرائيلي في عمليات تدمير وتخريب وسرقة منتظمة أثناء تنفيذ عملية الدرع الواقي.

بيت لحم
74- في 2 نيسان/أبريل، دخل جيش الدفاع الإسرائيلي بيت لحم مستخدماً الدبابات وحاملات الجنود المدرعة. وجرى تبادل لإطلاق النيران حول المدينة يومي 2 و3 نيسان/أبريل. ويؤكد جيش الدفاع الإسرائيلي أن المقاتلين الفلسطينيين أطلقوا النار على الجنود الإسرائيليين من الكنائس. في حين تقول السلطة الفلسطينية أن جيش الدفاع الإسرائيلي هاجم المدنيين ورجال الدين في حرم الكنائس. وفي 4 نيسان/أبريل، ووفقاً لرواية جيش الدفاع الإسرائيلي احتل مقاتلون فلسطينيون كنيسة المهد. وتقول السلطة الفلسطينية إن 150 شخصاً، بمن فيهم نساء وأطفال، التمسوا في 3 نيسان/أبريل الحماية داخل الكنيسة. وقد أحاط الجنود الإسرائيليون بكنيسة المهد وبدأوا بذلك حصاراً استمر لمدة 37 يوماً. وفي 10 أيار/مايو، انسحبت القوات الإسرائيلية من المدينة بعد انقضاء ثلاثة أسابيع على تاريخ الانتهاء الرسمي لعملية الدرع الواقي، وعقب الانتهاء من مفاوضات مطولة بشأن مصير المقاتلين الفلسطينيين الذين احتموا بكنيسة المهد.

75- ويؤكد جيش الدفاع الإسرائيلي أن بيت لحم كانت قاعدة لعمليات كتائب شهداء الأقصى و"حماس" والجهاد الإسلامي الفلسطيني والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. ووفقاً لما يقوله جيش الدفاع الإسرائيلي، انطلقت خمس هجمات ضد الإسرائيليين من بيت لحم في الفترة من 18 شباط/فبراير إلى 9 آذار/مارس 2002، وأسفرت عن مقتل 24 شخصاً وجرح العشرات. ويفيد جيش الدفاع الإسرائيلي أن كتائب شهداء الأقصى أعلنت مسؤوليتها عن أربع من هذه الهجمات.

76- وقد فُرض على بيت لحم والقرى المجاورة لها حظر تجول ابتداء من 2 نيسان/أبريل، وأعلن جيش الدفاع الإسرائيلي بيت لحم منطقة عسكرية مغلقة منذ بداية الاجتياح. ومن 2 نيسان/أبريل إلى 10 أيار/مايو، رفعت القوات الإسرائيلية حظر التجول في أجزاء من منطقة بيت لحم الكبرى، مرة كل ثلاثة أيام تقريباً ولفترات تتراوح بين ساعتين وأربع ساعات. وحسبما تقول منظمة إسرائيلية لحقوق الإنسان، كان من المتعذر في بعض القرى المجاورة لبيت لحم الحصول على رعاية طبية خلال الفترات القليلة لرفع حظر التجوال لاضطرار السكان إلى السفر إلى بيت لحم أو البلدات الكبيرة الأخرى من أجل زيارة المستشفيات أو العيادات. وبسبب ذلك، استعصى على الحوامل الحصول على رعاية سابقة للولادة، وتعذر على أشخاص مصابين بمشاكل طبية مزمنة تجديد وصفات العلاج أو تلقي الرعاية. وقد بقيت إحدى القرى، وهي قرية الولجة، خاضعة لحظر تجول على مدار الساعة في الفترة من 2 نيسان/أبريل إلى 10 أيار/مايو.

نابلس

77- بـدأ توغل جيش الدفاع الإسرائيلي في نابلس في 3 نيسان/أبريل 2002 وانتهى في 21 نيسان/أبريل. وذكر أن قتالا شديداً وقع في أجزاء مختلفة من المدينة كان أكثرها عنفاً ما حدث في البلدة القديمة. وتفيد معظم الروايات بأن ما بين 70 و80 فلسطينياً، بمَن فيهم 50 مدنياً تقريباً، قُتلوا في نابلس خلال العملية. وفقد جيش الدفاع الإسرائيلي أربعة جنود خلال العملية. ومن بين المدن الفلسطينية التي دخلها جيش الدفاع الإسرائيلي خلال عملية الدرع الواقي، يبدو أن نابلس هي المدينة التي لحق بها أشد الأضرار المادية في الممتلكات ويرجع ذلك جزئياً إلى الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبلدة القديمة التي ساهمت اليونسكو في ترميم بعض أجزائها. ووفقاً للبنك الدولي، يتكلف إعادة إعمار نابلس وحدها حوالي 114 مليون دولار، تمثل أكثر من ثلث مجموع تكاليف إعادة تعمير جميع المدن التي تضررت من عملية الدرع الواقي.
78- وقد دخل جيش الدفاع الإسرائيلي نابلس في 3 نيسان/أبريل، بعد أن طوّقها لمدة ثلاثة أيام، مستخدما طائرات الهليكوبتر العسكرية والدبابات وحاملات الجنود المدرعة والقوات البرية. ومن 6 إلى 11 نيسان/أبريل وقعت أشد الاشتباكات في الحواري الضيقة المكتظة للبلدة القديمة، التي نُشرت فيها جرافات مدرعة لتدمير المباني من أجل إفساح الطريق لدخول الدبابات. وبحلول 11 نيسان/أبريل، كانت معظم الاشتباكات قد انتهت. وفرض جيش الدفاع الإسرائيلي حظر تجول في 3 نيسان/أبريل، رفعه بالكامل في 22 نيسان/أبريل. وجرى أول رفع مؤقت لحظر التجول في 10 نيسان/أبريل لمدة ساعة واحدة، وبعدها رفع الجيش حظر التجول ما بين ساعتين وثلاث ساعات تقريباً كل يومين.

79- وزعم جيش الدفاع الإسرائيلي أن نابلس هي مركز تخطيط وتنظيم الهجمات الإرهابية ضد إسرائيل، ويقول إن الجماعات الموجودة في المدينة توجه عمل المجموعات المسلحة في الجزء الشمالي من الضفة الغربية. ويحمِّل جيش الدفاع الإسرائيلي هذه الجماعات مسؤولية ارتكاب 19 هجوماً في عام 2000 أسفرت عن موت 24 شخصاً وإصابة 133 آخرين. ووفقاً لادعاء جيش الدفاع الإسرائيلي تعمل الجماعات المقاتلة بالتعاون فيما بينها، حيث يقوم الجهاد الإسلامي الفلسطيني بالتخطيط للهجمات، وتقوم "حماس" بتجهيزها بالمتفجرات، فيما يقوم التنظيم التابع لفتح بتدبير الأفراد القائمين بالعمليات الانتحارية.

80- ويؤكد جيش الدفاع الإسرائيلي أنه نتيجة لعملية الدرع الواقي وعمليات الاقتحام التي سبقتها، عثر في البلدة القديمة بنابلس ومخيم بلاطة المجاور لها على 18 مختبراً للمتفجرات، و7 مختبرات لصواريخ القسّام، و10 أحزمة متفجرات ومئات الكيلوغرامات من المتفجرات. ويقول الجيش الإسرائيلي إنه عثر تحت سطح أرض البلدة القديمة على أنفاق لإخفاء وتهريب الأسلحة، وأنه كشف عن مخابئ للأسلحة في منزل رئيس بلدية مدينة نابلس ومنزل قائد الشرطة في المدينة.

81- وتفيد جماعات تقديم المساعدة الإنسانية وجماعات حقوق الإنسان بأن سكان نابلس تضرروا خصوصاً من نطاق الاشتباكات ومن فرض حظر التجول عليهم. فأجزاء كبيرة من المدينة تعرضت لانقطاع الماء والكهرباء والهاتف في جميع مراحل العملية. وقد وردت تقارير أيضاً عن قيام القوات الإسرائيلية بعرقلة حركة أفراد الأطقم الطبية وسيارات الإسعاف. إلى حد بعيد. وشمل الدمار الكبير الذي تعرضت له نابلس المنازل وعديداً من الأبنية الأخرى والمواقع الدينية والتاريخية. ويستفاد من إفادات المسؤولين المحليين في السلطة الفلسطينية، أن 64 مبنى في البلدة القديمة، بما في ذلك 22 مبنى سكنياً تعرضت لأضرار شديدة أو للدمار، في حين تعرّض 221 مبنى لأضرار جزئية.

ر- ملاحظات

82- مثلما سبق وكتبت إلى رئيـس مجلـس الأمن في 3 أيار/مايو 2002، فإنني أشاطر الرئيس "أتيساري" وفريقه لتقصي الحقائق تقييمهما بأنه من غير الممكن وضع تقرير كامل وشامل للأحداث الأخيرة في جنين، وكذلك في المدن الفلسطينية الأخرى، بدون تعاون تام من الجانبين والقيام بزيارة للمنطقة. ولذلك، فإنني لا أود تجاوز الاستنتاجات الوقائعية المحددة الواردة في متن هذا التقرير، ومع ذلك، فإنني على ثقة بأن الصورة التي يرسمها هذا التقرير هي تمثيل أمين لواقع معقّد.

83- إن الأحداث التي يصفها هذا التقرير، والتردي المتواصل في الحالة، ودورة العنف التي لا تنقطع، هي في رأيي تعبير عن الضرورة الملحّة لأن يقوم الطرفان باستئناف عملية تعيدهما إلى طاولة التفاوض. ويوجد في المجتمع الدولي تأييد واسع النطاق للتوصل إلى حل تعيش فيه دولتان، إسرائيل وفلسطين، جنباً إلى جنب داخل حدود آمنة ومعترف بها، على نحو ما دعا إليه قرار مجلس الأمن 1357 (2002). وفي اعتقادي أن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية ملحة بتكثيف جهوده من أجل التوصل إلى حل سلمي ودائم للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، باعتباره عنصراً رئيسياً في البحث عن تسوية عادلة ودائمة وشاملة في الشرق الأوسط استناداً إلى قراري مجلس الأمن 242 (1967) و338 (1973).

المرفق الأول
رسالة مؤرخة 3 حزيران/يونيه 2002 موجهة إلى الأمين العام من المراقب الدائم لفلسطين لدى الأمم المتحدة

نرفق طيه التقرير الفلسطيني بشأن الأحداث الأخيرة التي وقعت في جنين وفي مدن فلسطينية أخرى. ولأسباب عملية، قُدمت مرفقات التقرير إلى مكتب منسق الأمم المتحدة الخاص في الأراضي المحتلة. وهذا التقرير مقدم بهدف مساعدتكم في إعداد تقريركم الذي سبق طلبه في الفقرة (6) من قرار الجمعية العامة د أ ط – 10/10 المؤرخ 7 أيار/مايو 2002، الذي اتخذته الجمعية في دورتها الاستثنائية الطارئة العاشرة المستأنفة. وهو مقدم أيضاً استجابة للرسالة الموجهة إليَّ من وكيل الأمين العام للشؤون السياسية، والتي طلبت إلى السلطة الفلسطينية أن توفر أية معلومات ذات صلة بتنفيذ ذلك القرار.

 ويتألف التقرير الفلسطيني من الفروع التالية: (لا يستنسخ في هذه الوثيقة سوى الفرع الأول).

الفرع الأول: العرض الرئيسي (9 صفحات)
الفرع الثاني: الوثائق الداعمة

1- رسائل البعثة المراقبة الدائمة لفلسطين لدى الأمم المتحدة الموجهة إلى الأمين العام ورئيس مجلس الأمن ورئيس الجمعية العامة (انظر الوثائق الرسمية للدورة الاستثنائية الطارئة العاشرة).

2- الموقف الإسرائيلي بشأن لجنة تقصي الحقائق المعنية بمخيم جنين للاجئين/أسماء بعض الأشخاص الإسرائيليين الذين يحتمل تورطهم في الفظائع المقترفة ضد الشعب الفلسطيني.

3- سرد تاريخي للأحداث من 29 آذار/مارس إلى 15 أيار/مايو 2002 (من إعداد الجمعية الأكاديمية الفلسطينية لدراسة الشؤون الدولية).

4- موجز/معلومات إرشادية للمرفقات.

5- قائمة بالمرفقات.

الفرع الثالث: المرفقات

1- تقارير السلطة الفلسطينية.

2- المنظمات الدولية غير الحكومية المعنية بالشؤون الإنسانية وبحقوق الإنسان.

3- منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية.

4- المنظمات والمؤسسات الفلسطينية غير الحكومية (المنظمات الإنسانية ومنظمات حقوق الإنسان).

5- تقارير الأمم المتحدة ذات الصلة.

6- البنك الدولي.

7- لجنة تنسيق المعونة المحلية/فريق دعم المانحين.

8- وسائط الإعلام الجماهيرية.

9- شريط فيديو (23 دقيقة من سجلات وسائط الإعلام المحلية والدولية).

10- صور فوتوغرافية (150 صورة).

ونحن على ثقة من أن تقريركم سيكون دقيقاً وشاملاً. كما أننا نعتقد بأنه ينبغي أن يتضمن التقرير استنتاجات وتوصيات محددة مقدمة إلى الدول الأعضاء وأجهزة الأمم المتحدة ذات الصلة. ومن الواجب تمكين المجتمع الدولي من الإلمام بحقائق ما حدث، ومن الرد عليه، حتى لا تتكرر الفظائع التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس. ومن شأن هذا أن يفتح بالتالي طريق إرساء أسس سلام حقيقي في المنطقة.

(توقيع) ناصر القدوة
السفير والمراقب الدائم لفلسطين
لدى الأمم المتحدة
إرفاق
التقرير الفلسطيني المقدم إلى الأمين العام عملا بقرار الجمعية العامة د إ ط – 10/10 المؤرخ 7 أيار/مايو 2002، بشأن الأحداث الأخيرة في جنين وفي المدن الفلسطينية الأخرى
الفرع الأول: العرض الرئيسي

مقدمة
إن هذا التقرير، الذي يتعلق بالأحداث التي وقعت مؤخراً في جنين وفي المدن الفلسطينية الأخرى بالأرض الفلسطينية المحتلة، مقدم من السلطة الفلسطينية إلى الأمين العام للأمم المتحدة بقصد مساعدته في إعداد التقرير الذي سبق طلبه في الفقرة (6) من قرار الجمعية العامة د إ ط – 10/10 الذي اتخذته الدورة الاستثنائية الطارئة العاشرة المستأنفة في 7 أيار/ مايو 2002. ويتناول التقرير أيضاً، بما في ذلك هذا العرض الرئيسي، الأعمال الإسرائيلية التي سبقت 29 آذار/مارس 2002 وبعض السياسات والممارسات العامة التي تتبعها منذ أجل طويل إسرائيل القائمة بالاحتلال، باعتبارها معلومات ضرورية لفهم الأحداث الأخيرة التي وقعت في كثير من المراكز الفلسطينية المأهولة، بما فيها مدن رام الله وبيت لحم ونابلس وطولكرم وقلقيلية وجنين والخليل. وفي وقت سابق، كان الشعب الفلسطيني يأمل في تمكين فريق تقصي الحقائق، الذي أنشأه الأمين العام تنفيذا لقرار مجلس الأمن 1405 (2002)، من تقديم تقرير شامل بشأن ما وقع من أحداث في مخيم جنين للاجئين. وقد تعذر هذا، للأسف، من جراء رفض إسرائيل التعاون مع فريق تقصي الحقائق ومع الأمين العام، ورفضها لقرار المجلس.

وسعت السلطة الفلسطينية إلى الاضطلاع بتحقيقاتها في أحداث الشهرين الماضيين، وتوثيق الحالات، لتوفير ما يلزم من أدلة كاملة وموثوق بها لتقييم الفظائع والانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي، التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلية. ومع هذا، فإن اعتداءات إسرائيل المنتظمة والمستمرة على الوزارات الفلسطينية وسائر الهيئات الرسمية والمؤسسات الحكومية المحلية، إلى جانب الحصار العسكري المستمر، قد أعاقت بشكل خطير أعمال الحكومة ومنعت السلطة الفلسطينية بالفعل من الاضطلاع على نحو كامل بتحقيق شامل من هذا القبيل. وتود السلطة الفلسطينية، وهي تقدم هذا التقرير، أن تلفت انتباه الأمين العام للأمم المتحدة أيضاً إلى الاستنتاجات المعروضة في الوثائق الداعمة وفي مرفقات التقرير كذلك، بما فيها شريط الفيديو والصور الفوتوغرافية.

وتدين السلطة الفلسطينية رفض الحكومة الإسرائيلية، على النقيض من موقف السلطة، الامتثال لقرار مجلس الأمن 1405 (2002)، إلى جانب رفضها التعاون مع فريق تقصي الحقائق ومع الأمم المتحدة. والسلطة بإدانتها لهذا الموقف الإسرائيلي، تنضم إلى الإدانة العالمية لمثل هذا الموقف الإسرائيلي، الذي أعاق الجهود الرامية إلى إرساء الحقائق على نحو سريع حازم. وهذا الرفض يتفق مع رفض إسرائيل الامتثال لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة ولالتزاماتها ومسؤولياتها القانونية في إطار اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب المؤرخة 12 آب/أغسطس 1949.

لقد رفضت إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، بشكل دائم، انطباق اتفاقية جنيف الرابعة بحكم القانون على الأراضي العربية التي احتلتها في عام 1967، رغم الاتفاق الدولي في الآراء على تأكيد انطباق هذه الاتفاقية، بما في ذلك ما جاء في 26 قراراً من قرارات مجلس الأمن. وبالإضافة إلى ذلك، تجاهلت إسرائيل باستمرار أحكام الاتفاقية ومبدأ القانون الإنساني الدولي بشأن حماية السكان المدنيين الخاضعين للاحتلال. ورفض إسرائيل قبول انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس، قد شل عمل الآلية الداخلية للاتفاقية. وعلاوة على ذلك، فإن الأطراف المتعاقدة السامية لم تتخذ من التدابير ما يكفل امتثال السلطة القائمة بالاحتلال لأحكام الاتفاقية، ومن ثم، فقد أخفقت في ضمان احترام الاتفاقية "في كافة الظروف" وفقاً للمادة (1) المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع.

وبالتالي، فخلال الخمسة وثلاثين عاماً الماضية، تُرك السكان الفلسطينيون في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس، بدون أية حماية فعالة من سياسات وتدابير إسرائيل القمعية، مما يشمل استخدامها المفرط للقوة المميتة. وقد أدى عدم وجود طرق الإنفاذ إلى إيجاد بيئة تعمل إسرائيل في إطارها دون عقاب، متجاهلة القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي وإرادة المجتمع الدولي.

وثمة محاولة هامة لتقويم هذه الحالة تمثلت في عقد مؤتمر الأطراف المتعاقدة السامية بشأن تدابير إنفاذ الاتفاقية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس، وذلك بجنيف في 15 تموز/يوليه 1999، واستئناف هذا المؤتمر في 5 كانون الأول/ديسمبر2001. واعتمدت الأطراف المتعاقدة السامية التي شاركت في المؤتمر المستأنف الذي عُقد في 5 كانون الأول/ديسمبر، إعلاناً في غاية الأهمية، أكد، في جملة أمور، أنه "ينبغي احترام اتفاقية جنيف الرابعة في جميع الظروف". وحدد الإعلان الالتزامات القانونية لأطراف الصراع والسلطة القائمة بالاحتلال والدول الأطراف. ومن شأن وثيقة هامة من هذا القبيل أن توفر أساساً لاتخاذ إجراءات أخرى تكفل احترام الاتفاقية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس.

والسلطة الفلسطينية ترفع هذا التقرير ومتوقعة من الأمين العام للأمم المتحدة أن يقدم تقريراً دقيقاً وشاملاً في نفس الوقت. ومن الضروري أن يتضمن هذا التقرير استنتاجات وتوصيات محددة يجري تقديمها إلى الدول الأعضاء وأجهزة الأمم المتحدة ذات الصلة. وينبغي تمكين المجتمع الدولي من الإلمام بحقائق ما حدث، ومن الرد عليها، حتى لا تتكرر الفظائع التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس. ومن شأن هذا أن يفتح عندها طريق إرساء سلام حقيقي في المنطقة، يتضمن تسوية نهائية للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.

ونحن نتوقع أن يساعد الأمين العام كذلك في صياغة الرد اللازم بما في ذلك بذل جهود تعاونية ترمي إلى حمل إسرائيل على الامتثال لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة والقانون الإنساني الدولي؛ ووضع آليات لكفالة حماية السكان الفلسطينيين؛ ودعم الجهود المبذولة لإرساء الآليات الضرورية قانوناً لتحديد المسؤولية المتصلة بانتهاكات القانون الإنساني الدولي، وخاصة جرائم الحرب، بما فيها اقتراف انتهاكات خطيرة لاتفاقية جنيف الرابعة.

السياق الواقعي والقانوني

"ينبغي ضرب الفلسطينيين، وينبغي لهذا الضرب أن يكون بالغ الإيلام، ويجب علينا أن نسبب لهم خسائر وضحايا حتى يشعروا بالثمن الباهظ". "آرييل شارون" رئيس الوزراء الإسرائيلي في 5 آذار/مارس 2002.

يلزم لفهم وتقييم الأعمال الإسرائيلية خلال الشهرين الماضيين بدقة، أن تستوعب عن اطلاع سياسات وممارسات إسرائيل. بما فيها الانتهاك المنتظم والمتعمد للحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني كما يعرفها القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان، وسياق الاحتلال الأجنبي هو السياق الذي يجب الاضطلاع فيه بأي تقييم.

وما فتئ كل من الاحتلال الإسرائيلي، والسياسات والممارسات التي تنفذها السلطة القائمة بالاحتلال، مدفوعاً بهدف إسرائيلي طاغ ومستمر يتمثل في العمل على استعمار الأرض الفلسطينية، بما فيها القدس، من خلال هيكل استعماري واسع النطاق ودائم الانتشار في صورة المستوطنات الإسرائيلية غير المشروعة. وقد قامت السلطة القائمة بالاحتلال، منذ بداية الاحتلال في عام 1967، بنقل ما يزيد على 400000 من المدنيين الإسرائيليين، على نحو غير مشروع، إلى الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس. وقد صادرت الأرض الفلسطينية، واستغلت الموارد الطبيعية وإساءة استخدامها، وأنشأت هيكل حياة مستقلاً، مما يتضمن نظاماً قانونياً مختلفاً، وذلك لتنفيذ حملتها الاستيطانية غير المشروعة، التي تمثل الظاهرة الاستعمارية الوحيدة المتبقية في العالم في مستهل القرن الحادي والعشرين.

وحملة الاستيطان الإسرائيلية، التي دامت 35 عاماً، لم تُنفَّذ، ولم يكن لها أن تُنفَّذ، إلا عن طريق القيام قسراً بنزع ملكية السكان الفلسطينيين الأصليين وعزلهم. وعلاوة على ذلك، وبغية إخضاع السكان المحتلين بكاملهم إخضاعاً تاماً لخطط إسرائيل التوسعية بشأن الأرض الفلسطينية، دأبت إسرائيل دائماً على استخدام وسائل قمعية لا حصر لها، تشمل الخنق الاجتماعي – الاقتصادي والاحتجاز، والإبعاد، وهدم المساكن، وفرض عقوبات جماعية واستخدام القوة المميتة، والقيام في الآونة الأخيرة، باستخدام الأسلحة الثقيلة المخصصة للحرب.

وخلال العشرين شهراً الماضية، شنت إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، حملة عسكرية دموية ضد الشعب الفلسطيني، وصعَّدت كثيراً من سياساتها وممارساتها غير المشروعة، وانتهكت مراراً أحكام القانون الإنساني الدولي الذي يكفل الحماية للسكان المدنيين الفلسطينيين، إلى جانب انتهاكها للاتفاقات القائمة بين الجانبين. ومنذ بداية انتفاضة المسجد الأقصى في 28 أيلول/سبتمبر، التي نشبت من منطلق الرد على زيارة السيد "آرييل شارون" المشينة للحرم الشريف، ما فتئت إسرائيل توسع من نطاق استخدامها لعمليات "الانتقام" و"الردع"، فضلاً عن تكثيفها لممارساتها غير المشروعة التي تتضمن قتل المدنيين عمداً، واستخدام القوة المفرطة وغير المتناسبة والعشوائية؛ واستعمال القوة المهلكة ضد المتظاهرين، بما في ذلك الأطفال الذين يقذفون الحجارة؛ وفرض الحصار العسكري والقيود الشديدة على حركة الأشخاص والسلع؛ والقيام بعقوبات جماعية؛ واستهداف مركبات الإسعاف والعاملين في الحقل الطبي وعرقلة وصولهم إلى المصابين، وتدمير الحقول الزراعية واجتثاث الأشجار. وقصفت قوات الاحتلال الإسرائيلية أيضاً ودمرت العديد من مؤسسات السلطة الفلسطينية، بما فيها منشآت الشرطة والأمن، بل ومطار غزة الدولي، وهذه الانتهاكات والخروقات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي قد سببت أذى واسع النطاق للسكان المدنيين الفلسطينيين والهياكل الأساسية الفلسطينية والسلطة الفلسطينية ومؤسساتها.

وفي 29 آذار/مارس وطوال الفترة المشمولة بالتقرير، شنت القوات الإسرائيلية المحتلة هجوماً عسكرياً واسع النطاق ضد الشعب الفلسطيني، وذلك على نحو لم يسبق له مثيل، من حيث الحجم أو الشدة، منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي. وقامت هذه القوات بغزو وإعادة احتلال غالبية المراكز السكانية الفلسطينية، بما فيها المدن والقرى ومخيمات اللاجئين وما يقرب من كافة المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية في الضفة الغربية. وتمادت هذه القوات، على نحو كبير، في استخدام القوة المهلكة على نحو عشوائي، باستعمال أسلحة ثقيلة، تتضمن الدبابات والطائرات العمودية المسلحة والطائرات الحربية، من أجل مهاجمة، وفي بعض الحالات قصف المناطق الفلسطينية المكتظة بالسكان. وقُتل عدد كبير من الفلسطينيين، منهم مدنيون، قتلاً متعمداً بالنسبة للكثيرين منهم. واستمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي أيضاً في ممارسة عمليات الإعدام خارج نطاق القانون، باستخدام القناصة والطائرات العمودية المسلحة، ونيران الدبابات أحياناً، لتقل أشخاص معينين إلى جانب سكان آخرين. وفي بعض الحالات، نُفِّذت حالات الإعدام خارج نطاق القانون ضد المحاربين المستسلمين أو ضد أشخاص مودعين بالسجون الإسرائيلية.

ومع أن عدد القتلى الفلسطينيين لم يتحدد بشكل نهائي، فإن التقارير تشير الآن، في ظل الظروف السائدة على أرض الواقع، إلى أن ثمة 375 فلسطينياً قد قُتلوا في الفترة من 29 آذار/مارس إلى 7 أيار/مايو 2002، كما أصيب المئات من الفلسطينيين بجراح وعانى الكثيرون من حالات إعاقة دائمة من جراء الإصابات الشديدة، بالإضافة إلى تكبد صدمات نفسية وعقلية، مما انتشر على نحو خاص فيما بين الأطفال.

وفرضت قوات الاحتلال الإسرائيلية أيضاً تدابير عقوبات جماعية قاسية ضد مئات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين، بما في ذلك فرض حصار عسكري واسع النطاق وفترات طويلة من حظر التجول، مما امتد أياماً في الكثير من الأحيان. وهذه السياسات والممارسات قد أفضت إلى نقص خطير في الضرورات الأساسية، بما فيها الأغذية والأدوية؛ وقد تفاقمت هذه الحالة كثيراً من خلال القيود، أو حالات المنع الكامل في العديد من المرات، التي فرضت على سيارات الإسعاف والطوارئ والمعونة الإنسانية للحيلولة دون وصولها إلى من يحتاجون إليها. وفي حالات عديدة، تضمن هذا منع نقل ودفن الموتى من الفلسطينيين. واستهدفت الهجمات كذلك بعض المنشآت الطبية، بما فيها المستشفيات. وعلاوة على ذلك، أُعلنت بعض المناطق "مناطق عسكرية مغلقة"، وحيل دون وصول وسائط الإعلام إليها بالمرة. وتعرض الفلسطينيون أيضا للإهانات والمضايقات المستمرة من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلية عند العديد من الحواجز المقامة على الطرق ونقاط التفتيش في كافة أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة. ومات فلسطينيون كثيرون بعد أن منعتهم قوات الاحتلال عند هذه الحواجز على الطرق من الوصول إلى المستشفيات أو المستوصفات لتلقي الرعاية الطبية. وبالإضافة إلى العدد المتزايد من الحواجز على الطرق، عمدت قوات الاحتلال الإسرائيلي أيضاً إلى عرقلة الحركة من خلال حفر الخنادق وهدم الطرق بالجرافات إلى جانب مد أسلاك شائكة في مواقع كثيرة.

وخلال الفترة قيد البحث، قامت القوات الإسرائيلية كذلك بجمع الآلاف من الفلسطينيين الذكور، واحتجزت إسرائيل ما يقرب من 7000 منهم في عملية تعسفية من عمليات الاحتجاز. وتعرض كثير من المحتجزين لسوء المعاملة، وذكرت التقارير أن بعضهم تعرض للتعذيب. وأغارت قوات الاحتلال على مساكن فلسطينية لا حصر لها، وقامت بتفتيشها، وأهانت وضايقت سكانها، ونهبت المساكن في الكثير من الأحيان. ومن الممارسات الجديرة بالإدانة بصفة خاصة، استخدام السكان الفلسطينيين كدروع بشرية أثناء الاضطلاع بالتفتيشات عند تقدم القوات العسكرية في المدن والقرى ومخيمات اللاجئين بالأرض الفلسطينية.

وغزت القوات الإسرائيلية المحتلة أيضاً مقر الرئيس ياسر عرفات بمدينة رام الله، حيث فرضت حصاراً عسكرياً صارماً واضطلعت على نحو مستمر تقريباً بأعمال عسكرية، مما عرض للخطر أمن وسلامة الأشخاص الموجودين داخل المقر، بما فيهم الرئيس. وفرضت قوات الاحتلال الإسرائيلي أيضاً حصاراً عسكرياً على كنيسة المهد، حيث ولد السيد المسيح، بمدينة بيت لحم، وذلك خلال بحثها عن عدة فلسطينيين لجأوا إلى هذه الكنيسة. وخلال هذا الحصار الذي دام أكثر من خمسة أسابيع، عرضت القوات الإسرائيلية المحتلة سلامة الكنيسة مراراً للخطر، وأحدثت بالفعل بعضاً من التدمير، بما في ذلك الضرر الناجم عن حريق، في أجزاء من مجمع الكنيسة. وبالإضافة إلى ذلك، هاجمت هذه القوات كنائس ومساجد أخرى عديدة في كثير من المدن الفلسطينية، وألحقت بها أضراراً.

وألحقت قوات الاحتلال الإسرائيلية أيضا، خلال الفترة نفسها، دماراً بالغاً وواسع النطاق بالهياكل الأساسية الفلسطينية في جميع المدن الفلسطينية الرئيسية ومخيَّمات اللاجئين، بما في ذلك شبكات الكهرباء والمياه والطرق. وتشير التقارير إلى أن قوات الاحتلال دمرت و/أو ألحقت أضرارا بحوالي 000 4 منشأة، بما في ذلك المنازل والمؤسسات. وتقع بعض المنشآت التي دمرتها قوات الاحتلال في مناطق تاريخية، كالبلدة القديمة في نابلس مثلاً، التي لحقت بها أضرار بالغة. ودمرت قوات الاحتلال ممتلكات عدة وزارات فلسطينية، مثل وزارتي التعليم والزراعة، بما فيهما من الحواسيب والسجلات والأثاث. ودمرت قوات الاحتلال أيضاً ممتلكات فلسطينية أخرى متنوعة، بما في ذلك 350 سيارة، من بينها عدة سيارات إسعاف.

وقدّر البنك الدولي الأضرار الكلية التي حدثت خلال الفترة المشمولة بالتقرير بمبلغ 361 مليون دولار من دولارات الولايات المتحدة، فضلاً عن الدمار الذي تقدّر قيمته بمبلغ 305 ملايين دولار من دولارات الولايات المتحدة، الذي سببته قوات الاحتلال خلال فترة الـ 18 شهراً السابقة. ولا تشمل هذه التقديرات بطبيعة الحال الخسائر الأفدح، المتعلقة بالإيرادات التي خسرها السكان في مجملهم والدمار الذي لحق بالاقتصاد الفلسطيني الوليد، والذي يقدره الجانب الفلسطيني بمبلغ 3 بلايين دولار من دولارات الولايات المتحدة عن فترة الـ 20 شهراً بأكملها.

يأتي بعد ذلك الهجوم العسكري الإسرائيلي على مخيم جنين للاجئين، الذي تبلغ مساحته كيلومتراً مربعاً واحداً، يعيش فيه 13000 من اللاجئين الفلسطينيين، الذين اقتلعوا من ديارهم وممتلكاتهم في عام 1948. وقد بدأ الهجوم في 3 نيسان/أبريل واستمر لمدة عشرة أيام، واستخدمت فيه قوات الاحتلال الإسرائيلية طائرات الهليكوبتر الحربية في قصف هذه المنطقة بقذائف "تو"، برغم ما تتميز به من كثافة سكانية عالية. واستخدمت قوات الاحتلال أيضاً مدافع مضادة للطائرات قادرة على إطلاق 3000 طلقة في الدقيقة. ونشرت عشرات الدبابات والمركبات المدرعة المزوّدة بالمدافع الرشاشة، واستخدمت القناصة. كما عمدت قوات الاحتلال إلى استخدام الجرافات لهدم المنازل وفتح ممرات واسعة في جميع أرجاء المخيم، مما أدى إلى تدمير مربعات كاملة من المنازل، في حالات كثيرة بينما كان سكانها لا يزالون بداخلها. واستخدمت قوات الاحتلال بشكل كثيف المدنيين كدروع بشرية أثناء تنفيذ هذا الهجوم العسكري.

وقد دُمر تماماً معظم المخيم وتشردت غالبية سكانه للمرة الثانية. وقاوم عدد من المقاتلين الفلسطينيين الهجوم العسكري الإسرائيلي، وكانوا مسلحين بالبنادق فقط، ومتفجرات بدائية الصنع، كما تشير بعض التقارير. وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلية على دراية تامة وتفصيلية بما يدور في المخيم، من خلال استخدامها للطائرات التي تطير بدون طيار والكاميرات المثبتة على البالونات، التي كانت ترصد الحالة، مما يدل على أن القادة كانوا يسيطرون بشكل كامل على الموقف، وأن جميع الفظائع التي ارتُكبت لم تكن غير متعمدة.

وحتى بعد انتهاء الأعمال العسكرية الإسرائيلية في مخيم جنين، واصلت قوات الاحتلال منع المنظمات الإنسانية الدولية، بما في ذلك لجنة الصليب الأحمر الدولية و"الأونروا"، من دخول المخيم لأكثر من 11 يوماً، لعلاج الجرحى وإيصال الأدوية والمعونات الغذائية الطارئة، بما في ذلك ما هو مخصص منها للأطفال والنساء وكبار السن. ونتيجة لكل ما سبق ذكره، قُتل فلسطينيون كثيرون، منهم مَن دُفن تحت أنقاض المنازل التي هدمتها الجرافات. ولا يزال بعضهم في عِداد المفقودين، وكثيرون منهم أُصيبوا بجروح وإصابات أخرى خطيرة. وما القول بأن جميع سكان ميخم جنين للاجئين عاشوا محنة قاسية طوال فترة هذا الهجوم العسكري الإسرائيلي وبسببه.

ووردت تقارير من عديد من المصادر موثوقة عن الفظائع التي ارتكبت في المخيم، وعن وجود أدلة دامغة على وقوع جرائم حرب. وبالإضافة إلى ذلك، هناك احتمال بأن تكون مذبحة وجريمة ضد الإنسانية قد ارتكبتا في مخيَّم جنين للاجئين – وهو احتمال تعززه البيانات التي صدرت في وقت ما عن قوات الاحتلال بشأن مقتل المئات من الفلسطينيين في المخيم، كما تعززه ما ذكرته التقارير من أنهم حاولوا نقل الجثث من المخيم إلى ما أسموه مقابر العدو.

وتواصل الهجوم العسكري الإسرائيلي الواسع النطاق في تحد كامل لقرار مجلس الأمن 1402 (2002) المؤرخ 30 آذار/مارس 2002، بل ولقرار مجلس الأمن 1403 (2002) المؤرخ 4 نيسان/أبريل 2002، الذي طالب بتنفيذ القرار 1202 (2002) "دون إبطاء". ولم تنسحب قوات الاحتلال الإسرائيلية من آخر المدن الفلسطينية إلا بعد ستة أسابيع من بدء الهجوم، وحتى عندئذ، واصلت حصارها المُحكم للمدن كما واصلت إعادة احتلالها لأجزاء واسعة من المناطق المحيطة من خلال وجود عسكري مكثف. ومنذ ذلك الحين، نفّذت قوات الاحتلال الإسرائيلي غارات متكررة على هذه المدن وأعادت احتلال أجزاء منها، في بعض الأحيان لعدة أيام، وقامت بقتل واختطاف أشخاص وسببت مزيداً من الدمار، وتصرفت بطريقة يقصد منها طمس الخطوط التي تُحدد المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية بموجب الاتفاقات القائمة.

ومن الواضح أن الفظائع الإسرائيلية السالفة الذكر، التي ارتكبت خلال الفترة المشمولة بالتقرير، قُصد بها التسبب في حدوث انهيار اجتماعي واقتصادي للمجتمع الفلسطيني. ولم يكن هدفها أن تُدمر حاضر الشعب الفلسطيني فحسب بل ومستقبله أيضاً، بما في ذلك تدمير السلطة الفلسطينية. وليست المحاولات الإسرائيلية الراهنة الرامية إلى تكريس الحالة التي أوجدها الهجوم العسكري الإسرائيلي كقاعدة، من خلال إيجاد عدد من المناطق المعزولة وعن طريق عودة الإدارة المدنية للحكومة العسكرية الإسرائيلية، سوى دليل آخر على ذلك. والحقيقة هـي أن الهدف السياسي الإسرائيلي الواضح هو العودة بنا إلى حالة ما قبل أوسلو، ولكن في ظل ظروف معيشية بالغة السوء بالنسبة للشعب الفلسطيني.

وخلاصة القول هي أن قوات الاحتلال الإسرائيلية ارتكبت دون شك انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي. كما أنه ليس هناك أي شك في أن إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، قد ارتكبت جرائم حرب في عدة مدن فلسطينية، بما في ذلك مخيَّم جنين للاجئين، تضمنت انتهاكات خطيرة لاتفاقية جنيف الرابعة. وتشمل جرائم الحرب تلك "القتل مع سبق الإصرار" و"المعاملة غير الإنسانية" و"الاحتجاز غير المشروع لأشخاص محميين" و"تدمير ومصادرة الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية".

وقد ارتُكبت هذه الجرائم، بالإضافة إلى انتهاكات جسيمة أخرى لا تُحصى مما يحدده البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، وهو أمر واضح وموثق. وما يلزم الآن هو إجراء تقييم دقيق للنطاق الفعلي لهذه الفظائع.

ولا بد من التأكيد على المسؤولية الشخصية التي يتحملها مرتكبو جرائم الحرب سالفة الذكر، سواء على الصعيد السياسي الذي قد يكون قد أصدر الأوامر، والأكثر بداهة، على الصعيد العسكري، بما في ذلك قادة وجنود الوحدات العسكرية التي ارتكبت تلك الفظائع. وفي هذا الصدد، تبدو المسؤولية الشخصية للجنرال شاؤول موفاز، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، واضحة تماماً. ويجب أيضاً التأكيد على مسؤولية كل طرف من الأطراف المتعاقدة السامية في اتفاقية جنيف الرابعة، طبقاً للمادة 148، سواء كان الطرف المتعاقد هو الذي ارتكب المخالفات الجسيمة للاتفاقية، أم ارتكبها طرف آخر.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن العديد من الأفعال الإسرائيلية سالفة الذكر يشكِّل إرهاب دولة، بوصفها أعمالاً تهدف إلى إلحاق الأذى بالسكان وإرهابهم من أجل خدمة وتحقيق أغراض سياسية، وفي هذه الحالة بالذات، من أجل إجبار شعب بأكمله على الاستسلام، ولا بد أيضاً من الإشارة إلى إرهاب المستوطنين، الذي يمارسه ضد المدنيين الفلسطينيين كثير من المستوطنين غير الشرعيين المتطرفين والمسلحين.

وقد حاولت إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، تبرير أفعالها خلال الشهرين الماضيين، وكذلك خلال الـ 18 شهراً السابقة، بوصفها إجراءات لمكافحة "الإرهاب"، تهدف إلى تدمير "الهياكل الأساسية للإرهاب". ومن الجدير بالإشارة أنه لا يمكن أن تكون هناك حجة أو منطق تبرر الانتهاكات الخطيرة والمخالفات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي. وعلاوة على ذلك، فإن سجل ما حدث يشير بوضوح إلى أن طبيعة الإجراءات المتخذة، ومقدار الضرر الذي أُلحق بالسكان والنتائج العملية التي تحققت، تثبت وجود أهداف سياسية مختلفة تماماً، كما أشير إليه أعلاه. وفي هذا الصدد، دأبت قوات الاحتلال الإسرائيلية على استهداف قوات الشرطة وقوات الأمن الفلسطينية، بدلاً من "الإرهابيين" كما حاولت بإصرار تدمير السلطة الفلسطينية وأعلنتها هي، وليس الجماعات المعادية للسلام في الشرق الأوسط "عدوا".

وعلاوة على ذلك، فإنه لا يمكن السماح لإسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، تحت أي ظرف من الظروف، بإخفاء أو تمويه حقيقة أنها توجد في الأرض الفلسطينية، بما فيها القدس، بوصفها سلطة احتلال وأن أصل جميع المشاكل هو وجود هذا الاحتلال، وهذا يزيد من درجة الإحباط واليأس وانعدام الأمل التي أسهمت إلى حد كبير في إيجاد من يقومون بالهجمات الانتحارية بالقنابل.

وفي هذا الصدد، اتخذت السلطة الفلسطينية موقفاً شديد الوضوح ضد الهجمات الانتحارية بالقنابل التي تُنفذ ضد المدنيين في المدن الإسرائيلية، وأدانتها بشكل متكرر. أما وجود قوات الاحتلال الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة وردود الفعل الفلسطينية على ذلك الوجود والسلوك، فهما مسألة مختلفة تماماً وفقاً للقانون الدولي. فالشعب الفلسطيني من حقه أن يقاوم الاحتلال، بل ومن واجبه حماية نفسه ومقاومة الهجمات العسكرية الإسرائيلية، وهي حالة لا يزال القانون الإنساني الدولي ينطبق عليها تماماً. وما زالت سياسة السلطة الفلسطينية هي السعي إلى إيجاد تسوية سلمية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة الدولة الفلسطينية، وتحقيق السلام في المنطقة. غير أن ذلك لا يغير الطابع القانوني لوضع الاحتلال، أو لأية أعمال قد يقوم بها الفلسطينيون في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس. وفي نهاية المطاف، فإن الأمل هو الذي يمكن أن يحل محل الإحباط السائد، وأن التقدم السياسي وليس العمل العسكري هو الذي سيؤدي إلى قيام ثقافة سلام تستند إلى حل يقوم على وجود دولتين.

وحتى تاريخ تقديم هذا التقرير، ما زالت إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، تواصل سعيها إلى تحقيق أهدافها السياسية غير المشروعة، فضلاً عما يصاحب ذلك من سياسات وممارسات غير مشروعة في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس. وفي هذه الحالة يظل الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال يعاني من الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان، وجرائم الحرب، وإرهاب الدولة والمستوطنين. وما زالت السلطة القائمة بالاحتلال تتصرف بتعنُّت وبلا خوف من قصاص مستهزئة بالقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي، وغير مبالية بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة وإرادة المجتمع الدولي.

استنتاجات وتوصيات

تشكِّل ثقافة الإفلات من العقوبة السائدة لدى الدوائر السياسية والعسكرية الإسرائيلية على السواء، مصدر قلق بالغ للسلطة الفلسطينية، نظراً إلى الآثار الإنسانية اليومية المترتبة على استمرار الممارسات الإسرائيلية غير المشروعة، التي تُرتكب ضد الشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس. وكما سبق ولوحظ، فإن الفشل المتواصل من جانب المجتمع الدولي في كفالة احترام إسرائيل للقانون الإنساني هو الذي أوجد هذه الثقافة الخطيرة القائمة على الإفلات من العقاب. وعلاوة على ذلك، أدى عدم تحرك الدول لتوفير حماية مناسبة للشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال إلى تحمُّل الشعب الفلسطيني نفسه عبء توفير هذه الحماية، الأمر الذي يقوض على نحو خطير ذات الغرض الذي من أجله وُضع القانون الإنساني الدولي، بل ونزاهة هذا القانون.

والفشل في كفالة امتثال إسرائيل لاتفاقية جنيف الرابعة، أدى وسيظل يؤدي إلى عواقب وآثار وخيمة بعيدة الأثر. ذلك أن انتهاكات إسرائيل وخروقاتها الخطيرة للاتفاقية لم تلحق أذى بالغاً بالمدنيين الفلسطينيين فحسب، بل وتسببت في الانتقاص من أمن المدنيين الإسرائيليين والفلسطينيين على السواء. كما كان للفشل في كفالة امتثال إسرائيل أثره المباشر والسلبي على قدرة كل من الحكومة الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية على التوصل إلى سلام عادل وشامل ودائم.

• واستناداً إلى كل ما تقدم، تود السلطة الفلسطينية أن تقدم التوصيات التالية:

تناشد السلطة الفلسطينية الأطراف المتعاقدة السامية في اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، الموقَّعة في 12 آب/أغسطس 1949، وسويسرا، بصفتها الوديع للاتفاقية، ولجنة الصليب الأحمر الدولية، كفالة احترام الاتفاقية طبقاً لأحكام المادة (1) المشتركة في الاتفاقيات الأربع. وفي هذا الصدد تهيب السلطة الفلسطينية بالأطراف المتعاقدة السامية، منفردة ومجتمعة، القيام تحديداً بما يلي:

• تكثيف جهودها الرامية إلى التقيُّد تماماً بإعلان 5 كانون الأول/ديسمبر 2001 وتنفيذه تنفيذاً كاملاً، واتخاذ المزيد من الإجراءات استناداً إلى ذلك الإعلان.

• التشاور بشأن صكوكها وآلياتها المتعلقة بسياساتها الخارجية وتطبيقها "مثلاً: إنفاذ المادة (2)، الحكم المتعلق بحقوق الإنسان من اتفاق الارتباط بين الجماعة الأوروبية وإسرائيل؛ وكفالة التطبيق الصحيح لاتفاق التجارة فيما يتعلق بالقواعد التي تحكم بلد المنشأ؛ وكفالة عدم استخدام مبيعات المعدات العسكرية لإسرائيل ضد الشعب الفلسطيني".

• النظر في إيجاد آليات لتمكين الفلسطينيين من ضحايا الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الإنساني الدولي من الحصول على تعويضات كجزء من عملية تخفيف معاناتهم الإنسانية.

• ترتيب جهودها التعاونية، بحيث تؤدي إلى إحباط محاولات دول ما وقف إنفاذ القانون الإنساني الدولي.

• تدعو السلطة الفلسطينية الأمين العام للأمم المتحدة تشجيع اتخاذ الأطراف المتعاقدة السامية للإجراءات السالفة الذكر، وتشجيع اتخاذ إجراءات تكفل ألا تكون حماية السكان الذين يرزحون تحت الاحتلال العسكري العدواني موضع مساومة بين السلطة القائمة بالاحتلال والسكان الواقعين تحت الاحتلال.

• تطالب السلطة الفلسطينية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة النهوض بمسؤولياته بموجب ميثاق الأمم المتحدة من أجل صون السلم والأمن الدوليين، وبناء على ذلك، تطالب المجلس القيام بدور فعال وكفالة الامتثال لقراراته.

• تهيب السلطة الفلسطينية بالجمعية العامة مواصلة عملها القيِّم في مجال إعلان القانون الدولي وفي دعم إعمال حقوق الشعب الفلسطيني. وتهيب بالجمعية على وجه التحديد، أن تواصل، في حالة فشل مجلس الأمن في اتخاذ إجراء، الأعمال التي اضطلعت بها في دورتها الاستثنائية الطارئة العاشرة، وفقاً للقرار 377 (د-5) لعام 1950 المتعلق بالاتحاد من أجل السلام.

• تناشد السلطة الفلسطينية الأمم المتحدة والأمين العام إنشاء وجود دولي لرصد الامتثال للقانون الإنساني الدولي، والمساعدة في توفير الحماية للمدنيين الفلسطينيين، ومساعدة الأطراف في تنفيذ الاتفاقات التي يتم التوصل إليها. وفي هذا الصدد تدعو السلطة الفلسطينية إلى المتابعة الجادة لاقتراح الأمين العام بشأن تأسيس قوى متعددة الجنسيات تكون نشطة وذات مصداقية، وذلك بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

• تدعو السلطة الفلسطينية الدول إلى بذل جهود على الصعيد الوطني للتحقيق في المخالفات الجسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة وتقديم مرتكبيها للمحاكمة.

• تدعو السلطة الفلسطينية إلى إنشاء محكمة جنائية دولية تتولى التحقيق في جرائم الحرب التي يُدَّعى ارتكابها في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس، وتقديم مرتكبيها للمحاكمة. وتطلب أن ينشئ هذه المحكمة، مجلس الأمن، أو كبديل لذلك أن تنشئها الجمعية العامة.

المرفق الثاني

مذكرة شفوية مؤرخة 31 أيار/مايو 2002 موجهة إلى الأمين العام من البعثة الدائمة لقطر لدى الأمم المتحدة:

يهدي الوفد الدائم لدولة قطر لدى الأمم المتحدة تحياته إلى الأمين العام للأمم المتحدة. وبالإشارة إلى مذكرته المؤرخة 14 أيار/مايو 2002 التي طلب فيها إلى حكومة دولة قطر تقديم معلومات تتصل بتنفيذ الفقرة 6 من القرار دإط - 10/10 الذي اتخذته الجمعية العامة في دورتها الاستثنائية الطارئة العاشرة المستأنفة في 7 أيار/مايو 2002، تتشرف بأن تحيل إليه طيه شريط فيديو من قناة الجزيرة يتضمن المعلومات ذات الصلة المطلوبة.

المرفق الثالث

مذكرة شفوية مؤرخة 2 تموز/يوليو موجهة إلى الأمين العام من البعثة الدائمة للأردن لدى الأمم المتحدة:

يهدي المندوب الدائم للمملكة الأردنية الهاشمية تحياته إلى الأمين العام للأمم المتحدة ويتشرف بأن يشير إلى المذكرتين الشفويتين الأخيرتين المؤرختين 14 أيار/مايو 2002 و44? حزيران/يونيو 2002 والمتعلقتين بالمعلومات ذات الصلة الرامية إلى تيسير إعداد التقرير المطلوب بموجب الفقرة 6 من قرار الجمعية العامة دإط- 10/10 المؤرخ 7 أيار/ مايو 2002.

ويتشرف المندوب الدائم للمملكة الأردنية الهاشمية لدى الأمم المتحدة أن يبلغ الأمين العام أن البعثة الدائمة للمملكة الأردنية الهاشمية لدى الأمم المتحدة تلقت معلومات ذات صلة من عمّان تتصل بالأحداث التي وقعت في جنين وفي أماكن أخرى في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتأمل في أن تكون هذه المعلومات مفيدة للأمين العام. والمعلومات مرفقة بهذه المذكرة الشفوية.

إرفاق
[الأصل: بالعربية]
شهادات حية للناجين من مجزرة مخيم جنين:

بدأ الجيش الإسرائيلي حصاره لمخيم جنين بتاريخ 3 نيسان/أبريل 2002 واستمر الحصار 13 يوماً، قامت خلالها الدبابات الإسرائيلية والتي يقدر عددها بمائتي دبابة بقصف كثيف للمخيم، وانضمت إليها طائرات عمودية من طراز أباتشي وطائرات حربية من طراز إف - 16. وقطعت قوات الاحتلال الماء والكهرباء عن المخيم، ومنعت سيارات الإسعاف والطوارئ والطواقم الطبية من دخول المخيم طوال فترة الحصار.

وبتاريخ 10 نيسان/أبريل اقتحم الجيش الإسرائيلي المخيم وبدأ عملية منهجية لتدمير المنازل وتم اعتقال مئات الشبان، وأكدت شهادات شهود عيان قيام الجيش الإسرائيلي بعمليات إعدام ميداني لعدد من الفلسطينيين بعد اعتقالهم.

ويتناول هذا التقرير عدداً من الشهادات الحية لجرحى ناجين من المجزرة ولأقارب الشهداء وأصدقائهم وأهالي المخيم والمتطوعين الذين ساعدوا في عمليات الإغاثة والصحفيين.

شهادات جرحى يعالجون في المستشفيات الأردنية:

قامت بعثة من دائرة الشؤون الفلسطينية بزيارة عدد من الجرحى الناجين من مخيم جنين الذين يعالجون في المستشفيات الأردنية وزارت مستشفى الأردن في عمان بتاريخ 20 حزيران/يونيو 2002 والتقت سبعة من الجرحى الذين رووا مشاهداتهم الحية والشخصية لما حدث في المخيم أثناء تواجدهم به خلال فترة الحصار والقصف، ومن هذه الشهادات:

• الموت الجماعي:

ما تزال قصة الشباب السبعة الذين كانوا يختبئون معاً في غرفة أحد المنازل تتردد بين جنبات المخيم، حيث اعتاد الأهالي من الأقارب والجيران أن يتجمعوا معاً، الرجال والشباب على حدة والنساء والأطفال على حدة، وكان الخوف والانتظار والترقب ثقيلاً على صدور الناس مما دفع البعض منهم إلى الخروج واستكشاف ما يدور حولهم، وهذا ما فعله أحد الشبان الذي خرج إلى الشارع ثم عاد إلى الغرفة، حيث يتجمع البقية، إلا أن طائرة الأباتشي التي كانت تحلق فوق المخيم حددت مكانه ولاحقته بصاروخ، فجَّر الغرفة وأدى إلى قتل الشبان السبعة جميعاً، وقد بقيت جثثهم في الغرفة أكثر من خمسة أيام لأنهم كانوا وسط المخيم ولم يستطع أحد الوصول إليهم، وعندما استطاع الأهالي الوصول كان المنظر بشعاً جداً، أوصال مقطعة وأشلاء محروقة تفوح منها رائحة العفن، ولم يكن من السهولة التعرف إليهم، أحدهم قال إنه عندما دخل الغرفة ارتطمت قدمه برجْل أحد الشهداء فتدحرجت أمامه، وحاول التعرف إلى أحد أقاربه ولم يساعده في ذلك سوى النظارة الطبية التي اعتاد قريبه أن يضعها، ثم بدأت عملية وضع أشلاء كل شهيد في كيس على حدة ودفنها قبل وصول الأمهات والشقيقات حتى لا يصدمن من مناظر جثث الأحباء التي أصبحت قطعاً مشوهة.

• الشهيد جابر

ستبقى قصة جابر محفورة في ذكريات أهالي مخيم جنين، الذين ما زال الحزن يعتصرهم حين يسردون قصة استشهاده والآلام التي عاناها قبل أن يقضي شهيداً، إضافة إلى معاناة منقذه الذي راقبه وهو يموت بين يديه دون أن يكون بمقدوره تقديم المساعدة له. أصيب جابر برصاص من طائرة الأباتشي، وقام رجل مسن بسحبه من الشارع وأدخله منزله وحاول إسعافه إلا أنه لم يستطع لخطورة إصابته ولعدم تمكن فريق الإسعاف من الدخول إلى المخيم. طلب جابر من صاحب المنزل أن يسقيه ماء إلا أن مسعفه رفض طلبه خوفاً على حياته، فمن المتعارف عليه لدى الأهالي أنه لا يجوز إعطاء الجريح الماء لأن هذا يعني موته سريعاً. وبقي جابر ينزف لساعات ثم بدأ يعاني سكرات الموت، فقام الرجل بوضع بشكير مبلل بالماء على شفتيه ولقنه الشهادتين إلى أن فاضت روحه، ووضع بطانية على جثة جابر، ثم هرب هو وعائلته من المنزل بعد أن بدأ الجيش الإسرائيلي بهدم المنازل في المخيم.

بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي بدأت عملية البحث عن الجرحى وجثث الشهداء تحت أنقاض المنازل وكان ذلك يتم بأدوات بسيطة مثل أدوات البناء والزراعة وبذلك استغرقت عملية البحث وقتاً طويلاً بسبب وجود أطنان من الركام. وبعد نحو "25" يوماً وعندما وصلت عملية البحث إلى المكان الذي استشهد فيه جابر، سرد صاحب المنزل قصة استشهاده وعين للمنقذين على وجه التحديد المكان الذي سيجدون فيه جثته، ووجدوا بقايا جثته مغطاة ببطانية. إحدى المتطوعات في الهلال الأحمر الفلسطيني راودها الشك في أن يكون الشهيد شقيقها وقالت إن شقيقها كان يرتدي ملابس شبيهة ببقايا الملابس الموجودة على جثة الشهيد. وكان أن سألوا صاحب المنزل عن اسم الشهيد، فأكد أن اسمه جابر حسني جبر وهنا انهارت الفتاة وبدأت بالركض والصراخ وتمزيق ملابسها، هذه الفتاة كانت هالة شقيقة جابر.

• الشهيدان عبد الكريم السعدي وجمال الصباغ:

مارس الجنود الإسرائيليون القتل دون رحمة وكان يكفي لديهم مجرد الاشتباه أو الشك لإطلاق النيران وقتل الأبرياء، وهذا ما حدث مع عبد الكريم السعدي وجمال الصباغ. كان عبد الكريم في العشرينات من عمره ويعمل في بلدية جنين وهو متزوج منذ أربعة أشهر وزوجته حامل، وكان يعاني من آلام في الظهر إثر إصابة عمل تعرض لها أثناء عمله في البلدية مما اضطره لوضع مشد طبي للظهر بشكل دائم. لدى دخول الجيش الإسرائيلي للمخيم قام بتجميع الشباب والرجال في الشوارع والساحات وخرج عبد الكريم ووالده من المنزل وطلب الجنود من عبد الكريم خلع ملابسه ولمح الجندي المشد الطبي على وسطه وظن أنه يحمل حزاماً ناسفاً فعاجله بصليات من الرصاص اخترقت جسده وغطى دمه جسد والده الذي ارتمى إلى جانب جثة ولده من شدة الصدمة.

أما قصة استشهاد جمال الصباغ فلا تختلف كثيراً عن قصة عبد الكريم، فجمال شاب في أواخر الثلاثينات وهو يعاني من مرض السكري، ولدى طلب الجيش الإسرائيلي من الرجال والشباب الخروج من البيوت تمهيداً لتفتيشهم واعتقالهم كان جمال يحمل معه كيساً وضع فيه الأدوية التي يتناولها، وعندما بدأ بخلع ملابسه بناء على أوامر الجنود علق سحاب البنطلون وحاول جاهداً أن يفكه فظن الجنود أنه ينوي عمل شيء ضدهم وأطلقوا عليه الرصاص، فاستشهد وغطى دمه طفلاً صغيراً عمره خمس سنوات كان يقف إلى جانبه.

• الشهيدان أبو السباع ومحمد مفيد:

أهل المخيم جميعاً يعرفون قصة أبو السباع وهو الرجل العاجز الذي يبلغ من العمر 80 سنة ولا يستطيع الحركة بسبب كبر سنه، وعندما بدأت البلدوزرات والجرافات الإسرائيلية هدم حارة الحواشين اقتحم الجنود بيته واعتقلوا أولاده، ثم بدأوا عملية هدم منزله دون أن يكترثوا لوجوده في المنزل وعجزه عن الخروج من البيت واستشهد أبو السباع تحت ركام منزله.

وعلى الرغم من أن محمد مفيد كان يعاني من إعاقة عقلية واضحة للعيان من هيئته وملابسه الرثة والطريقة التي يمشى ويتجول بها، حيث يمضي الوقت هائماً في الشوارع يستجدي المارة، إلا أن حالته هذه أيضا لم تمنع الجنود من إطلاق النار عليه دون أن يشكل أي تهديد لهم.

• شهادات حية:

نشرت العديد من الصحف لقاءات مع الناجين من سكان المخيم بعد رفع الحصار عنه. وقد صُدم الصحفيون ومراسلو وسائل الإعلام لدى دخولهم المخيم وجاءت شهادات الناجين لتضيف تفاصيل سوداء لأيام الحصار والقصف والمجزرة.

وتحدث سكان من المخيم اعتقلهم الجنود عن ظروف اعتقال مهينة، حيث أجبروا على النوم لأيام طويلة على الأرض يرتدون ملابس داخلية فقط وأياديهم مكبلة بالأصفاد، وحصلوا مرة واحدة يومياً على ماء شرب وخبز وأجبروا على الاستعطاف من أجل السماح لهم بالتوجه لإناء من الحديد لقضاء حاجتهم، وضربهم الجنود والمحققون من المخابرات العامة، "الشاباك" واعتدوا عليهم وأطْلق سراح معظمهم في نهاية المطاف، بعد أن اتضح عدم وجود أي شبهات ضدهم.

أحد الناجين من مذبحة المخيم قال، إن عمليات البحث عن الجثث تجري وفقاً لشهادات مواطنين أبلغوا عن شهداء في المنازل أو في الأزقة التي تحولت إلى ركام، وأضاف أن أحد الناجين من المذبحة أبلغ الطواقم العاملة في المخيم عن وجود أربع جثث لشهداء، وحدد لهم المكان بالضبط، مبيناً أن الجرافات هدمت المنازل فوق الشهداء بعد استشهادهم.

• شهادة الحاج أحمد أبو خرج:

اغرورقت عينا الحاج أحمد محمد خليل أبو خرج بالدموع وهو يشق طريقه إلى منزله الذي تعرض للقصف من الطائرات الصهيونية خلال العدوان على المخيم، ليرشد طواقم الإسعاف إلى الغرفة التي استشهدت فيها شقيقته المسنة يسرى أبو خرج البالغة من العمر 65 عاماً ليشاهدها للمرة الأولى بعد استشهادها، في اليوم الثالث للهجوم. وخنقت الدموع كلمات الحاج أحمد أبو خرج عندما شاهد جثة الشهيدة مسجاة على الأرض دون حراك بعد أن مزق جسدها الصاروخ، منظر مأساوي لم يتحمله حتى أعضاء طواقم الإسعاف.

ويقول أبو خرج (في اليوم الثالث للاجتياح سمعنا صوت انفجار قوي في الطابق الأخير من منزلي المكون من ثلاثة طوابق، حيث كانت تجمع شقيقتي أغراضها، وتستعد للانضمام إلى أسرتي المكونة من 13 نفراً والتي لجأت إلى الطابق السفلي لتجنب آثار القصف العشوائي. بعد الانفجار الذي هز المنزل صعد أحد أبنائي لتفقد شقيقتي ولكنه لم يتمكن من دخول غرفتها بسبب تواصل القصف وشاهدها من ثقب الباب ملقاة أرضاً وتنزف بشدة دون أن تقوى على الحركة، ويضيف أبو خرج اتصلنا فوراً بالإسعاف والمستشفى والصليب الأحمر وطلبنا منهم النجدة، وتتالت الاتصالات دون جدوى).

ويقول رئيس قسم الإسعاف والطوارئ في الهلال الأحمر تلقينا اتصالاً من عائلة يسرى أبو خرج يفيد أن ابنتهم مصابة وتنزف، فتحرك أحد الطواقم فوراً باتجاه المخيم إلا أن دبابات الجيش الإسرائيلي أطلقت النار علينا، ورفضت السماح لنا بالدخول والوصول للمخيم، فأبلغنا الصليب الأحمر الدولي الذي قام بدوره بإجراء الاتصالات المطلوبة إلا أن الموقف لم يتغير وعجزنا عن الوصول لعائلـة أبو خرج لتأدية واجبنا. ولكن حكاية عائلة أبو خرج لم تنته عند هذا الحد كما يقول الحاج أحمد الذي تجاوز العقد الثامن، فبعد ساعات اقتحمت قوات كبيرة من الجيش منزلنا واحتجزتنا جميعاً في غرفة واحدة وبعد تفتيشنا اعتقلت أبنائي الأربعة واقتادتهم لجهة مجهولة، ثم احتلوا المنزل وحولوه إلى ثكنة عسكرية وانتشروا في الطابق الثاني.

ويقول أبو خرج توجهت للضابط المسؤول عن القوة وطلبت منه السماح لنا بإحضار شقيقتي من الطابق الثالث والاطمئنان عليها، فرفض ولكن أمام إلحاحي رد عليَّ قائلاً أختك ماتت ولا داعي لمشاهدتها، فطلبت منهم السماح للهلال الأحمر بإخراج جثمانها ونقلها للمستشفى فرفض وبقينا محتجزين في الطابق السفلي والشهيدة في غرفتها، ثم أجبرونا تحت تهديد السلاح على إخلاء المنزل وطردونا منه، حيث تم تشتيت أسرتي ولا زلت أجهل مصير بناتي وأبنائي، ويضيف أنها كارثة ومأساة حقيقية، فشقيقتي لم تشكل خطراً على الجيش وتهدد حياتهم ورغم ذلك قصفوها وقتلوها بدم بارد وتركت دون دفن لمدة 16 يوماً فأي شريعة أو قانون يجيز ذلك؟؟.

• شهادة زوجة الشهيد ناصر أبو حطب:
وعلى مقربة من المكان وفي حي الدمج كان الهدف التالي لجيش العدو الصهيوني المواطن ناصر أبو حطب، الذي يعيل أسرة تتكون من زوجته وأربعة أطفال، وقالت زوجته لن أنسى تلك اللحظات أبد الدهر، فالجنود لم يراعوا حرمة البيت ودون ذنب أو سبب أطلقوا النار على زوجي أمام أطفاله. وتضيف: (في حوالي الساعة الرابعة عصراً يوم السبت – اليوم الثالث لعملية مخيم جنين – طرق الجنود بوابة منزلنا، فاندفع زوجي لفتحه ولكن الصدمة الكبيرة أن الجنود أمسكوا زوجي من عنقه ثم أطلقوا النار عليه بشكل مباشر رغم أنه لم يتأخر عليهم أو يقاومهم والتزم بتعليماتهم، وسقط زوجي أرضاً مضرجاً بدمائه وبدأت بالصراخ والبكاء من هول المنظر، فوجهوا بنادقهم نحوي وهم يصرخون "شيكت" "شيكت" ثم احتجزوني وأطفالي في غرفة واحدة، فاتصلت بالمستشفى والهلال الأحمر طلباً للنجدة وإنقاذ حياة زوجي إلا أن الجنود رفضوا السماح لهم بالوصول إلى منزلي).

وفارق أبو حطب الحياة ولفظ أنفاسه الأخيرة على مرأى ومسمع من زوجته وأطفاله، ولكن الفاجعة الأكبر لأسرته أن الجنود وبعد احتجازهم عدة ساعات غادروا المنزل وأغلقوا بوابته عليهم ومنعوهم من إخراج جثمانه. وتقول الزوجة (لا توجد كلمات تصف هذه الحالة والوضع المنافي لأبسط حقوق الإنسان فقد احتجزني الاحتلال وأطفالي مع الجثة التي عجزنا عن دفنها حتى في ساحة المنزل لصغره). وأضافت أي حياة أو مستقبل أو غد ينتظر أبنائي الذين شاهدوا والدهم ينزف أمامهم دون أن يتمكنوا من مساعدته، ثم لا يقدرون على دفنه ويبقى ميتاً بينهم لمدة أسبوع.

• شهادة أم هيثم:

46 بعد عودة الأهالي للمخيم بدأوا بإزالة الأنقاض بحثاً عن أوراق أو مستندات تثبت هويتهم الشخصية أو قطع المصاغ التي طمروها قبل طردهم من منازلهم أو بعض أثاثهم وملابسهم، ولكن المواطنة أم هيثم لم تجد تحت الأنقاض شيئاً يذكرها بمنزلها، فقد دمر كل شيء وحتى ملابسهم وأثاثهم لم يبق منه ما يمكن أن يستخدم أو يستفاد منه. وقالت بلحظة دمرونا وشردونا وضاع تعب وشقاء العمر، ومنذ ثلاثة أسابيع نعيش في العراء أو مشردين في المنازل علماً أنها لا زالت تُسدد المبالغ التي بنت فيها المنزل. وبكت الطفلة إسراء بمرارة عندما وصلت للساحة التي كانت يوماً منزلها والتي تعرفت عليها لدى مشاهدة والدها يحفر ما بين الركام والأنقاض على الأرض.

• شهادات مصابين بانفجار الألغام:

يعيش أهالي المخيم حالة من الخوف والقلق على مصيرهم وحياتهم مع تكرار حوادث انفجار الألغام التي خلفها الجيش الإسرائيلي، وقال أبو أحمد: لم يكتفوا بتدمير منازلنا بل زرعوا الألغام في كل مكان حتى أصبح الخطر يتهدد حياتنا في كل لحظة وعندما وضعت قدمي يوم الأحد داخل المنزل انفجر بي لغم وأصبت وولدي محمد، ويقول الأهالي إن الجنود عندما زرعوا ألغاماً في الأحياء والمنازل انفجر منها عشرة ألغام أدت إلى إصابة عشرين فلسطينياً غالبيتهم من الأطفال. وقال مسؤول فريق إزالة الألغام في الصليب الأحمر: إن الفريق لاحظ وجود أجسام وألغام مشبوهة بشكل واسع وتمكن من إخراجها وإبطال مفعولها مناشداً المواطنين التعاون معهم حفاظاً على حياتهم وأمنهم. هذا وشكّل الفريق عدة فرق محلية لمتطوعين من المخيم للعمل المشترك على رصد الألغام وجمعها وتفتيش المنازل والتجمعات المحلية.

أسد فيصل عرسان 10 سنوات وسعد صبحي الوحشي 12 عاماً، طفلان من مخيم جنين كانا يعبثان مع أبناء جيلهما في أحد أزقة المخيم انفجر بهما لغم يؤكد الأهالي أن الجنود زرعوه في المنطقة التي كانت خاضعة للاحتلال. ويقول أسد بعد خضوعه لعدة عمليات جراحية (جلست وأصدقائي في الحي نتحدث عن لحظات المداهمة والقتل الإسرائيلية وعندما بدأنا نلعب انفجر شيء بنا ففقدت الوعي وعندما استيقظت وجدت أنني فقدت جميع أطرافي). ويقول أطباء مستشفى جنين إن إصابة عرسان بالغة وخطيرة وأدت لبتر أطرافه الأربعة أما سعد فأصيب بحروق وشظايا في جميع أنحاء جسده.

• شهادات الصحفيين والمنظمات الإنسانية:

حتى الصحفيون صدموا من هول المشاهد التي واجهوها في مخيم جنين واعترف بعضهم أنه عجز عن التعبير ووصف الصورة التي شاهدها. وقال الصحفي وليد العمري من قناة الجزيرة القطرية (رغم إعلان السلطات الإسرائيلية إغلاق مخيم جنين في وجه وسائل الإعلام وملاحقتها صممنا على تحدي الصعاب والمخاطر وتمكنا من دخول المخيم لنقل الحقيقة التي لا يمكن التعبير عنها إلا من خلال التواجد في ميدان الحدث الذي كان في حالة جنين مغلقاً بالدبابات والقناصة). العمري كان من أوائل الإعلاميين الذين تسللوا إلى المخيم خلال المجزرة، أضاف (الطريق التي سلكناها كانت خطيرة وعسيرة ولم يكن سهلا دخول المخيم) ولكن الصور التي شاهدناها منذ اللحظة الأولى كانت مرعبة للغاية. جثث محترقة أو مقطعة، وعشرات المنازل المهدمة والمدمرة جعلتنا نشعر كأننا في منطقة ضربتها هزة كبيرة. ويضيف أنه واقع مؤلم ومأساوي خاصة عندما تدرك أن الضحايا مواطنون كانوا هُجِّروا قبل 50 عاماً وعادت نفس الدولة التي قامت على أنقاض منازلهم لتهجِّرهم مرة أخرى. وأفاد العمري أن من المناظر الأكثر حساسية التي شاهدتها في المخيم المواطنين الذين بقوا محاصرين في منازلهم لأكثر من 20 يوماً والسؤال الأكبر الذي راودنا هو كيفية الحفاظ على حياة هؤلاء الأحياء بعد كل ما جرى في المخيم ومناظر الناس الذين كانوا يبحثون تحت الأنقاض عن أحياء أو أشلاء وصور الحالات الإنسانية الفريدة لأم أو أب يبحثون عن أقاربهم أو طفل يبحث عن إخوته وأسرته أو أن تجد شخصاً يبحث عن بيته بين الأنقاض.

توقفت الصحفية الأمريكية ميري سيرال مراسلة صحيفة الصنداي تايمز في نيويورك، ثم قالت شاهدت صوراً كثيرة في المخيم ولكن كل ما عرض وشاهدناه لا يعكس الواقع لأن الأحداث تؤكد أن الجيش الإسرائيلي تعمد تدمير المخيم وسكانه بشكل مناف لكل القوانين. فالشهيد جمال فايد كان مقعداً ولم يقاتل أو يشكل خطراً على أمنهم ومع ذلك منعوا أسرته من نقله من المنزل. أما الصحفي الصيني تشوسوزكي – مصور تلفزيوني – فقال بحزن وهو يمسح دموعه: "أيقنت الآن أن العالم كله بدون استثناء شريك في هذه المأساة فقد غطيت أحداثاً ومآسي كثيرة في العالم ولكن صور مخيم جنين كانت الأكثر تأثيراً وعنفاً. جميع الضحايا كانوا مدنيين. شاهدت جثث الذين أخرجوا من تحت الأنقاض أنها جثث لأطفال ونساء وشبان جميعهم مدنيون وبعضهم تأكدنا أن إصابتهم لم تكن قاتلة ولكن منع علاجهم أدى إلى وفاتهم. لذلك أؤكد أن مجزرة كبيرة ارتكبت وعلى كل صاحب ضمير حي في العالم أن يوقف هذه الحرب والدمار والمآسي.

• المتطوعة الأمريكية تشيبس:

كانت المتطوعة الأمريكية في الصليب الأحمر تشيبس من أوائل الذين دخلوا شوارع مخيم جنين بعد إغلاقه لمدة أسبوعين أمام الطواقم الطبية الإنسانية، ورغم مشاركتها في حملات إغاثة عديدة في عدد من دول العالم، فإن "تشيبس" عبّرت عن صدمتها الشديدة بما شاهدته، وقالت: (شاركت وعشت مع الفلسطينيين لحظات الحزن والألم وهم يحاولون الوصول إلى المخيم لعدة أيام والجيش الإسرائيلي يمنعهم رغم مئات نداءات الاستغاثة التي تلقوها من أطفال ونساء وأهالي المخيم إلا أننا جميعا عجزنا عن القيام بدورنا وتقديم المساعدة لأحد، فالدبابات كانت تنتشر في كل مكان وتشارك مع القناصة الذين احتلوا عدداً من الأبنية في إطلاق النار حتى على سيارات الإسعاف)، وأضافت: عمل الصليب الأحمر بكل طاقاته وبذل جهوداً واتصالات حثيثة لضمان تحرك الهلال الأحمر أو سيارات الصليب الأحمر التي تحمل شارته وتقديم الإسعاف للجرحى أو إخراج أجساد الشهداء ولكن دون جدوى، الجيش الإسرائيلي منعنا من التنقل والحركة وهذا أمر فظيع ومناف للقانون الدولي. وتصف "تشيبس" الوضع في المخيم بأنه كارثة ومأساة، وتقول: "عندما سمح الجيش الإسرائيلي لنا بالدخول كان الوقت متأخراً جداً، فما أن وطأت أقدامنا أرض المخيم حتى فاحت روائح الموت من الجثث التي تركها الجيش ملقاة في الشوارع والأزقة وتحت الأنقاض"، وأضافت تنقلت في عدة بقاع من العالم وشاهدت أشكالاً مختلفة من الدمار ولكن الصورة هنا كانت مختلفة ورهيبة ومأساوية، عثرنا على جثث محترقة وأخرى متعفنة وجميعها لمدنيين بعضهم دُفن تحت المنازل التي نسفها الجيش، منهم نساء أو أطفال ومسنين، إنها مجزرة حقيقية وصور رهيبة.

المرفق الرابع
مذكرة شفوية مؤرخة 7 حزيران/يونيو 2002 موجهة إلى الأمين العام من البعثة الدائمة لإسبانيا لدى الأمم المتحدة:
تهدي البعثة الدائمة لإسبانيا لدى الأمم المتحدة تحياتها إلى الأمين العام للأمم المتحدة. وبالإشارة إلى المذكرة DPA/APD/GA/RES/ES-10/10 المؤرخة 14 أيار/مايو، وتتشرف بأن تحيل طيه تقرير الاتحاد الأوروبي عن الأحداث التي وقعت في جنين وفي مدن فلسطينية أخرى.

إرفاق
تقرير الاتحاد الأوروبي
[الأصل: بالانكليزية]

تحيل رئاسة الاتحاد الأوروبي بهذا إلى الأمين العام للأمم المتحدة التقرير عن الأحداث التي وقعت في جنين وفي مدن فلسطينية أخرى في شهر نيسان/أبريل. وقد أعد هذا التقرير القناصل العامون للاتحاد الأوروبي في القدس ورؤساء البعثة في رام الله.

1- ملاحظات تمهيدية:

تجدر الإشارة، كملاحظة تمهيدية، إلى أن التقارير عن الأحداث التي وقعت في جنين وفي مخيم جنين للاجئين أعدها عدد من المنظمات غير الحكومية، والمنظمات الدولية، ووكالات الأمم المتحدة (الأونروا، ومنظمة رصد حقوق الإنسان، ولجنة الصليب الأحمر الدولية...) وذلك كجزء من التقارير العالمية الأخرى عن الحالة وعن الأحداث التي وقعت في الأراضي المحتلة أو أنها تشير بصورة حصرية إلى الحالة في جنين.

ولا بد من أن يلاحظ أيضاً أنه لم يكن هناك أي مراقبين مستقلين في المنطقة أثناء القتال، وبخاصة في مخيم اللاجئين. كما أن جيش الدفاع الإسرائيلي منع الدخول إلى المخيم لمدة اثني عشر يوماً متتالية.

ومنذ بدء العمليات العسكرية في أوائل شهر نيسان/أبريل، قام جيش الدفاع الإسرائيلي في مناسبتين أخريين على الأقل بغارات إضافية على جنين، مما صعّب للغاية المهمة التي تقوم بها وكالات المعونة في المجال الإنساني والتعمير وأكد للسكان وقوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية تصورهم بأن وضعهم ضعيف.

وما حدث من دمار هائل، وخاصة في وسط مخيم اللاجئين، وهو أمر يستطيع أن يشهد به كل رؤساء البعثات في القدس ورام الله، يبين أن الموقع تعرض لاستخدام عشوائي لقوة، تجاوزت ما يحدث في ساحات المعارك.

2– مقدمة:

في 3 نيسان/أبريل 2002، بدأ جيش الدفاع الإسرائيلي عمليات عسكرية ضد مدينة جنين الفلسطينية في الضفة الغربية ومخيم اللاجئين فيها. وكانت هذه العملية جزءاً من حملة عسكرية رئيسية ضد المدن الفلسطينية في الضفة الغربية.

وجاءت هذه العملية بعد عملية رئيسية أولى وقعت في منتصف شهر آذار/مارس، وبررتها إسرائيل على أنها جزء من محاربتها للإرهاب، وانتقام لسلسلة من الهجمات الإرهابية في الأيام السابقة.

وتم إعلان مدينة جنين والمخيم منطقة عسكرية مغلقة. ولم يسمح جيش الدفاع الإسرائيلي لأي شخص بدخول المدينة. وفي الوقت نفسه، تم تنفيذ حظر للتجول دام مدة 13 يوماً متتالية، ولم يرفع الحظر عن مخيم اللاجئين إلا في 18 نيسان/أبريل.

ومنعت هذه الحالة المراقبين من دخول جنين ولا سيما مخيم اللاجئين، حيث لم يسمح إلا في 15 نيسان/أبريل لموظفي لجنة الصليب الأحمر الدولية وجمعية الهلال الأحمر الفلسطينية بالدخول إلى مخيم اللاجئين للمرة الأولى بعد 12 يوماً.

ونتيجة لذلك، فإن جميع التقارير المستقلة المقدمة عن الأحداث التي وقعت في مخيم جنين للاجئين تستند إلى أقوال أفراد، وتعليقات المسؤولين في السلطة الفلسطينية، والتعليقات الواردة من بعض المصادر الرسمية في جيش الدفاع الإسرائيلي، فضلا عن تقارير من مسؤولين في الأونروا، أو لجنة الصليب الأحمر الدولية، أو الوكالات الدولية الأخرى الموجودة على الأرض.

ولم تكن هناك إمكانية للمعاينة المباشرة إلا بعد وقوع الأحداث، أولا من جانب فرق المساعدة الإنسانية التي جلبت المعونة إلى السكان، وفيما بعد من جانب زوار مخيم اللاجئين والمدينة.

وعلى أساس هذه التقارير والملاحظات المباشرة، يمكن ذكر بعض الوقائع.

3- معلومات أساسية حول مخيم جنين للاجئين:

وفقاً للأرقام التي قدمتها الأونروا، يقطن في مخيم جنين للاجئين 13929 لاجئاً (3048أسرة) وتذكر تقديرات أخرى أن الرقم هو أكثر من 13000 بقليل. ومخيم جنين هو ثاني أكبر مخيم للاجئين في الضفة الغربية، تم إنشاؤه في عام 1953 على 373 دونماً (1 دونم= 1000 متر مربع) ويغطي في الوقت الراهن مساحة تعادل كيلو متراً مربعاً، داخل حدود بلدية جنين. وتشير التقارير الواردة من الأونروا إلى أن عدداً من اللاجئين خرجوا من حدود مخيم اللاجئين نفسه إلى داخل حدود المدينة.

ومن ذلك العدد من السكان هناك 47 في المائة من الأطفال والشيوخ (42.3 في المائة تحت سن 15 سنة و 4.3 في المائة أكثر من 55 سنة).
ووفقاً لدراسة استقصائية أجرتها جامعة بيرزيت، يشكل اللاجئون حوالي 50 في المائة من سكان مدينة جنين.

ويتألف المخيم بصفة رئيسية من مباني من طابقين أو ثلاثة طوابق مشيدة بالأسمنت وبالطوب.

4- معلومات ذات صلة:

- دام القتال في المخيم من 3 إلى 11 نيسان/أبريل.

- مرت فترة أربع أيام بين انتهاء القتال والسماح للمرة الأولى بالدخول إلى مخيم اللاجئين. وهذه الفترة يعتبرها جميع المراقبين فترة بالغة الأهمية.

- لم تبدأ الأونروا، ولجنة الصليب الأحمر الدولية، وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني تقديم المساعدة الإنسانية إلا في 15 نيسان/أبريل، وتم تقديمها في البداية بمراقبة جيش الدفاع الإسرائيلي. ولم يسمح لهذه المنظمات في البداية القيام بهذه المهمة بصورة منهجية ومنظمة مما حال دون قيامها بعمليات تتعلق بالطب الشرعي.

- لم يرفع حظر التجول إلا في 18 نيسان/أبريل، ورفع جزئياً في 16 نيسان/أبريل.

- ما لا يقل عن 4000 من سكان المخيم ظلوا داخل المخيم ولم يغادروه في أي وقت من الأوقات.

- استخدم جيش الدفاع الإسرائيلي بصورة منتظمة الجرافات والدبابات وناقلات الجنود المصفحة والمشاة، إضافة إلى الطائرات العمودية المسلحة. واتسع نطاق العمليات بعد مقتل 13 جندياً إسرائيلياً وقعوا في كمين داخل مخيم اللاجئين.

- قطع جيش الدفاع الإسرائيلي الكهرباء في كل من المدينة والمخيم. وكُسرت أيضا أنابيب المياه في مخيم اللاجئين.

- منع جيش الدفاع الإسرائيلي الأونروا ولجنة الصليب الأحمر الدولية وجمعية الهلال الأحمر الفلسطينية من دخول المخيم لإجلاء الجرحى والقتلى ولم يسمح لهم بالدخول إلا بعد قرار من محكمة العدل العليا الإسرائيلية في 14 نيسان/أبريل، وإن كان ذلك على أساس محدود وبشروط محدودة للغاية.

- كان القتال ضارياً في مخيم اللاجئين. وسلم عدد يقدر بحوالي 150 من المقاتلين الفلسطينيين أنفسهم إلى جيش الدفاع الإسرائيلي في الأيام الأخيرة.

- ادعى الفلسطينيون أن عدداً يتراوح بين 400 و 500 شخص قتلوا، بين مقاتلين ومدنيين. وادعوا أيضاً أنه تم تنفيذ عدد من حالات الإعدام بلا محاكمة، ونقل للجثث إلى مكان غير معروف خارج مدينة جنين.

- يمكن أن يقدر بحوالي 55 عدد القتلى الفلسطينيين على أساس الجثث التي تم العثور عليها حتى هذا التاريخ في جنين وفي مخيم اللاجئين في أعقاب هذه العملية العسكرية. ويضم هذا العدد مدنيين، بينهم أربع نساء وطفلان. وقتل 23 إسرائيلياً في العمليات القتالية في جنين.

- يمكن أن يزداد عدد القتلى الفلسطينيين عندما يتم إزالة الأنقاض. ويتفق معظم المراقبين على أنهم متأكدون من أن هناك جثثاً مردومة تحت الأنقاض.

- ومع ذلك، فإن معظم التقديرات الأخيرة للأونروا ولجنة الصليب الأحمر الدولية تبين أن عدد المفقودين في تناقص مستمر، مع إفراج جيش الدفاع الإسرائيلي عن الفلسطينيين من الاعتقال. وعلى كل حال، من الصعب للغاية تقدير العدد. وهناك عدد من التقارير يفيد بأن المدنيين الفلسطينيين استخدموا كدروع بشرية.

- قام جيش الدفاع الإسرائيلي باعتقالات واسعة النطاق، وإن تم الإفراج عن معظم الفلسطينيين فيما بعد.

- فيما يلي تقدير الخسائر المادية:

*  تدمير مباني الأمن والهياكل الأساسية في مدينة جنين.
* تدمير مباني الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في مدينة جنين.
* تدمير 160 مبنى تدميراً كاملاً في مخيم اللاجئين.
* أصيب 100 مبنى بأضرار جزئية. وهناك 800 أسرة بدون مأوى، ويقدر أن عدد أفرادها يزيد على 4000 شخص.
* تم تدمير 10 في المائة من المخيم تدميراً كاملاً.
* دكت مباني وسط مخيم اللاجئين وسويت بالأرض. ويبلغ قُطر المنطقة حوالي 200 متر ومساحتها السطحية 30000 متر مربع، كانت تضم حوالي 100 مبنى دمرت تدميراً كاملاً.
* شن جيش الدفاع الإسرائيلي عملية معدة جيداً ركزت على وسط مخيم اللاجئين ويتضح ذلك من تدمير مباني الشوارع والأزقة المؤدية إليها.
* التيقن من وجود متفجرات مدفونة تحت الأنقاض صعَّب للغاية حركة الفرق المتخصصة، أما الذخائر التي لم تنفجر، فمصدرها كل من جيش الدفاع الإسرائيلي والفلسطينيين.
* منذ اللحظة الأولى، كان المدنيون من المخيم يتوقون إلى العودة إليه لجمع ممتلكاتهم الشخصية، مما جعل الحالة أكثر صعوبة وأكثر خطورة.
* تلقى المدنيون صدمة هائلة، فلم يحرموا من الماء والغذاء والكهرباء لمدة عدة أيام فحسب بل كانوا أيضاً يسعون للحصول على معلومات عن مصير أقربائهم الذين فقدوا أي اتصال بهم.
* اختفى القانون والنظام داخل المخيم لعدة أيام بعد انتهاء القتال. ولم تكن السلطة الفلسطينية قادرة على توفير الأمن وإنفاذ القانون بسبب تدمير جهازها الأمني.

المصدر:
الجمعية العامة للأمم المتحدة  www.un.org/arabic/peace/jenin

 
 مـعـلـومـات عـامــة
 مـلـفـــات وطـنـيــــة
 قـضـايــا الصـراع
 تـاريــخ فـلسـطـيــن
 الــقـــدس
 الـنــظــام الـســيـاسـي
 قوانـيـن وتـشـريـعـات
 الــسـكـان
 طوائف ومذاهب وجاليات
 الــصــحــــة
 الـتــعـلـيـــم
 شــؤون اجـتـمـاعـيـــة
 سـيـاحــة
 اقـتـصــاد
 الإســكـان
 عـمــل وعـمّـال
 زراعـــة
 نـقــل واتـصـالات
 جـغــرافـيــــا
 الـمــيــــاه
 الــبــيــئـــة
 ثــقــافـــة
 إعـــلام
 ريــاضـــة
 خـدمــات عـامــة
 شـــؤون إسـرائـيـلـيــة
 مـنـظـمـات غـيـر حـكـومـيـة
 وثــائــــق
 تـقــاريــر