عربي | Eng
مركز المعلومات الوطني الفلسطيني - وفا
Twitter اضفنا الى المفضلة، او اضغط Ctrl+D اجعلنا صفحة البداية
|الرئيسية|من نحن|اتصل بنا|


Bookmark and Share

صحف البدايات (1904 ـ 1922) تؤسس للنهضة الأدبية الفلسطينية

 مثلت بواكير الصحف التي صدرت عقب إعلان دستور عام 1908 حجر الأساس في بنيان الصحافة الفلسطينية ومرتكز انطلاقتها. وكانت الصحف في الوقت نفسه إطار النشأة الفعلية للحركة الأدبية وجذر تاريخ هويتها الوطنية حيث استقطبت الصحف كبار الشعراء والأدباء والمثقفين، فقد لعبت دوراً حيوياً بارزاً في تنشيط الحركة الأدبية. وقد نهضت في الوقت نفسه بطرق الكتابة وطورت أساليبها، وجودت لغتها، وحسنت النثر وخلصته من التزويق والتنميق الأجوف، وجملت النصوص بالمضامين الواضحة والصريحة. كما أنها حررت الشعر من السجع المتكلف. وأصبحت الآداب تشتمل على موضوعات شتى ومختلفة تمس جوانب الحياة العامة، وتتناول مشكلات المجتمع فتشخصها وتسهم في معالجتها. واضطلعت الصحف أيضاً بمهمة الإبقاء على جذوة الدعوة للنهضة والإصلاح متقدة. وبذلك فقد كانت الصحف من أهم الوسائل التي ساعدت على بلورة الهوية الفلسطينية الوطنية والثقافية معاً.

 لقد اضطلعت الصحف بمهمة التبشير لهذا المفهوم والدعوة للانخراط في العمل الكفاحي من أجل تحقيقه، فتحتم على الكتاب والأدباء والمثقفين توصيل ذلك للجماهير عبر كتاباتهم النثرية والشعرية، وهو الأمر الذي ساعد على ظهور أسلوب عربي جديد في الكتابة تميز باستعمال مفردات جديدة ومصطلحات لم تكن متداولة في الثقافة الفلسطينية من ذي قبل، وقد اتسم هذا الأسلوب بالسهولة، والوضوح، والارتباط بمظاهر الحياة العصرية. وفي الوقت نفسه فقد "أيقظت الصحافة الأذهان وحملت إلى قراءها الدعوات السياسية والفكرية المختلفة.. وأدت إلى تقوية الروح القومية والإحساس بالوعي. وكانت الصحف منبراً لرجال الإصلاح وحاملي الدعوات الوطنية، إذ سعى أصحابها إلى استخدام صحفهم لمعالجة المشكلات التي كانت تشكو منها البلاد، حتى أصبحت الدعوة إلى الإصلاح من أهم موادها".(1)
ومن خلال الصحافة وعبر الدور الذي اضطلع به المثقفون فيها من خلال امتلاك الصحف أو العمل أو الكتابة فيها بالمشاركة، دخل إلى الثقافة الفلسطينية مفردات: الإصلاح، النهضة القومية، الوطن، البلدان العربية، الأخوة الوطنية، التحرير، الحكم الذاتي، الاستقلال الوطني، القومية العربية، التمييز القومي، اضطهاد الشعوب، الاستبداد، الطورانية، الكفاح، المصلحة الوطنية، الأمة العربية، الإقطاع، الرأسمالية، النهضة الأوروبية، الفكر الاشتراكي، حركة الشعوب، والعدل، الحرية، التحديث، المشاعر القومية، المطالب الاجتماعية، حرية المرأة، الطبقة، الصراع القومي، الصراع الاجتماعي، الصهيونية، الاستيطان اليهودي، الوطن القومي اليهودي، الدولة الحديثة، الإخاء، حقوق الإنسان، المساواة... إلخ.

وازدحمت صفحات الصحف الفلسطينية بمقالات الأدباء والمثقفين التي تدعو إلى الإقبال على العلم والى التغني بتاريخ الأمة العربية وأمجادها والاعتزاز بها والمطالبة بحقوقها، كما أخذت الصحف تدعو إلى محاربة الجهل والفقر والتطلع إلى التقدم والتطور. وقد شكلت تلك المقالات انطلاقة تحول أسست لظاهرة فكرية رائدة وفنية نشطة أطلق عليها فيما بعد "النهضة الفكرية الحديثة" التي انبثقت عنها بعدئذ المدارس والمناهج التي عرفتها الثقافة الفلسطينية ورسمتها في كل توجهات مراحلها اللاحقة.

ونشرت الصحف روائع الأعمال الأدبية والفكرية الغربية التي كان قد قام بترجمتها المثقفون من لغتها الأم (الروسية والفرنسية والألمانية والإنجليزية) إلى اللغة العربية فتوفر بذلك للقارئ الفلسطيني معارف جديدة عن الحياة الغربية، وعن الأدب والثقافة الأوروبية، وبذلك شقّت الطريق أمام تأثر الثقافة الفلسطينية بالثقافات المختلفة، فساعد ذلك على التوجه نحو التنور في الإبداع والانتاج المستقل.
وعلى صعيد آخر فقد أثرت المواضيع المترجمة معارف المثقفين الفلسطينيين، وأغنت اللغة العربية بثروة طائلة من المعاني الجديدة والمباني الحديثة، وساعدت على إشاعة السهولة والرشاقة في أساليب الكتابة العربية، كما مهدت الطريق بمساعدة عومل أخرى إلى ظهور الاتجاهات الفكرية والأدبية الجديدة في الأدب العربي، وظهر عدد من الأدباء والمثقفين والكتاب والصحافيين المترجمين، مثل: رشيد الدجاني، عزيز ضومط، خليل بيدس، بندلي الجوزي، روحي الخالدي، توفيق زييق، بولس شحادة، الياس حداد، كلثوم عودة، فارس مدور، إبراهيم حنا، أنطوان بلان، عادل زعيتر، إسعاف النشاشيبي، نيفولا الخوري البيتجالي، محمد رفيق التميمي، وغيرهم. (2)

لقد كان اتساع رقعة النشاط الأدبي نتيجة مباشرة لنشأة الصحافة وتطورها وما أحدثته من أثر في بعث الحياة الفكرية والأدبية الذي كان قد أسس بعدئذ للنهضة الفكرية، والتفاعلات الثقافية، ولتنوع اتجاهاتها التي انحصرت في ثلاث: أولها اتجاه عربي يدعو إلى بعث الثقافة العربية وتعزيز الشخصية العربية واستقلالها وذلك بضمان الانفصال عن الأتراك، وإيجاد مقومات خاصة  بالشعوب العربية وبضمنها الشعب الفلسطيني تضمن لها سيادتها القومية السياسية والاقتصادية. وأما الاتجاه الثاني كان عثمانياً يدعو إلى استمرارية الارتباط بالدولة العثمانية على أساس الرابطة الدينية والخلافة الإسلامية!؟! وأما ثالث هذه الاتجاهات فأوروبي ينحو نحو الثقافة الغربية ويدعو لتمثل بعض مظاهر وقيم الحياة الأوروبية.
وبغض النظر عن تنوع تلك الاتجاهات واختلافاتها، فقد "قامت النهضة في ميدان الأدب على عاتق رواد الاتجاه الأول الذي كان ينحو نحو المحافظة والجمود أحياناً، ويوفق بين الدين والحضارة الجديدة أحياناً أخرى"،  وكذلك على عاتق رواد الاتجاه الثالث "الذي حاول محاكات الثقافة الأوروبية واعتناق مذاهبها والانتماء لمدارسها الفكرية، من إنجازاتها إلا أن هذه النهضة جاءت مختلفة في أبعادها عن النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر، وذلك لأنها اعتمدت إلى حد كبير على التجديد في الموضوعات والأساليب الأدبية أكثر من توجهها نحو الأدب العربي القديم".(3)

وتجمع المصادر التاريخية على أن نشوء الصحف وتطورها كان عاملاً حيوياً هاماً لتطور مختلف الأنواع الأدبية، فمثلاً بدون وجود صحف لما كان لفني المقالة والقصة أن يتطورا بالشكل الذي استطاعا تحقيقه خلال فترة قصيرة نسبياً في فلسطين، ولو اقتصر نشرهما على الكتاب وحده لتأخر تطورهما كثيراً، إذ أن الكتاب أقل تداولاً كما أنه ينتظر فترة أطول ليجد من يقرأه ويقيمه أو يعرضه وينقده، وحتى لو كان ذلك متيسراً فإنه سيظل محدود الأهمية في ظل عدم وجو الصحف. وأما المادة الأدبية التي تنشرها الصحف والمجلات فإنها متجددة باستمرار وفي متناول أيدي الناس عموماً والإطلاع عليها أيسر من الإطلاع على الكتب.
وفي السياق نفسه فإنه المقالة لم تظهر في أدبنا أول ما ظهرت على أنها فن مستقل شأنها في فرنسا وإنجلترا، بل نشأت في حضن الصحافة، واستمدت منها نسمة الحياة منذ ظهورها، وخدمت أغراضها المختلفة، وحملت إلى قراءها آراء محرريها وكتابها. ولذا كان لزاماً علينا أن نبحث عن تطور المقالة في الصحف اليومية أولاً، ثم في المجلات مع تقدير الفوارق الهامة بين أنواع المقالات التي تكتب للصحف، وتلك التي تكتب للمجلات.(4)

وقد تعددت الآراء واختلفت حول أصالة المقالة في الأدب العربي الحديث، فرآها البعض على أنها فن مستحدث نشأ عندنا نتيجة لتأثرنا بالثقافة الأوروبية. ورآها آخرون على أنها تطور ايجابي للنثر الفني العربي في عصوره الزاهية، ولكنهم لم ينكروا مع ذلك أثر الثقافة الغربية في تطور المقالة العربية الحديثة. (5)
إن الاختلافات حول أصالة المقالة في الأدب العربي توافقت دائماً على أن الحضور الدائم للصحفيين أدى إلى اتصال موضوع المقالة اتصالاً مباشراً بالحياة اليومية للمجتمع مما جعل المقالة الأدبية والسياسية والاجتماعية وغيرها تستقطب عدداً كبيراً من القراء، فتؤصل بذلك وطنية الأدب وتجمهر الثقافة. وقد ساعدها في ذلك أنها كانت في معظم الأحيان معبرة عن هموم وآمال الطبقة الوسطى التي أخذت تشق طريقها منذ مستهل القرن العشرين على أنقاض الطبقة الإقطاعية التي بدأت تتهاوى تدريجياً بفعل منجزات النهضة منذ أواخر القرن التاسع عشر.
إن الحديث عن تأثير الصحف والمجلات الإيجابي في تطور النثر الفني بجميع أنواعه في فلسطين يعني بالضرورة أن الدور الذي اضطلعت به الصحافة في مجال إثراء الأدب واغناء اللغة الأدبية ورقي أساليب الكتابة(6) كان ملحوظاً وبارزاً، سواء لجهة التخلص من عيوب الكتابة التي كانت شائعة في القرن التاسع عشر، أم لجهة اتصال الأدب بحياة الناس اتصالاً مباشراً وواسعاً وتفاعله معها ثم التعبير عنها بأساليب متنوعة.

لقد كان النثر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر امتداداً للكتابة النثرية في المراحل السابقة التي كان ينجزها فقيه أو محدث ديني أو شاعر أو أديب (متخلّف). ولذلك نجد أنواع تلك الكتابة محتفلة بصنوف البديع والزخارف اللفظية المتكلفة، ولا يوجد فيه أية إشارات يمكن اعتبارها ملامسة لروح العصر. ولكن النثر منذ أن نشأت الصحف في بداية القرن العشرين وانخرط الأدباء في المشاركة بتأسيسها والعمل فيها، وجد في الصحف حاضنة رؤوماً، وبدأ يميل إلى العصرنة ويتخلص بشكل تدريجي ولكن سريع من قيوده، ويميل إلى التبسيط والوضوح، والاتصال بحياة المجتمع والتعبير عن جوانبها المختلفة.
وزادت مساهمة الصحف في تطوير الأدب عندما جعلت من صحافتها محفلاً لنقاشات الأدباء حول الأدب والثقافة وحول النقد الأدبي أيضاً، وهو الأمر الذي ساعد على بلورة الاتجاهات الأدبية والفنية والنقدية الجديدة.

ويمكننا القول أن مرحلة نشوء الثقافة الفلسطينية قد عرف فيها الأدب اتجاهان واضحان، أحدهم يدعو إلى إحياء الأساليب العربية الأصيلة في التعبير، ويحتفل باللفظ الفصيح والتراكيب البليغة أيضاً، وقد مثل هذا الاتجاه الأديب محمد إسعاف النشاشيبي. وأما الاتجاه الآخر فيدعو إلى الاحتفال بالمعاني وتقديمها على الألفاظ، مؤكداً على الاكتفاء بسلامة هذه الألفاظ لغوياً، ومثل هذا الاتجاه الأديب خليل السكاكيني.
وبرغم مدى جدية هذا الاختلاف في الرؤى حول أساليب الكتابة الأدبية خصوصاً وأنه قد أسفر عن استقطابات بينة كانت لها تجليات إنتاج أدبي متنوع وباهر أسس لتواصلية الثقافة الفلسطينية في مراحلها المختلفة، فإن "مجلة النفائس" قد استوعبت الاتجاهين معاً، ومثلها فعلت "جريدة فلسطين"، وقبلها فعلت "مجلة الأصمعي" أيضاً.

وبقدر ما يبدو الاتجاهان متصالحان ومتعايشان بسلام في إطار حاضنة واحدة، فقد كان رمزا هذين الاتجاهين صديقين وفيين طوال حياتهما ولم تحدث بينهما خصومة أدبية، وذلك لأن كل واحد منهما كان أصيلاً في اتجاهه ويكمل الآخر من ناحية فنية.
لقد كان النشاشيبي "نسيج وحده، وكان ظاهرة رائعة من ظواهر هذا المتجه الخطر، متجه (الخاصة)، ولكنه ظل محافظاً على الرونق. وكان تأنقه ملكة مستقرة في قلبه. وكان هذا دليلاً على علو نفسه اللغوي، وسلامة ذوقه الأدبي".(7)
وربما لا يختلف معنا أناس كثر عندما نقول بأن إسعاف النشاشيبي يعتبر رأس مدرسة في النثر الفني في فلسطين، ولكن هذه المدرسة كانت قليلة الأتباع وذلك "لقلة من كان يحذق الأصالة التعبيرية من أدباء فلسطين حينئذ على النحو الذي سار عليه النشاشيبي".(8)

وأما الاتجاه الذي سار عليه السكاكيني فلم يكن متجهاً (خاصاً) تحقق بفعل ظروف تميز لا يعرفها العامة، ولذلك "فقد كان كثير من الكتاب يسيرون فيه، ومن أبرزهم: بولس شحادة واسكندر الخوري البيتجالي وعيسى العيسى وعادل جبر وعبد الله مخلص وحليم دموس... الخ".(9)
واضطلعت الصحف والمجلات بمسؤولية ثقافية تاريخية تمثلت بإدخال فن القصة والرواية إلى الأدب الفلسطيني، واحتضان هذا الفن ورعايته ليصبح الركن الأهم بين أركان الثقافة الفلسطينية في مرحلة لاحقة.

ومع أن أسباب اعتناء الصحف والمجلات بهذا الفن تستند إلى منفعة مشتركة ومتبادلة بين الصحافة والثقافة، تجلت في تركيز أصحاب الصحف والمجلات على نشر القصص والروايات انطلاقاً من كونها أفضل وسيلة لجذب القراء وزيادة التوزيع واتساع الانتشار، فإنها قد أدخلت مفاهيم ثقافية جديدة إلى منظومة المعارف المتواضعة التي كانت رائجة في المجتمع الفلسطيني يوم ذاك.
وفي هذا السياق تحديداً لعبت الصحافة دوراً مركزياً في تطوير معارف الناس ومفهومها للقصة باعتبارها فناً أدبياً رفيعاً، وهو مختلف في غايات المبنى والمعنى عن الأقاصيص والحكايات الشعبية التاريخية والأسطورية التي كانت رائجة في أواخر القرن 19 مثل: "الزير سالم" و"عنترة بن شداد" و"تغريبة بني هلال" وغيرها.
وحيث كان يسود الاعتقاد بشكل واسع على أن القصة فن دخيل ومستحدث غايته إضاعة الوقت وإلهاء الشباب، ويركز على تناول علاقة الرجل بالمرأة في صورة صريحة نسبياً، فإن الصحافة في فلسطين قد فندت عدم صحة ذلك. وأعادت السبب إلى عدم دقة ترجمة هذه القصص الغربية التي نشرت في مصر ولبنان، وإلى سوء اختيار القصص المترجمة أيضاً، بما يوحي كما لو أن القصة والرواية هي دائماً كذلك.

من جانب آخر ركزت الصحف في بلادنا على أهمية هذا الفن وحيويته في تفاعل الحياة الأدبية وذلك عبر التوسع في نشر المترجمات الأدبية القصصية والروائية، وعبر مقالات أدبية ومواضيع نقدية تؤكد على أهمية القصة والرواية وأثر كل منهما في حياة الأمم وتطورها باعتبارهم شيئاً جديراً بالاهتمام. وقد أسس هذا الاهتمام لمناخ شجع على تأليف القصص والروايات ليس الاكتفاء بتعريبها عن اللغات الأوروبية المختلفة كالروسية والإنجليزية والفرنسية والألمانية، وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى الدور الطليعي الذي قامت به "مجلة النفائس" وكذلك "جريدة فلسطين" و"مجلة زهرة الجميل" في هذا الاتجاه، حيث جرى الاعتناء بنشر أنواع مختلفة من قصص وروايات متنوعة ولكتاب أجانب من جنسيات عديدة، إضافة إلى الإبداع النصي للأدباء الفلسطينيين والعرب من لبنان ومصر والعراق وسوريا وغيرها.

وعلى صعيد آخر ركزت الجرائد والمجلات الفلسطينية على أثر الروايات على اختلاف أنواعها في تطور الإنسانية وتقدمها، وذلك نظراً لما تتمتع به الروايات من مزايا خلقية اجتماعية وتعليمية وتربوية. وقد بشرت الصحافة بالمكانة الرفيعة التي ستحتلها الرواية بين أنواع النثر الفني وأهليتها لتجويد عملية التفاعل بين الأدب والمجتمع، وأهمية مساسها بالحياة من حيث مضامينها السياسية والاجتماعية واستمدت الصحف والمجلات ثقتها بالدور الحيوي لمستقبل الرواية انطلاقاً من كون الأفكار التي تكتنفها تكاد تكون خلاصة الرأي العام. كما أنها ستعكس دلالات ايجابية حتى عندما يبدو تناولها في مرحلتي النشأة والترقي وكأنه مقتصر على الصراع المحتدم بقوة بين الحضارة الغربية الوافدة بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات وبين ما هو موروث من الحضارة العربية وكان سائداً من تقاليد وعادات تشتمل على الكثير من الأصالة، برغم ما تبدو عليه مضمخة بألوان من الأوهام والخرافات، التي سيطرت على عقول العامة ردحاً طويلاً من الزمن، وأعاقت تقدم المجتمع ومنعت الأمة من محاكات روح العصر.

وأما إسهام الصحافة في مجال النقد الأدبي فقد كان تأسيسياً، إذ أنه بدون وجود الصحف والمجلات فإنه يستحيل على الثقافة أن تحظى بمثل هذا النوع من النثر الفني القادر على القيام بوظيفته التفعيلية في إعطاء ديمومة التفاعل لأجناس الأدب المختلفة، ووقاية الثقافة هجمات الجمود وهبات السكوت.
لم يكن النقد الأدبي معروفاً ورائجاً إلا في أواخر القرن التاسع عشر حيث كان بدائياً ويفتقر إلى الحد الأدنى من المواصفات التي أصبح متعارفاً عليها للنقد الأدبي. وهو على أية حال لم يكن في سورية ولبنان ومصر أفضل وضعاً مما كان عليه في فلسطين. فقد كان في جميع هذه البلدان عبارة عن تقريظ لبعض الموضوعات والقصائد والقصص والروايات، وكذلك لبعض الكتب والمجلات، وإفراط في مديح كاتبيها وناظميها ومؤلفيها وأصحابها بأسلوب أقرب إلى المجاملة منه إلى النقد الأدبي الموضوعي. وكان في الوقت نفسه أيضاً هجوماً كاسحاً شديداً على منتقدي أولئك الأدباء وخصوم أصحاب تلك الكتب والمجلات.
وظل النقد الأدبي كذلك ليس في فلسطين فحسب وإنما في البلدان الشامية الأخرى حتى عام 1904 حين وضع الأديب المقدسي روحي الخالدي أول كتاب في الأدب والنقد الأدبي، أسس لمفاهيم النقد الأدبي الجديد بناءً على تعريف علمي صحيح. كما وضع حجر الأساس لمشروعية تنوع مناهج وتعددية أساليب النقد الأدبي.

لقد أصدر الخالدي كتابه "تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب، وفيكتور هوجو". وتناول الخالدي في هذا الكتاب بعض آراء الغربيين النقدية في الأدب وقابل بينها وبين بعض الآراء النقدية العربية. وتحدث عن تأثر الغربيين بالأدب العربي في العصور السابقة. ثم ترجم لحياة فيكتور هوجو أحد أبرز أعلام الأدب الرومانسي في فرنسا وبين أثره في تطور الأدب الغربي.
وكان روحي الخالدي من أنصار تقديم المعاني على الألفاظ. ويعد كتابه هذا أول كتاب في النقد الأدبي الحديث في فلسطين. (10)
وكما كان لكل من الأديبين خليل السكاكيني ومحمد إسعاف النشاشيبي أسلوبه الخاص في الكتابة دون أن يحدث الاختلاف في الأسلوبين خلافاً وخصومة بينهما، فإنه في مجال النقد الأدبي كان لكل منهما أسلوبه المختلف عن الآخر، والمستمد من نفس المسوغات التي أسس عليها كل منهما أسلوبه في الكتابة.(11)

ويكفي الصحافة فخراً أن أقطاب حركة النقد الأدبية وأصحاب مدارسها واتجاهاتها هم كتاب أصلاء في الجرائد والمجلات، لا بل وحتى أصحاب صحف ومجلات فلسطينية أيضاً. وفي هذا السياق يكفينا أن نذكر روحي الخالدي وإسعاف النشاشيبي وخليل السكاكيني ويوسف العيسى وخليل بيدس وغيرهم من الأدباء والكتاب.
يبدو من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن واضع أحد أهم كتب النقد الأدبي في تلك الفترة هو الأديب السوري قسطاكي الحمصي وأحد كتاب مجلة "النفائس" وهو كتاب "منهل الرواد في علم الانتقاد" الذي ظهر عام 1907، وحاول وضع أسس موضوعية للنقد، ووضع قواعد علم جديد يعصم الفكر من الخطأ في الحكم. وقد كان النقد عنده صناعة نظرية مشتملة على مبادئ كلية وقوانين عامة تنطبق على جميع الموضوعات الحسية والعقلية. (12)
وعندما كان الأديب قسطاكي الحمصي يكتب في "مجلة النفائس" كان يسعى بشكل دؤوب لأن يعمق هذا الفهم في النقد ويجوّد الكتابة الفنية وفق الأساليب الحديثة. وبذلك يسهم في تخليص الكتابة الفنية من قلة الإجادة، ويساوي على الأقل عيوب النقد بعيوب الإنشاء والشعر كنقطة انطلاق أولى.

ويبدو أن الأديب قسطاكي الحمصي وجد في نهج النشر الذي كان معتمداً في "مجلة النفائس" ما كان يساعده على تعميق جهده التأسيسي للنقد الأدبي كعلم جديد في الثقافة العربية. فحيث كان ينشر إنتاجه الإبداعي في هذه المجلة كان ينشر نقده لمواضيعها أيضاً. وكان الأديب خليل بيدس نفسه قد أسس في مجلته حلقة نقد أدبي ديدنها النقاش والنقد والتفاعل لما تنشره "مجلة النفائس" وللمدرسة الأدبية التي تتشكل من أعضاء هذه الحلقة الأساسيين وهم الكتاب: خليل بيدس وأنطوان بلان وجبران مطر وكلثوم عودة وفارس مدور وإبراهيم حنا وقسطاكي الحمصي وغيرهم.

وبقدر ما أسس الأديب خليل بيدس مدرسة في القصة القصيرة فقد كان على رأس مدرسة الرواية (القصة الطويلة)، وكذلك مدرسة الترجمة الأدبية في فلسطين. وإذ يدرك الأديب بيدس بشفافية عالية ومشهرة بجرأة أن هذه المدرسة لن تتسع لا بل ستتقلص إذا لم تتوفر عوامل ديمومتها الثقافية والتي يجب أن تكون مسكونة بهم الارتقاء بالأدب كمهمة لتطوير الثقافة. ولذلك حرص على أن يكون لمجلة النفائس وظيفة حيوية أخرى وهي الاعتناء بالنقد الأدبي وتعميم مبادئه وتكريسه كمعيار لجودة المادة الأدبية من عدمها، وكمقياس لمستوى الأدباء الفني والثقافي، وتعيين الحدود الفاصلة بين مستوى أديب وآخر، وكذلك بين مستوى عمل وآخر من نفس الجنس الأدبي، وكذلك لتعيين درجات تطور الأجناس الأدبية في كل مرحلة وتحديد الفوارق بين جنس أدبي وآخر فيها.

لقد استخدم الأديب بيدس ومعه مجلة النفائس أيضاً النقد الأدبي وسيلة لتحديد شروط الصفات والمواصفات التي يجب توفرها في القصة وفي القاص وفي الروائي وفي الرواية لتكتسب هذه المفردات دلالاتها التعبيرية بكلا المعنيين اللغوي والمجازي أيضاً.
لقد كانت كل قصة من قصص بيدس ممتلئة بقيم مختلفة تتخللها، وتحمل في الوقت نفسه موقفاً اجتماعياً إيجابياً يمثل طموح الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الأديب. وفي مثل حالة الكاتب خليل بيدس فقد كانت تكتنف إبداعه طموحات الطبقة البرجوازية الناشئة، وكذلك كان حال أترابه من الشعراء والأدباء في مثل ذلك الزمان أمثال: اسكندر الخوري البيتجالي ونيقولا الخوري البيتجالي ويوسف العيسى وعيسى العيسى ونجيب نصار وبندلي الخوري وغيرهم.

ولئن كان خليل بيدس في ترجماته الطويلة للروايات أقل عناية بالشكل منه بالمضمون، فإنه في قصصه القصيرة عني بالأمرين معاً. ولم يبلغ هذه المكانة بيسر وإنما بذل في سبيلها جهداً كبيراً، وفي كتابه "مسارح الأذهان" تشعر أن خليل بيدس قد أدرك الشأن الخطير للروايات في بناء المدنية ورأى أنها أشد المطبوعات رسوخاً في النفوس والقلوب وأثبتها أثراً في الأخلاق والعادات، وأعظمها عاملاً في البناء والهدم. وعرف أن الروائي يكتب للعامة الذين هم السواد الأعظم من كل أمة. وتبين أن الرواية أنجع ما يتوسل به الإصلاح عاداتهم وتقاليدهم وتثقيف أخلاقهم.

واتضح للأديب خليل بيدس أن الروائي إن لم يعاشر العامة ويدرس أحوالهم، أو إن لم يكن منهم ويعيش بينهم، أو إن لم تكن فيه قوة التصور ومهارة التصوير وبراعة الوصف، وإن لم يكن فيه النظرة الأدبية الصادقة إلى كل حدث والارتياح التام بل الكلف التام ببحثه، وإن لم يسر بعمله على الدوام إلى الأمام وإلى أعلى درجات الكمال. فليس بروائي عبقري.
والروائي في رأي بيدس إن لم يقرأ مئات الروايات ومئات التواريخ، وإن لم يطلع على حوادث الكون، ويلج كل مجتمع، ويدرك معنى الحياة وأسرارها وأساليبها، وينتزع غرض روايته من حوادث الحياة وطبيعة الإنسان ويجعلها منطبقة على الحقيقة والواقع، فإن ذلك الروائي لن يكون روائياً متفنناً.

والأديب إن لم يكن نبياً يرى ببصيرته ما لا يراه غيره، وإن لم يكن شاعراً يحلق في سماء الخيال، وإن لم يكن عالماً اجتماعياً يعلم الأحوال ويطلع على كل شأن من الشؤون، فإن مثل هذا الأديب ليس بروائي ماهر.
ويرى خليل بيدس في كتابه المذكور أن الرواية الجديرة بالاهتمام هي تلك التي ترمي إلى المغازي الحكيمة أو الأغراض الأدبية، وإلى تمجيد الفضائل والتنديد بالرذائل وإلى تهذيب الأخلاق وتنوير العقول وتنقية القلوب وإصلاح السيرة. وهي النقية من كل شائبة، الخالية من كل وصمة، والتي تبقي أثراً في نفسية القارئ، وتحدوه على التأمل وتقوده في سبيل الرقي الأدبي، والحب النقي. هذه هي الرواية الحقيقية، الرواية الفنية، الرواية الخالدة. (13)

وبرغم بدائية النقد وحداثته في المرحلة الأولى من نشوء الثقافة الفلسطينية إلا أنه أوجد له مدارسه ومذاهبه التي جاءت على نسق المدارس والاتجاهات الأدبية التي كانت قائمة يوم ذاك وربما كانت تكاملية لها إذا لم تكن امتداداً. وفي هذا السياق يبدو من نافل القول أن لا يشار إلى الصحف على اعتبار أنها الحاضنة لذلك فحسب وإنما عامل تفعيل نشيط لتطور الأدب والنقد الأدبي معاً.
ومع أننا في هذا الإيجاز لسنا بصدد الغوص عميقاً للبحث في نشأة النقد الأدبي ومدارسه وأساليبه ورواده ورموزه، إلا أنه يمكن القول إن خليل السكاكيني كان واحداً من أساطين هذا النوع من الإنتاج الإبداعي لا بل ويعتبر أحد المؤسسين له إلى جانب محمد إسعاف النشاشيبي وروحي الخالدي واسكندر الخوري البيتجالي وأنطوان بلان وبولس خوري وجورج متّي الذين أسهموا في بناء المدماك الأول من النقد الأدبي الحديث في فلسطين، وضافروا جهودهم مع الأدباء والنقاد العرب من أمثال: رفاعة الطهطاوي من خلال كتابه "تخليص الإبريز إلى تاريخ باريز"، وقسطاكي الحمصي من خلال كتابه "منهل الروّاد في علم الانتقاد"، وعبد الله البستاني من خلال كتابه "مقدمة الألياذه" الذي صدر عام 1904، فأسسوا لنوع جديد من الإنتاج الإبداعي يعتبر العنصر الأهم في الأدب وهو "النقد الأدبي الحديث" في الوطن العربي. وقد أسهم هؤلاء الرواد في تأسيس وبناء جسر العلاقة التبادلية بين الثقافتين العربية والغربية.

ويعتبر الأديب خليل السكاكيني واحداً من الذين أرسوا قواعد علم النقد الأدبي الحديث على أسس علمية وموضوعية وحيوية قابلة للنمو والتطور. وكان رائداً في توظيف النقد لإنماء مفردات ومصطلحات وجمل وتعابير عربية جديدة، وإثراء اللغة العربية بها خصوصاً وأن هذه المفردات والتعابير الجديدة تستمد قوتها التعبيرية من تجسدها ومثولية استعمالها اليومي.
وقد نشر الأديب خليل السكاكيني في صحيفة "النفائس" مقالة نقدية بهذا الخصوص حملت عنوان "تطور اللغة في ألفاظها وأساليبها"، وقد عبر خلالها عن أسلوبه واتجاهه في مجالي الكتابة والنقد معاً، حيث قال: "تتطور اللغة في ألفاظها وأساليبها تطوراً مستمراً في تؤدة وخفاء. فلكل عصر بل لكل إقليم في كل عصر لغته وأسلوبه، حتى أنك تستطيع أن تعرف القول من أي عصر، أو من أي إقليم هو حتى وان كنت لا تعرف من هو قائله".

وتحدث عن تعدد اللهجات العربية وأسبابه، وعن تطور اللغة العربية وذكر أنه يوجد في عصرنا هذا لغتين سائدتين بين الناس في الوطن العربي، الأولى محكية والثانية مكتوبة، وعزا أسباب الاختلاف بين واحدة منها في بلد عربي عن مثيلتها الأخرى في بلد عربي آخر إلى الاختلاف في مستوى تطور اللغة في كل منهما.
كما تحدث عن تطور الأساليب الكتابية وأجرى مقاربة بين مذهب القدماء ومذهب المحدثين فقال: "وأما الأساليب فهناك مذهبان: مذهب قديم ومذهب جديد، وإني هنا أحاول أن أشير إلى الفرق بين المذهبين على قدر ما تعين عليه البصيرة الضعيفة".
لقد أولع أصحاب المذهب القديم إلى يومنا هذا بتكرار الكلام في غير مواطن التكرار، والإسراف في استعمال المترادفات على غير حاجة إليها ولا فائدة منها. فهم لا يأتون بكلمة إلا أتبعوها بمرادفاتها... ومهما يكن السبب فإن هذا النوع من الكتابة غير طبيعي أو غير عربي، أو على الأقل لا يستمرئه ذوق العصر".

ثم دعا السكاكيني إلى الابتعاد عن الأطناب والإسهاب والتوجه نحو الإيجاز والاقتصار في القول والاهتمام بالمعاني والأفكار الحديثة لأننا "في عصر تغلبت فيه روح الاقتصاد، فإذا لم يراع الكاتب الاقتصاد فيما يكتبه في وقته ووقت القارئ لن يجد من يقرؤه.
بل نحن في عصر المعنى فيه المحل الأول واللفظ في المحل الثاني، وبعبارة أخرى إذا لم يرتكز الأدب على العلم فلا قيمة لهذا الأدب أبداً(14)
كان الأديب السكاكيني يرى أن الأدب هو الشكل الأرقى لتجليات الحياة ومؤشر تطورها، ومن هذا الفهم انطلق في معظم ردوده على أصحاب المنهج الجمودي وخصوصاً رده ونقده لإنتاج الأمير شكيب أرسلان الذي يعتبر أحد رموز هذا المنهج، وكذلك إشعار وكتابات يوسف النبهاني أحد أبناء اجزم قرب حيفا، وكتاباته النقدية وأشعار عباس خماش أحد علماء نابلس ووجهائها، وشعر وإبداع جورجي عطية أستاذ مدرسة السيمنار في بيت جالا، وأدب يوسف الأسعد من القدس وشعر الأستاذ أبو الإقبال اليعقوبي، وأشعار القس إلياس مرموره الناصري.
وقد كتب السكاكيني كثيراً حول مفهومه وأسلوبه ومنهجه النقدي فقال: "الحياة، الحياة! إذا أردتم أن يكون لكم موسيقى أو غناء أو شعر أو أدب أو أي نوع من الفنون الجميلة، بل إذا أردتم أن يكون لكم وجود، فليكن فيه حياة وإلا فلستم إلا هياكل بالية" وتمسك السكاكيني بهذه المفاهيم في النقد لثقته بصوابيتها حتى استطاع أخيراً صياغة قيم نقدية حددها وفق معايير دقيقة وصاغها كمنهج جديد للنقد. وكان موقفه واضحاً وميزانه دقيقاً، سليماً تستطيع أن تقيم بواسطته أي عمل من الأنواع الأدبية المختلفة. (15)

كان الأديب خليل السكاكيني رئيس "مذهب النقد التجديدي" الذي يقوم على أسس الإيجاز والإبداع والإفصاح، ويعتز ويفتخر بأصالة اللغة العربية وبمكانة الآداب العربية القديمة. ولكن هذا المذهب لم يتكفل دون غيره من مذاهب أخرى في النقد ببناء مفهوم النقد الأدبي في فلسطين والمشاركة في التأسيس لقيام نظرية عربية في النقد الأدبي الحديث، وذلك على الرغم من كل المحاولات التي بذلت في هذا الاتجاه: ويرى الباحثون أن عدم الاقتدار يرجع لأسباب عدة في المقدمة منها، أنه كان يعايش الأديب السكاكيني مكاناً وزماناً وانشغالاً واهتماماً واحد من أساطين الأدب واللغة العربية وهو الأديب محمد إسعاف النشاشيبي الذي كان يتزعم بجدارة "مذهب النقد التقليدي" ورئيس "مدرسة الأدب الأرستقراطي واستقراطية الأدب" ويتأسس مذهب الأديب النشاشيبي بشكل رئيس على الدفاع عن اللغة العربية في أصولها وذلك باعتبارها "الضاربة جذورها في الدوية والمهابة، الصادرة عن حرشة الضباب، النامية مع الحركة الإسلامية، المتجددة مع حضارة المسلمين، الحافظة لمزايا مضريتها".

وإذا كانت صفحات الجرائد والمجلات مفتوحة برحابة لكتابات الأديب محمد إسعاف النشاشيبي، فقد كان حريصاً على الدعوة لمذهبه النقدي في كتاباته التي كان ينشرها في تلك المطبوعات. وكان أشد حرصاً على أن تتطابق مواضيع إنتاجه الإبداعي مع الشروط التي يجب على الكاتب والأديب مراعاتها عند الكتابة وفق المواصفات التي يحددها هذا المذهب النقدي.
وكان الأديب النشاشيبي يراعي دائماً، بل ويؤمن أيضاً ولا يتنكر لمبدأ النشوء والارتقاء في اللغة والأدب معاً، وذلك لأن "مذهب النشوء لم يخالفنا ولم نخالفه في حال، وهل يشجع مثلي على محادّته. وإن هذا المذهب الذي يقول: إن كائنات الكون نشأت نشوءاً وارتقت ارتقاءً لهو القائل أيضاً: إن العالي يسفل والحقير يحقر، وإن الأمة التي تبلغ قنّة مجدها وتكاد تلمس السماء بيدها تتدحرج القنة إلى أهضام الوادي. فاللغة العربية تبدلت يوم كانت في الجزيرة ووصلت إلى الذي وصلت إليه. ثم جاء الخطر فوقفها، وظعنت أفاريق من أهلها عن مرابعهم ولابسوا الأعاجم فكانت العجمة تقتادهم إليها. وكان المعربون يتراطنون لولا أن جد القوم في حفظها وروايتها. وقد كانت العربية تمشي منذ ذلك الحين القهقري لا اليقدمية".(16)

ويرى الأديب النشاشيبي أن اللغة العربية شأنها كباقي "لغات الأمم كافة، أي لغات التصور والفكر، إنما أصلها لغات الأصوات. وقد ورثها الأناسي عن الأقربين من قردة آخر الوقت، وكذلك المعاني، كما ورثوا عنها سواها. ولكن هذه اللغة لم تكن في أول يوم أنيقة مجودة. فقد كانت مثل شقائقها، فشذبها الدهر وصقلها حتى عادت كالوذيلة المشوفة، وهذا صنع (الانتخاب الطبيعي). ".(17)
وخاض الأديب النشاشيبي حروباً أدبية ومعارك نقدية مع خصومه ومخالفيه في أسلوبي الكتابة والنقد الأدبي، في وقت حرص فيه على أن يتصالح مع مواقف خصومه التي تتوافق مع موقفه. وقد كانت اللقاءات والأماسي والاحتفالات ميادين تلك الحروب، فيما كانت صفحات الجرائد والمجلات منابر لتلك المعارك.

ولعل كتاب النشاشيبي الذي وضعه بعنوان "كلمة في اللغة العربية" هو المصدر المناسب الذي يمكن العودة إليه للإمساك بأهداب مفهوم المذهب القديم في النقد الأدبي، وكذلك رأى النشاشيبي في أساليب الكتابة وموقفه من المذهب الحداثي".(18)
وفي سياق رده على آراء ومواقف أتباع مذهب الحداثة يقول: "ماذا يرى اليوم المتسمون بالمتجددين أو المجددين، وفي أي سبيل يهوون المسير؟.    أيرون أن ننقلب إلى القديم فيجود القول ويستقيم، وتُوقى الوحدة العربية ونصون الأساليب العربية، وتترجل الأمة وتتفحل من بعد خنثها وتأنثها باستظهار الكلام الفحل الجزل، ويتهذب ذوقها بمؤالفة الأقوال المهذبة المنتقاة، وتكون هذه الأمم العربية في الوجود شيئاً مذكوراً. أيرون هذا أم يضاروننا فيذهبون إلى غير هذا المذهب الهدوي، وينبري لنا مدارهم قائلين: إن الزمان ليضيق على الإحاطة بالعربية والتوغل في آدابها. وإن سنة ارتقاء اللغات تخالف شريعة المتمسكين بالقديم، وإن المعول عليه هو المعنى ليس اللفظ، وما أمر اللفظ عند العلماء بذي بال".
وحول "الاقتباس" الذي يراه المجددون مأخذاً في النقد وفي الكتابة على التقليديين يقول الأديب النشاشيبي "إن الأديب العربي وإن كد روحه وأسهر لياليه في اقتباس أدبه، إلا أنه لم يضارع في الجد أخاه الأديب الغربي الذي لن يؤثر له قوله، ولن يطنّ له في قومه حتى يثخن لغته معرفة وحتى يفقه إحدى اللغتين القديمتين اللتين تجلتا لغات المغرب ونفختا فيها من روحهما وهما الإغريقية واللاطينية، وكل أديب استخف بهما ولم يعكف طويلاً عليهما فلا يعبأ له بقول".
وأما حول "أولوية المعنى" التي يبشر لها الحداثيون فيقول النشاشيبي رداً على ذلك: "وإن انبرى لنا زنيم في العلم فقال: إن الأمة لا تفقه القول بأن تصف لنا ما تبغيه منا، وإن المعاني لتعمى عليها، أجبناه: إن كنت تعني بالأمة جهالها فهؤلاء لا يعبأ بهم عاقل، وهؤلاء لا يبالون أصح القول أم سقم. والجاهل خارج عن الدائرة لا يجري عليه حكم، ولا يُعّدّ في الناس".
ويؤكد النشاشيبي على القضية نفسها بقوله: "وأما قولهم بأن المعوّل عليه هو المعنى لا اللفظ. وأن أمر الثاني ليس بذي بال، فهو قول أملاه الخبث والعجز والجهل".
ويعترف الأديب النشاشيبي بأن "لكل دهر لغة، وأن لطبيعة العصر سلطاناً، ولكنه يتخذ أرقى العصور مثالاً يهتدي بهديه، فيقول: أننا كلما ابتعدنا عن زمان القرآن ابتعدنا عن جمال تلك اللغة المُضريّة العربية.. وإن لغتك العصرية هذه لغة من حديد طبع أجرب، ونحن نريد أن نصقل هذا الحديد لنزيل خبثه وبشعه، فترتاح إليه العيون إن أنسته ولا تضيق عن النظر إليه. ولغتك العصرية هذه لغة معتلة فنحن ندعوك إلى مداواتها وتقويتها بتلاوة القول القديم كي لا تُسل أو يُدوّد لحمها ثم تموت".
ويرى النشاشيبي أن المحسنات البلاغية إشارات رقي في الإبداع، واستعمالها لا يؤاخذ عليه الكاتب ولا يعيب به الموضوع، وقال في هذا السياق "وأما قولتك أنك تهرب من استعمال الغريب الوحشي غير الفصيح، ولا تريد أن تتقعر في كلامك. ومقصودك بهذا القول أنك لا تهوى التوعر والتعقيد، فمن دعاك إلى هذا ومن حببه إليك، وأي أديب ذي ذوق قال لك إن استعمال الغريب الوحشي الذي أنقذ الانتحاب الطبيعي الغة منه، منذ أحقاب محمود مندوب إليه".
هكذا "يتضح مذهب الأستاذ إسعاف، وبينه وبين الأستاذ السكاكيني قدر مشترك كبير يجعل أحدهما بقدر الآخر، يرضى عن أصالته وإخلاصه لمذهبه، فحرص الأستاذ النشاشيبي على عدم التكلف، وعلى التأنق الأصيل في الكتابة، وعلى قبول مبدأ النشوء في اللغة، وسخطه على الضعفوالركاكة، وطلبه للأدب الذي يبعث القوة في النفوس حتى تترجل الأمة وتتفحل من بعد خنثها وتأنثها، كل ذلك جعل الأستاذ السكاكيني راضياً عن الأستاذ النشاشيبي يحب ملازمته ويرتاح إليه".(19)

لقد اكتسب هذا (الرضا) مدلولاً جديداً ومختلفاً عما هو متعارف عليه بالمعنى الأخلاقي الاجتماعي أو السلوكي بشكل عام، وذلك لأن هذا الرضا قد أسس لمفاهيم جديدة كان لها أثراً ايجابياً على تطور الأدب واللغة في فلسطين، وذلك عندما صيغت من فهمهما ومريديهما من الأدباء والمثقفين الفلسطينيين منهج النقد الأدبي المتوازن الذي يتمثل الأصالة ويطمح نحو الحداثة ويرنو دائماً إلى المستقبل والتطور. وبذلك اكتسب النقد في فلسطين في المرحلة الأولى من تأسيسه مظاهر طلائعية وتفرد تميز به عن مثيله مما هو قائم في البلدان العربية الأخرى. وقد أثمر هذا النهج في تطور الصحافة، وازدهار الصحف والمجلات الأدبية، وإسهام الفلسطينيين في إنشاء مجلات أدبية وكذلك المشاركة في روابط ونواد ثقافية في بعض البلدان العربية المجاورة.
ونظراً لما أخفاه الاتجاه النقدي المتوازن من مرونة في التعامل مع النصوص الإبداعية تزايد عدد المهتمين بالنقد، واتسعت المساحة التي أخذ تحتلها في الجرائد والمجلات، وازدادت بسبب ذلك المشاركات الأدبية والنقدية الفلسطينية في صحف بعض البلدان العربية، كما أن مثقفين عرب أخذوا يبدون حرصاً فائقاً ليس في مجال المشاركة بالكتابة الأدبية في الصحف والمجلات الفلسطينية، وإنما بالقدوم إلى فلسطين والعمل في صحف ومجلات البلاد.
وفي مجال الشعر تدل الدراسات الأدبية الحديثة والأبحاث الثقافية المعاصرة على أن الشعر في فلسطين كان مندمجاً في مواصفاته وأساليبه ومستواه إلى حد بعيد بالشعر العربي في البلدان العربية الأخرى، وقد ظل أسير مستوى التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والثقافي الذي عرفته هذه البلدان.
وما هو أكثر بؤساً أن الشعر العربي قد كان ولعدة قرون خلت رهينة لقيود متنوعة ثقيلة أعجزته عن الحركة ومواكبة الحياة والتفاعل معها ايجابياً. وقد عكست تلك القيود نفسها بأشكال مختلفة وبضروب متنوعة من التكلف وحشد الألوان البديعية المتعددة في القصيدة الواحدة دون أن يتطلبها معنى أو صورة شعرية أو عاطفة أو غيرها من عناصر الشعر المتعارف عليها.
وقد بلغت تلك القيود ذروة ضغطها في العهد العثماني حيث بلغت حداً لا يطاق خصوصاً وقد صار الشعر أحجيات وألغاز وحساب جمل، فيما أصبح الشاعر محاصراً في إطار ضيق لا يرى من خلاله أي حيز من واقعه وأحوال أمته، وجل اهتمامه منصب على الرؤساء والقادة والزعماء جرياً على عادة التكسب بالشعر واستخدامه في تحقيق الأغراض الشخصية المحدودة والضيقة.

لقد ظل الشعر العربي على هذا النحو حتى منتصف القرن التاسع عشر حين دخل مرحلة جديدة من حياته عاد في أثنائها عوداً محموداً إلى عهود ازدهار السالفة مستمداً من أنفاس الماضي العريق قوة ومن متغيرات لعصر وهموم واهتمامات الناس فيه ومتطلبات تطور أحوالها غذاء يومياً لا ينفد، وأخذ يقبس من شعراء تلك العصور ديباجتهم الصافية وأساليبهم الرائقة ومعانيهم السامية، ويحاكيهم في النهج والطريقة. وفي أثناء ذلك كان يحلق رويداً رويداً في أجواء الحضارة الحديثة المتأثرة بمفاهيم الغرب المادية التي أحدثت هزة عنيفة فيما ألفه الشرقيون من قيم وعادات، وفيما توارثوه من أفكار في العلوم والآداب وشتى نواحي الحياة المختلفة.
وكان واقع الشعر في بلادنا أسوأ من ذلك كثيراً، وكان من الطبيعي أن يسير على المنهج الذي سار عليه الأدب بعامة آنئذ، وأن يكون منقطع الصلة بالشعر العربي القديم العريق.
وقد كان الشعراء يجهلون الشعر الأوروبي ولا يعرفون الاتجاهات الشعرية والحركات الفنية المختلفة. وظل دينهم الجري على المسالك التي عبدها لهم شعراء العصور المتأخرة، ولذلك ضعفت استجابتهم للحوادث والاضطرابات التي كانت تعصف بالبلاد. ولذا كان من الطبيعي أن تترك هذه المعطيات أثرها المباشر على الأدباء والشعراء منهم بخاصة، وكذلك تأثيرها المباشر على الأدب، وأن تشوه صورة الشعر ومضمونه وتحيله إلى نثر منظوم. (20)

وتشير المصادر الأدبية إلى أن القرن التاسع عشر كان قرن التاريخ الشعري في البلاد العربية، وذلك لأننا لا نرى في شعر تلك الحقبة في فلسطين ما يشير إلى ملامح واضحة من التجديد، كما هي الحال في الشعر العربي في مصر بخاصة(21) ويكاد الشعر يكون منصباً على المدائح والإطناب الوصفي والألغاز والأحاجي والتاريخ الشعري، والتوسع في الأقاصيص والروايات غير الواقعية المصاغة نظماً شعرياً كلاسيكياً لا يتسم بأي مظهر من الجودة يمكن أن تجيز تصنيفه بالنثر الرديء.
ويبدو هذا الأمر بديهياً عندما نعرف أن البلدان العربية برغم أنها جميعها رزحت تحت نير الاستعمار التركي، فقد توفرت لكل بلد منها عوامل تطوره الخاصة التي شكلت ملامح واقعه في مختلف المجالات: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية أيضاً، وحددت اتجاهات ومضامين وآفاق هذا التطور ودرجة تسارعه في آن واحد.

وبسبب هذه العوامل ظهرت الحركة السياسية في مصر سابقة لما عداها من البلدان العربية الأخرى، فكان إسهام هذه الحركة مباشراً في التأثر على الأدب. وبخاصة الشعر في مصر. ولذا يبدو طبيعياً أن يكون محمود سامي البارودي شاعر الثورة العرابية التي اندلعت في مصر عام 1882 هو رائد المجددين في القصيدة العربية الحديثة، بل يمكن اعتباره حامل لواء التحرر في الشعر العربي الحديث، حيث اتجه به إلى ينابيعه الصافية الأصيلة في العصور الإسلامية الزاهية، واتخذ من أمثال أبي تمام والبحتري والمتبني وأبي العلاء المعري والشريف الرضي ومهيار الديلمي وغيرهم من الأعلام مثالاً وقدوة في نظم الشعر. ثم انعطف بالشعر إلى واقع الحياة العربية حينئذ في مصر حيث كان المجتمع المصري يعاني من قهر الاحتلال البريطاني استبداد الحكام وتسلط ذوي الجاه والإقطاعيين فصور هذا الواقع بأسلوب لم يتهيأ لشعراء العصر السابق.(22)

إن استعراضاً سريعاً للقصائد التي نظمها شعراء فلسطين في تلك الفترة وخصوصاً أبرزهم الشيخ علي الريماوي يظهر الفرق الشاسع بين مفهوم رسالة الشعر عند كل من الشاعرين الريماوي والبارودي، وكذلك الاختلاف بين أسلوب كل منهما عن الآخر.
لقد وظف الشاعر البارودي الشعر في خدمة مقاومة الاستعمار الأجنبي والكفاح ضد القهر والاستغلال والتعبير عن هموم الناس ومظالمها والدفاع عن طموحاتها، وأما الشاعر الريماوي فقد كان عثمانياً يدافع عن دولة المسلمين الأتراك ولا يتعامل معها كدولة أجنبية غازية ومستعمرة، وأقصى ما يوافق على طرحه في مجال نقد هذه الدولة هو الإصلاح وذلك في الوقت الذي كانت قد بلغت فيه التحضيرات لإطلاق حركة النهضة القومية العربية ذروتها.
وحقيقة فهم الشعراء: الشيخ سليم أبو الإقبال اليعقوبي ونخلة زريق والأب جورجي عطية والأب إلياس والشيخ يوسف النبهاني وعباس الخماش ويوسف أسعد وعارف الحسيني وراغب الخالدي وموسى عقل وغيرهم من شعراء تلك الفترة لوظيفة الشعر الأدبية ليست مختلفة كثيراً عن فهم الشيخ علي الريماوي لذلك، برغم بعض الفوارق بين موقفهم وموقفه السياسي خصوصاً لجهة علاقة العرب بالدولة العثمانية حيث كان بعضهم يرفضون هذه العلاقة باعتبارها استعماراً أجنبياً، ويبشرون بالتحرر من هذا الاستعمار وإقامة الدولة العربية القومية.

لقد كان النظام الإقطاعي التركي يقوم في فلسطين وفي البلدان العربية الأخرى، فيشكل جوانب حياتها وفق المحتوى العام لمبادئ ونظرية هذا النظام في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ولذا يغدو طبيعياً أن يكون المحتوى العام لهذا النظام دينياً يتشكل بأشكال تنويعات تكوين هذا النظام، فيغلب على الثقافة الطابع الديني. ولقد صبغ النظام الإقطاعي ومحتواه الديني النتاج الشعري في تلك الحقبة بلونه ومضمونه، وكذلك تشكيل الأجواء الثقافية في مدن ولايات البلاد المختلفة. ولهذه الأسباب كان الشعر الفلسطيني في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر متأخراً كثيراً في مستواه الفني وأساليبه وفي دوره ووظيفته عن الشعر في كثير من البلدان العربية الأخرى وخصوصاً المجاورة (مصر، لبنان، سوريا). كما كان "هذا الشعر المنظوم الذي لا يستطيع أن يحمل مضموناً إلا هذا المضمون الذي تنقله تلك القيم الدينية بصورة ساذجة ومهترئة.. غير أننا لا نستطيع أن ننكر أنهم إنما كانوا منارة تشير إلى قوافل النهضة كي تعرف من أين تصدر وإلى أين تمضي.. وليس من الغريب أن نجد الشعر في هذا العصر لا يصدر إلا عن رجال دين سواء كانوا مسلمين أم مسيحيين، في معظمه".(23)

ظلت حالة الشعر بمثل ذلك المستوى ردحاً طويلاً من سنوات عمر مرحلة النهضة، كما بقيت كذلك حالة الشعراء أيضاً. ولكن مطلع القرن العشرين حمل معه معطيات تحول جامحة، فظهرت فئة جديدة من الشعراء الفلسطينيين صاغت لنفسها منهجاً آخر مختلفاً جمع بين أصالة القصيدة العربية القديمة ومتطلبات الحياة المعاصرة. كان أن نشب صراع قوي بين الفئتين أسفر عن انتصار الفئة الثانية المجددة وانحسار الفئة الأولى التقليدية".(24)

وتشير المراجع الأدبية إلى أن القوة التاريخية للتيار التقليدي لم تحل دون استمراريته التنافسية مع التيار المجدد في المرحلة الجديدة من حياة الأدب الفلسطيني الحديث وأن يستقطب إلى صفوفه بعضاً من أساطين الأدب والثقافة وأن يسلمها راية قيادته من أمثال الشاعر والمثقف محمد إسعاف النشاشيبي، وأن يحافظ هذا التيار على موقعه التشاركي بجدارة في التأسيس للثقافة الفلسطينية المعاصرة وفي رسم ملامح صورة اتجاهاتها ومدارسها الأدبية والثقافية المختلفة، وذلك على الرغم من أن الاتجاه المجدد كان نشطاً وحيوياً. وقد كان اتجاهاً جارفاً نحو الحياة واستلهامها والغرف منها باعتبارها ينبوع الأدب الأصيل، والفكر الحر، والثقافة المرجوة".(25)

إن قراءة موضوعية لمجمل الظروف التي كانت تعيشها فلسطين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تشير بوضوح إلى أنه لم تشهر فروع الثقافة المختلفة تطوراً يذكر باستثناء مجال التعليم وازدياد عدد المدارس والمعلمين والطلاب عما كان عليه الحال في النصف الأول من ذلك القرن. وقد ظلت أنواع الأدب وخصوصاً الشعر تراوح حول مستواها المتردي والمتخلف عن ما تطور إليه الشعر في البلدان العربية المجاورة. وإذا كانت عوامل كثيرة قد وقفت وراء ذلك، فإن محدودية وسائل الاتصال الجماهيري وندرتها قد مثلت السبب الرئيس لذلك. ففي حين كانت الصحافة قائمة وتتقدم بثبات وحيوية على طريق تطورها في سوريا ولبنان ومصر، فإنها في فلسطين لم تعرف إلا بعد عام 1904 حين أصدر إبراهيم زكّا صحيفة "النفير العثماني" وذلك برغم أن الصحافة الحكومية، التي اقتصرت على صحيفة "القدس الشريف"، كانت قد صدرت منذ 1876، ولكنها لم تؤسس لظهور صحافة في فلسطين، حيث لم يصدر فيها منذ ذلك الحين وحتى عام 1907 أي صحيفة. الأمر الذي يجيز لنا اعتبار هذا العام بداية ولادة الصحافة الفلسطينية الذي تدشن بصدور مجلة "الترقي" في ذلك العام، وترأس تحريرها الأديب عادل جبر، وكانت تبحث في المجالات الأدبية والاجتماعية. وبعد إعلان الدستور عام 1908 شهدت فلسطين تسارعاً في التسابق على إصدار الصحف والمجلات حيث سجلت الوقائع صدور عدد كبير من المجلات والجرائد بعد مرور أسبوع واحد فقط من يوم إعلانه، حيث صدر في القدس 9 صحف وفي حيفا جريدتان، كما صدرت خلال تلك الفترة مجلتان واحدة في حيفا والأخرى في يافا.(26)

ويبدو تأثير عدم وجود الصحف سلبياً على أنواع الأدب المختلفة وخصوصاً الشعر لجهة الوصول إلى الناس والانتشار بينهم عندما نعرف ارتفاع كلفة طباعة ديوان الشعر ومصاعب طباعته وتوزيعه بسبب تدني مستوى الطباعة يوم ذاك من جهة، وبسبب عدم تعرف المجتمع على عادة اقتناء الكتاب الأدبي من جهة أخرى، حيث كان الاهتمام بالكتاب إن وجد مقتصراً على الكتاب الديني مثل: "القرآن الكريم" و"كتب الحديث والسنة" و"الفقه" و"الكتاب المقدس"، والكتب الدينية الأخرى.
في ظل أوضاع كهذه كانت أكثر وسائل الاتصال الجماهيري بدائية هي الأوسع رواجاً لنقل وتداول الآداب والأشعار وصنوف القراءة المختلفة. وكان الأبرز بين هذه الوسائل منابر الاحتفالات المدرسية مثل احتفالات بداية العام وانتهاء الفصل الدراسي نهاية العام الدراسي، والاحتفاء بالخريجين... إلخ، وكذلك احتفالات المواسم الدينية مثل: موسم النبي صالح قرب الرملة، وموسم النبي موسى قرب أريحا، وموسم النبي روبين قرب يافا وغيرها حيث كان الشعراء يشاركون في هذه الاحتفالات بتقديم نتاجاتهم، ويتعرف إليهم الجمهور عبر الإطناب الذي يقدمهم به عرفاء وإداريو تلك الاحتفالات.
وكانت السهرات والاجتماعات الثقافية الضيقة أسلوباً آخر. وأما الحلقات الأدبية فكانت الوسيلة الأرقى حيث كان حضورها نخبوياً على المستويين الأدبي والطبقي أيضاً. ويشار في هذا السياق إلى أن من بين أهم الحلقات الأدبية كانت حلقة الشيخ عباس الخماش في نابلس، حيث كان الرجل شاعراً وأحد أشراف ووجهاء نابلس. وكذلك حلقة الشاعر يوسف أسعد في القدس، وقد كان نجل مفتي السادات بالقدس وأحد الذين تراسلوا شعراً مع الأديب أحمد فارس الشدياق.
ومن الحلقات الشهيرة في القدس حلقة الشاعر أبو السعود أحد علماء مدينة القدس وأفاضلها والذي كان يوصف بأنه "رب البيان والأخلاق الحسان".
وكان للأستاذ جورجي عطية حلقة أدبية تجتمع في معظم الأحيان في مدرسة السينمار العلمي في بيت جالا. وكذلك كان للأستاذ نخلة زريق حلقة أدبية في عكا. وقد ظل مداوماً عليها إلى أن أنتقل إلى القدس وانضم إلى إحدى حلقاتها الأدبية.(27)
وكانت أيضاً حلقة النبهاني" التي أسسها الشاعر يوسف النبهاني مرة في عكا وأخرى في جنين وثالثة في حيفا حيث كانت وظيفته تقتضي إقامته. وكانت هذه الحلقة غير مقتصرة البحث على الشعراء، وإنما تتجاوزه إلى الدين وإلى الفقه أيضاً.
ويستدل من المصادر الأدبية على أن حلقات أدبية أخرى كانت قد عجت بها المدن الفلسطينية المختلفة وتجاوزت إلقاءاتها ونقاشاتها إبداعات المجتمعين أو أعضاء الحلقة وأصدقاءهم فطالت شعراء آخرين فلسطينيين وعرب أيضاً. وكثيراً ما كان يجري التركيز في تلك الحلقات على النتاجات الأدبية للشعراء الفلسطينيين المقيمين في خارج الحدود، مثل يوسف النبهاني عندما كان يقيم في الآستانة وكذلك الشاعر محمد التميمي ابن الشيخ أحمد التميمي من مدينة الخليل الذي كان يقيم في مصر ويعمل موظفاً سامياً في إدارة إبراهيم باشا في القاهرة، وكان الشاعر التميمي أثناء إقامته في مصر وكذلك خلال أسفاره وتنقلاته بسبب هذه الوظيفة قد تعرف إلى الأديب والشاعر الثوري والخطيب عبد الله النديم وظل على معرفة به ويجالسه لسنوات طويلة دون أن يتعرف على اسمه الحقيقي فقد كان يعرفه باسم علي الإدريسي فتعلم عبر هذه المعرفة الكثير من خصاله وفضائله السلوكية ومن جيد إنتاجه وتأثر واستلهم أدبياً فأجاد وتنور ثقافياً.(28)

وتذكر المراجع الأدبية أن حلقة عثمان النشاشيبي (والد إسعاف النشاشيبي) في القدس كانت الأشهر والأهم. فقد كانت هذه الحلقة بمثابة خزانة لجواهر عريق الأدب وحاضنة تطوره نحو الحداثة.
كان رئيس الحلقة عثمان بن سليمان النشاشيبي من أفاضل مدينة القدس، ومن أبرز رجالات عصره في الأدب والعلم والثراء. وكان ينتظم في تلك الحلقة محمد جار الله وعارف الحسيني وموسى عقل وأسعد الإمام وراغب الخالدي والمفتي كامل الحسيني ورشيد النشاشيبي وعبد السلام الحسيني وغيرهم. وكان أعضاء الحلقة يتقارضون في جلساتها الشعر ويتذاكرون الأدب ومسائل الفقه واللغة وأخبار أدباء البلاد وأنباء الفقهاء في الولايات العثمانية الأخرى.
ويذكر أن فكرة إرسال محمد إسعاف النشاشيبي للدراسة في المدرسة البطريركية في بيروت قد انبثقت عن واحدة من جلسات هذه الحلقة حين اقترح الشيخ راغب الخالدي على الشيخ عثمان النشاشيبي مثل ذلك وأهمية دراسة إسعاف بها لما ستقوم به من تأهيل عال له نحو المستقبل الذي يريده له.

وإذا كانت بعض المصادر الأدبية تشير إلى أن إسعاف قد انطلق أدبياً من حلقة أبيه حيث يندس أحياناً في ثنايا تلك الحلقة ويستمع إلى أحاديثها ويصغي إلى المتحدثين فيها بانتباه فإنها تعزي إلى هذه الحلقة أيضاً تمسك إسعاف النشاشيبي بقيم وأساليب وصياغات الشعر القديم وعراقته وتوليفها مع طرائق الحداثة التي اكتسبها الشعراء من المعارف التي اكتسبت من التعرف على الآداب الأجنبية بواسطة الاتصال المباشر أو من خلال ما أنجز من تراجم لتلك الآداب واللغات الفرنسية والإنجليزية والروسية وغيرها إلى اللغة العربية.(29)
وتجند بعض المتابعات الأدبية القول بأن قوة تفاعل نخبة الشعراء الأوائل مع أوساطها الاجتماعية وشدة إخلاصها لقضية الشعر وحماسها لتزايد الاهتمام به على اعتبار أنه "أول الأدب" وانتماء رواده إلى فئة المتدينين وقد كان أغلبهم شيوخاً أو قساوسة حمى المشايعين للشعر من الرجم بتهمة الغواية انطلاقاً من أن "الشعراء يتبعهم الغاوون". وقد أصبحت دلالات الوجاهة والشهرة والمعرفة أن يستهل كل قول مكتوب حتى لو كان علمياً بأبيات من الشعر أو النشيد. وحتى الشعراء وهواة الشعر والمقلدين أخذوا في بداية القرن العشرين يتراسلون مع بعضهم ومع بعض غيرهم شعراً، وأحياناً نثراً منظوماً.
وقد  عكست هذه المعطيات التي استجدت في واقع الشعر تطوراً في المفاهيم السياسية لبعض الشعراء ممن كانوا يدعون إلى "العثمانية" حيث أخذوا يطالبون بالثورة عليها والانفصال عن تركيا وإقامة الدولة القومية العربية، وذلك كما فعل الشيخ علي الريماوي والشيخ يوسف النبهاني الذي عندما مضى إلى الآستانة واتصال بحياة الناس هناك، ولمس الصراع، ولمع في ذهنه وميض اتجاه جديد، لم يخذله الشكل التعبيري بل أحسن أداءه فبدا وكأنما هو غارق في هذا المتجه منذ مطلع حياته.

وكان أبرز تعبيرات هذا التحول في حياة النبهاني السياسية والشعرية عندما نظم قصيدته الشهيرة في وصف حالة العرب، حيث أصبح يدرك أن أمة عربية تتحكم بمصيرها التاريخي أمة تركية. (وبهذه القصيدة ومدلولاتها السياسية والأسلوبية) سنجد أن هذه الومضة كانت بداية مرحلة جديدة أو اتجاه جديد في حياة الشعر.. سنراه يقوي ويشتد عوده في المراحل القادمة".(30)
ولقد جاءت تلك  القصيدة لتشير إلى التطور الفكري والسياسي في وعي الشاعر النبهاني خصوصاً بعد اقتناعه أن أخوة الدين بين القوميات المختلفة في دولة واحدة ليست كافية للمساواة والعدل والسلام بين القوميات المختلفة في إطار هذه الدولة وضمن حدودها إذا لم يكن النظام السائد في هذه الدولة ديمقراطياً وعلمانياً يؤمن بحق الأمم والشعوب والقوميات بالمساواة وحق تقرير المصير حتى لو أدى ذلك إلى الانفصال عن الدولة المركزية والاستقلال عنها بشكل تام.

إن الموقف الفكري الجديد للشاعر النبهاني دفع به إلى الانتقال لموقع سياسي مختلف، فحيث كان مع الإصلاح في إطار دولة المسلمين، أصبح مع حركة النهضة القومية في إطار الكفاح للانفصال عن هذه الدولة، وإقامة الدولة العربية القومية. وتعزز بهذا التغير الذي حدث في مواقف الشاعر النبهاني السياسية وتمسكه بصلابة بموقفه الأدبي تعززت قوة المستوى الفكري والسياسي للاتجاه الأدبي المحافظ أو القديم حيث أضيف إليه عملاقاً أدبياً وسياسياً آخر إلى جانب الأدباء محمد إسعاف النشاشيبي ونخله زريق وغيرهم.
وفي الوقت نفسه لم يمنع تمسكه باتجاهه الأدبي شأنه والآخرون عدم قدرته على التعايش مع الاتجاه الأدبي الحديث والتصادق مع رموزه برغم إدراكه أن معظمهم لا يبتعدون كثيراً في مواقفهم الفكرية عن موقف خليل السكاكيني رأس هذا الاتجاه والذي كان ديدن قصده في أغلب كتاباته أن "يزعزع الدين في نفوس الشباب وأن يبعدهم عن لزوم التمسك ببعض القيم والتقاليد السلبية".(31)
كان الشعر السائد عشية انطلاقة النهضة يقوم على التقريظ، ويستطيع التعبير بشكل خلاق عن المظاهر التي كانت تسوده بصيغ مختلفة تتمحور حول أسلوب تقليدي معروف.

وفي المرحلة الجديدة ظهرت قوى جديدة غير معروفة من ذي قبل ولم تكن مألوفة عند الكثيرين في البداية، كما أن أطراف الحركة الوطنية استطاعت استقطاب الأرستقراطية العربية إلى جانبها في الكفاح ضد الأتراك، ولم يكن مثل هذا الأمر صعباً وذلك لأن الحكام الأتراك والإقطاعيين منهم كانوا يستأثرون بالإقطاعيات ويستحوذون على فرص تملك أخصب الأراضي دون العرب. وقد أصبح يراهن على القوة التي أصبحت عليها الحركة الوطنية بعد إتحاد الأرستقراطية العربية بها، في مواجهة مخططات الاستعمار الغربي الذي بدأ يتسلل إلى بلادنا منذ وقت مبكر من النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

ولكن المؤسف أنه قد حدث العكس، خصوصاً وأن الحركة الاستعمارية عرفت كيف تتسلل إلى البلاد وكيف توقع الأرستقراطية تحت تأثيرها، كما عرفت أيضاً كيف تربط مصالحها بها مباشرة، وهو الأمر الذي مكن المستعمرون من أن يجروا خلفهم ويجندوا في خدمة مصالحهم الأمراء والأشراف وزعماء وشيوخ البدو والحضر.
لقد انعكست هذه المستجدات السياسية على الواقع الثقافي، خصوصاً وأن البورجوازية العربية قد التقت بالأرستقراطية العربية. فأصبح للأدب وللشعر تحديداً وظيفة مغايرة غايتها التعبير عن مظاهرة تفاعلات الحياة الجديدة بمفردات وتراكيب ومعان غير متداولة أو معروفة من قبل، وجرى التخلص من أعباء التعبير التقليدي الإقطاعي وجموده اللغوي ليحل محله في البداية التعبير الرومانسي انطلاقاً نحو أشكال أخرى من التعبير.

ويمكن أن نلحظ بشكل رئيس أنه "أصبح للشعر أغراضاً أوثق اتصالاً بالحياة فأصبح الدستور والحرية غرضاً من أغراض الشعر، وكذلك الوظائف وعشاقها، والاستعمار والخطر الصهيوني، والعلم والكدح، ووصف الطائرة، والموضوعات الاجتماعية بأنواعها، والبنات وما يتغنى لهن، والسجون، والوطنيات بأنواعها. وما إلى ذلك من الأغراض (التي يتبين لنا من خلالها) أن الشعر قد زج بنفسه في معركة الحياة، وأنه سلك في ذلك سبيلين: شعر يميل إلى التيار الصاعد.. أو اللون المشير إلى مستقبل جديد، وشعر بجاري الواقع المعاش ويخضع لمقاييسه الفكرية والأدبية.(32)

كما أصبح للشعر رسالة توجيهية وتعبوية، فيحض الناس على العلم والتعلم، ويدعوهم إلى مكارم الأخلاق والأخذ بيد الضعفاء ومساعدة المحتاجين والمعوزين، وإلى الكفاح من أجل طرد المحتلين العثمانيين وإلى الحذر واليقظة من أحابيل ومخططات المستعمرين. وأخذ يدعو إلى الانخراط في العمل التنظيمي والاجتماعي وإلى المساواة وخصوصاً بين الرجل والمرأة، وإلى التمسك بقيم الأخوة والمواطنية الواحدة بين المسلمين والمسيحيين واليهود الفلسطينيين، وغيرها من المسائل الأخرى.

وإذ اضطلع الشعر بمهام جديدة عندما أصبح إزاء أغراض جديدة، فكان لابد من استخدام تعبيرات جديدة يبتعد فيها عن التركيب التقليدي للقصيدة القديمة بعداً يقرب من بعد الأغراض الجديدة في هذه المرحلة عن الأغراض القديمة في المرحلة السابقة.
وفي المناخات الجديدة والظروف التي أصبحت متاحة ولم تكن معروفة من قبل مثل الجرائد والمجلات وغيرها والتي أشهرت الشاعر وشيعت الشعر بدأ عدد الشعراء في التزايد بشكل ملحوظ كما اتسعت مساهماتهم الشعرية والثقافية التي أخذوا ينشرونها في الصحف والمجلات، وكان من أبرزهم: إسعاف النشاشيبي، وخليل السكاكيني، واسكندر الخوري البيتجالي، والشيخ سعيد الكرمي، والشيخ صالح التميمي، ووديع البستاني، والشيخ ابراهيم الدباغ، والشيخ سليمان التاجي الفاروقي، والشيخ محيي الدين الملاح، واللاهوتي الخوري جرجس توما، والشيخ علي الريماوي، والشيخ سليم أبو الإقبال اليعقوبي، والشيخ عبد الرحمن عزيز، وبولس شحادة، وأحمد شاكر الكرمي وغيرهم.
وعندما اتضحت أهداف الحركة العربية وتبلورت شعاراتها وبدأ خط سيرها ينتظم نجد هؤلاء الشعراء وغيرهم وكذلك كتاب ومثقفي البلاد الآخرين، أخذوا يخاطبون الحكام الأتراك بلهجة قوية يدافعون بها عن حقوق العرب ويظهرون فضلهم على الأتراك العثمانيين، ويشهرون أنهم لم ولن يخدعوا بالدستور لأنه وسيلة وليس غاية. وشيئاً فشيئاً بدأنا نسمع أصداء ذلك في الشعر ونتعرف إلى لهجة جديدة في النضال بأشكاله المختلفة. وهكذا نرى أن الشعر قد دخل ميدان المعركة من بابه الأرحب، "وحمل رسالة جليلة الشأن، وأخذ يرسل وعيه الوجداني في أعماق القضايا، ويكشف للناس مواطئ أقدامهم، وينطلق معهم في كفاحهم فيرسم لهم خط. سيرهم واتجاهه. كما أن الشعراء ومثقفين آخرين معهم أصبحوا كتلة حيوية في الحركة الوطنية وتربع البعض منهم على مقاعد قيادتها، وذلك في الفترة التي أخذت تتوضح فيها تدريجياً أبعاد الهجمة الصهيونية على فلسطين".

وحين كان يقف الاستعمار في وجه أي حركة فكرية كان الشعر يسجل وقفاته المخزيات. وقد كان في طليعة المفكرين الفلسطينيين النابهين المتنبهين روحي الخالدي، وقد وضع كتاباً عن الحركة الصهيونية كشف فيه عن غوائل هذه الحركة العنصرية الحربية وأخطارها السياسية. وقبل أن يتاح له طبع مؤلفه النفيس توفاه إليه ربه. وكان الشاعر (وديع البستاني) قد أعد أبياتاً قالها وهو في القدس لتلقى في أربعين الفقيد حول الخطر الصهيوني ولكن الحكومة منعت إقامة الحفلة فلا غرو إن لم ينشر ذلك الكتاب.(33)
وإذا كان من ثمرات للغزو الصهيوني ووقوف الاستعمار بجانبه فهو أن المناسبات الدينية المسيحية والإسلامية خصوصاً المولد النبوي قد تحولت إلى مهرجانات قومية بتدبير بين مفتي حيفا الشيخ محمد مراد والشاعر وديع البستاني (مستشار حكومة فينيقية كما عرفت حيفا إذ ذاك)، وكان يحضر جميع الرؤساء الروحيين وأعيان النصارى، ولم يكن يدعى إليها يهودي قط.. وهكذا أصبحت الموالد: مولد النبي محمد ومولد السيد المسيح أعياداً شعبية تقام بمظهر قومي في مدن فلسطين وتسير فيها المواكب عربية صرفة، وقد كان الشعر سجلاً لذلك كله ولكبريات الحوادث ولأهم التطورات الفكرية في فلسطين.

وتقتضي الأمانة التاريخية في ضوء مظاهر العظمة التي أدتها الصحافة الثقافية والتي أطلعنا على بعض نماذجها في معطيات العرض السابقة، الاعتراف بأن البواكير الصحافية هي حجر الأساس في بناء تكوين الثقافة وفي تطوير الحركة الأدبية في فلسطين، فقد استقطبت كبار الأدباء والشعراء، وتحول انتشار النشاط الأدبي للمثقفين الفلسطينيين من مراكز ومؤسسات النهضة الأدبية في مصر ولبنان إلى مراكز أصبحت قائمة في القدس ويافا وحيفا، ونشطت الأقلام تنشر على صفحات الجرائد والمجلات القصائد الشعرية التي تدعو إلى الإصلاح والتغيير، وتتمثل المفاهيم الجديدة وتحاول ترسيخها كقيم ثقافيةواجتماعية في المجتمع الفلسطيني.
 
الهوامش
1- د. قسطندي الشوملي، "الاتجاهات الأدبية والنقدية في فلسطين"، دار العودة للدراسات والنشر، القدس 1995، ص 28.
2- د. عبد الرحمن ياغي، "حياة الأدب الفلسطيني الحديث من أول النهضة.. حتى النكبة"، المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت، 1968، ص104- 110.
3- د. قسطندي الشوملي، "الاتجاهات الأدبية والنقدية في فلسطين"، مصدر سابق، ص 38.
4- انظر: فاروق خورشيد، "بين الأدب والصحافة"، دار الفكر العربي، القاهرة 1972، طبعة ثانية، ص 120.
5- انظر: أنيس المقدسي، "الفنون الأدبية وأعلامها في النهضة العربية الحديثة"، دار الكتاب العربي، بيروت، 1963، ص 230.
6- انظر: د. عبد الرحمن ياغي، "حياة الأدب الفلسطيني الحديث"، مصدر سابق، ص 340.
7- المصدر السابق، ص 353.
8- المصدر السابق، ص 357.
9- د. محمد جمعة الوحش، "مجلة النفائس الفلسطينية واتجاهاتها الأدبية"، الإصدار الخامس، عمان 1989، ص 218.
10- أنيس المقدسي، "الفنون الأدبية وأعلامها"، مصدر سابق، ص 225.
11- انظر: د. عبد الرحمن ياغي، "حياة الأدب الفلسطيني الحديث"، مصدر سابق، ص 526، 545.
12- د. جميل صليبا، "اتجاهات النقد الحديث في سورية"، معهد البحوث والدراسات العربية العالية، القاهرة، 1969، ص 11-14.
13- انظر: د. عبد الرحمن ياغي، "حياة الأدب الفلسطيني الحديث"، مصدر سابق، ص 450-456.
      وانظر أيضاً: د. قسطندي شوملي، "الاتجاهات الأدبية والنقدية في فلسطين"، مصدر سابق، ص 39-46.
14- أنظر: د. محمد جمعة الوحش، "مجلة النفائس الفلسطينية"، مصدر سابق، ص 235-238.
15- د. عبد الرحمن ياغي، "حياة الأدب الفلسطيني الحديث"، مصدر سابق، ص 538-541.
16- إسعاف النشاشيبي، "كلمة في اللغة العربية"، الناشر غير مذكور، القدس، 1955، ص 47.
17- إسعاف النشاشيبي، "كلمة في اللغة العربية"، مصدر سابق، ص 8-9.
18- أنظر: إسعاف النشاشيبي، "كلمة في اللغة العربية"، المصدر السابق، ص 18، 56.
19- د. عبد الرحمن ياغي، "حياة الأدب الفلسطيني الحديث"، مصدر سابق، ص 549.
20- أنظر: مارون عبود، "رواد النهضة الحديثة"، دار الثقافة، بيروت، سنة النشر غير مذكورة، ص 54-55.
21- أنظر: د. ناصر الدين الأسد، "محاضرات في الشعر الحديث في فلسطين والأردن"، معهد الدراسات العربية العالية، القاهرة، 1957، ص 12-17.
22- أنظر: د. محمد عبد المنعم خفاجي، "فصول في الأدب والنقد"، دون ذكر اسم الناشر، القاهرة، 1973، ص 125-126.
23- د. عبد الرحمن ياغي، "حياة الأدب الفلسطيني الحديث"، مصدر سابق، ص 124-125.
24- د. محمد جمعة الوحش، "مجلة النفائس الفلسطينية"، مصدر سابق، ص 159.
25- د. هاشم ياغي، "حركة النقد الأدبي الحديث في فلسطين"، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1973، ص 22.
26- أنظر: محمد سليمان، "تاريخ الصحافة الفلسطينية (1876-1976)"، مؤسسة بيسان للصحافة والنشر، قبرص، 1987، ص 49-55  ص 93-104.
27- شكري خليل سويدان، "تاريخ الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية"، دون ذكر اسم الناشر، القدس، 1910، ص 65.
28- أنظر: د. عبد الرحمن ياغي، "حياة الأدب الفلسطيني الحديث"، مصدر سابق، ص 156.
29- أنظر: د. عبد الرحمن ياغي، "حياة الأدب الفلسطيني الحديث"، المصدر السابق، ص 159-161.
30- المصدر السابق. ص 153.
31- د. عيسى الناعوري، "خليل السكاكيني أديباً ومربياً"، منشورات دار الكرمل، صامد، عمان، 1985، ص 9.
32- د. عبد الرحمن ياغي، "حياة الأدب الفلسطيني الحديث"، مصدر سابق، ص 164.
33- المصدر السابق، ص 180.

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

محمد سليمان، مجلة رؤية، العدد (24)، تشرين أول 2003

 
 مـعـلـومـات عـامــة
 مـلـفـــات وطـنـيــــة
 قـضـايــا الصـراع
 تـاريــخ فـلسـطـيــن
 الــقـــدس
 الـنــظــام الـســيـاسـي
 قوانـيـن وتـشـريـعـات
 الــسـكـان
 طوائف ومذاهب وجاليات
 الــصــحــــة
 الـتــعـلـيـــم
 شــؤون اجـتـمـاعـيـــة
 سـيـاحــة
 اقـتـصــاد
 الإســكـان
 عـمــل وعـمّـال
 زراعـــة
 نـقــل واتـصـالات
 جـغــرافـيــــا
 الـمــيــــاه
 الــبــيــئـــة
 ثــقــافـــة
 إعـــلام
 ريــاضـــة
 خـدمــات عـامــة
 شـــؤون إسـرائـيـلـيــة
 مـنـظـمـات غـيـر حـكـومـيـة
 وثــائــــق
 تـقــاريــر